ملخص
يروي هذا التحقيق حكاية قصار القامة في لبنان بين تعريف طبي يرفض الاختزال وواقع يومي تصنعه مدينة غير مهيأة للتنوع الجسدي، من "لعنة اللغة" التي حولت المصطلح إلى إهانة إلى تفاصيل الحياة التي تتحول إلى عوائق، الدرج والكونتورات واللباس والوظيفة. ويكشف كيف يسهم الإعلام أحياناً في ترسيخ التنميط، بينما يصنع أفراد المجتمع مساراتهم بالعمل والفن والرياضة والمبادرات.
ما إن بدأت البحث والكتابة عن موضوع قصار القامة، ازدحمت في رأسي ذكريات مع صديق أبي. كان الراحلان طانيوس وأخوه صلاح قزمين، وهبتهما الحياة قلبين نقيين وروحين مترفعتين وكثيراً من الطرافة والذكاء والشهامة، لكنها نسيت أن تهبهما طولاً يدفعان به نظرات السخرية أو الشفقة أو التجاهل.
كنت في طريقي من الجامعة إلى العمل أمُر بطانيوس، الذي كان لديه شغف كبير بالقراءة والكتابة، وأسمع قصصه وأقضي وقتاً مستقطعاً في مكتبته الضخمة، وأكتب بعض أبحاث الجامعة في مكتبه الصغير أمام بريق عينيه بانتظار أسئلتي.
كان وأخوه يسخران من طولهما كأنهما يسبقان الناس، ويرتديان تلك السخرية درعاً يقيهما شر الكلام والنظر.
المسألة ليست مجرد طول
عندما نطرح سؤال قصر القامة طبياً، لا يكون الجواب مرتبطاً بالانطباع أو بالمقارنة السطحية بين الناس. بل يعد قصر القامة هو الطول الذي يقل عن ناقص انحرافين معياريين عن متوسط الطول المناسب للعمر والجنس، أي إذا كان الطفل ضمن أدنى بثلاثة في المئة من أقرانه بالعمر والجنس (وفق مخططات مرجعية علمية)، فهو يدخل طبياً ضمن إطار "قصر القامة"، ويحتاج تقييماً إذا كان النمو يتباطأ مع الوقت. وهذا التعريف الإحصائي الدقيق لا يحمل حكماً ولا تشخيصاً بحد ذاته، لكنه يفتح باب التقييم الطبي عندما يترافق مع تباطؤ في النمو أو تغير في مساره الطبيعي.
ولا يعد الطب كل قصر قامة مرضاً، إذ هناك حالات يكون فيها القصر امتداداً طبيعياً للبنية العائلية، كطفل قصير لأن أحد والديه أو كليهما قصير، مع نمو منتظم وسرعة نمو طبيعية.
وأحياناً قد يكون قصر القامة ناتجاً من أسباب طبية واضحة مثل الاضطرابات الهرمونية والأمراض المزمنة، وبعض المتلازمات الوراثية، أو الاضطرابات في نمو العظام. وضمن هذا السياق يستخدم مصطلح التقزم للإشارة إلى حالات طبية محددة تؤدي إلى قامة قصيرة جداً، ويعرف غالباً عند البالغين بطول لا يتجاوز 147 سنتيمتراً. وفي بعض هذه الحالات يكون فيها الجسم متناسقاً، وأخرى يكون فيها عدم تناسب واضح بين الجذع والأطراف.
لعنة اللغة
كنت كلما سمعت أحداً يسب خصمه وبخاصة في السياسة بأنه "قزم"، أستحضر طانيوس وصلاح وأقول إن كلمة قزم ليست مَذمة، بل قد تكون مدحاً لشدة نقائهما. لكن اللغة والشعر والأدب حملت الكلمة قدحاً غير عابئة بمشاعر أولئك. لا تبدو المصطلحات بريئة تماماً، فاستخدام تعابير مهينة أو شعبوية لا يصف الواقع، إنما يعيد إنتاج التمييز. فلغة الكبار لم تكن طيبة مثل تلك التي استخدمت في قصة الأطفال عن بياض الثلج والأقزام الذين يمتاز كل شخص منهم بطبع وشخصية.
وهكذا يفضل استخدام "قصار القامة" ضمن السياق الصحافي والاجتماعي، لأنه توصيف غير جارح، لا يفترض مرضاً ولا يسحب الكرامة من الجسد المختلف. وتوصي الهيئات الطبية والجمعيات الحقوقية الدولية بتجنب تسميات مثل midget (قزم) لما تحمله من تاريخ إقصائي وساخر، وتؤكد أن كلمة dwarf (قصير القامة) تستخدم فقط عند الإشارة إلى تشخيص طبي محدد، لا كوصف اجتماعي عام.
وأصبح اختيار مصطلح قصار القامة موقفاً مهنياً وأخلاقياً. فهم ليسوا فئة لغوية ولا حالة لغوية، بل هم بشر يعيشون ضمن تنوع جسدي حقيقي. اللغة هنا لا تجمل الواقع ولا تلطفه، إنما تضعه في مكانه الصحيح عن اختلاف إنساني، قد يكون طبيعياً وقد يكون طبياً، لكنه في الحالتين لا يبرر الإهانة ولا التهميش.
الأماكن العامة والخاصة
كما في معظم الدول، يميل الأشخاص الذين يواجهون تحدياً مشتركاً إلى البحث عن بعضهم بعضاً. قد يكون بدافع الانتماء، أن ترى من يشبهك، أن تتشارك التفاصيل نفسها، أن تضحك على ما يتعبك بدلاً من أن تشرحه في كل مرة.
وداخل لبنان، ينخرط قصار القامة في مجتمعاتهم، يعملون ويتحركون ويشاركون في الحياة العامة، لكنهم خلال الوقت نفسه يجدون لأنفسهم فسحات خاصة، أماكن يلتقون فيها ليشعروا ربما للحظة أنهم ليسوا وحدهم تماماً. تجمعهم هواجس مشتركة، وتلاحقهم تحديات يومية لا علاقة لها بطموحاتهم ولا بقدراتهم، إنما بطبيعة التعاطي معهم.
معاناة تبدأ من صعود درج بلا "درابزين" (مسند يد) مناسب، إلى "كونتورات" (مكاتب استقبال) مرتفعة، إلى تعامل تلقائي يضعهم في خانة الأطفال، فقط لأن طولهم لا يطابق الصورة النمطية للبالغ. تفاصيل صغيرة، لكنها تتكرر إلى حد الإرهاق.
ثم تأتي تلك التحديات لا تذكر عادة لأنها تعد بديهية لغيرهم، مثل إيجاد ملابس مناسبة وضبط مقعد السيارة والمرايا والقيادة براحة وأمان وتنظيف المنزل وغسل الصحون، أو مجرد إحضار غرض من الرف العلوي.
أشياء لا تحتاج شرحاً لمن يعيشها، لكنها تحتاج جهداً مضاعفاً كل يوم. لذلك يصبح السلم، حرفياً، رفيقهم الدائم، كأداة تسد فجوة غياب الحلول العادلة، وتسند خيبات صغيرة تتراكم بصمت.
وما يعيشه قصار القامة داخل الأماكن العامة لا ينفصل عن معاناة فئات أخرى في لبنان. أشخاص يعانون شللاً أو صعوبات حركية أو حاجات خاصة، يصطدمون بالمنطق نفسه كالأرصفة غير المهيأة والمباني غير الصديقة للتنوع الجسدي، وحقوق تختصر غالباً بموقف سيارة "مخصص" لا يحترمه أحد. كأن الجسد المختلف يطلب منه دائماً أن يتكيف، فيما المدينة معفاة من أي تعديل.
حين يتحول الظهور إلى إقصاء
لا يأتي تمييز قصار القامة في صورة تنمر مباشر. أحياناً يتسلل ناعماً على هيئة سخرية خفيفة أو شفقة زائدة أو نظرة استغراب تطيل الوقوف عند الجسد المختلف أكثر مما ينبغي. هذه الأشكال الثلاثة على رغم اختلاف نبرتها تشترك في شيء واحد هو نزع الطبيعية عن الشخص، وتحويله إلى حالة تُشاهَد بدلاً من إنسان يُقابَل.
يضع علم النفس الاجتماعي هذه الممارسات ضمن ما يعرف بـmicroaggressions، أي الاعتداءات الدقيقة المتكررة التي تراكم أثراً نفسياً عميقاً على رغم بساطتها الظاهرية. ويلعب الإعلام دوراً مركزياً في تكريس هذا النمط. فلقد ظهرت شخصيات قصار القامة في الدراما العالمية في الماضي بوصفها عنصراً كوميدياً، أو رمزاً للغرابة، وأحياناً أداة صدمة بصرية، مثل الممثل الفرنسي هيرفي فيلجيتس والممثل الأميركي أنجلو روسيتو والأميركي بيتر دينكلاج.
ونادراً ما قدم هؤلاء كأشخاص عاديين يعيشون حياة كاملة خارج إطار النكتة أو الشفقة. حتى في كثير من الإنتاجات الحديثة يبدو وكأننا نراهم كأجساد مختلفة وضعت داخل الأعمال الفنية للفت الانتباه.
وكذلك في العالم العربي تبدو الصورة أكثر حدة، حيث حضور قصار القامة في الدراما والإعلانات غالباً ما يقتصر على أدوار ثانوية ذات وظيفة هدفها الإضحاك أو الإثارة، ونادراً ما يُمنحون أدواراً مركبة أو مساحات سردية تظهرهم كأفراد بقدرات ورغبات وتناقضات وقصص حب وحزن وفرح. ولقد قامت وسائل التواصل الاجتماعي بدورها في توسيع هذا النمط، فالفيديو الطريف ينتشر أسرع من القصة الإنسانية، واللايك لا يسأل عن الكلفة النفسية.
ومن الجدير ذكره أن الصورة النمطية حين تتكرر تطبع في الوعي الجمعي، وتؤثر في التوقعات الاجتماعية وفي فرص العمل وفي احترام الذات وكثير من الأمور الحياتية والاجتماعية الأخرى. فالإعلام لا يعكس الواقع فحسب، إنه يصنعه ويكرره مستخدماً نظريات كالغرس الثقافي لجعل فكرة معينة تترسخ بطبيعية في أذهان المتلقين.
التنمر عنوان ذكريات الطفولة
للحديث عن مجتمع قصار القامة التقت "اندبندنت عربية" بعضهم، الذين تحدثوا عن حياتهم والتحديات والإنجازات التي يحققونها على رغم أنهم يبدون لكثير من فئات المجتمع غير مرئيين كما يجب.
وقد يكون من أفضل ما وقعت عليه أثناء البحث لإعداد هذا التحقيق، التعرف على مروة زيتون وهي سفيرة النيات الحسنة لقصار القامة، ابنة مدينة النبطية الجنوبية، فكانت كالدينمو وصلة الوصل بباقي أفراد المجتمع الذين شاركوا قصصهم، وحديثها قد يختصر معاناة وتحديات وإنجازات قصار القامة.
تبلغ مروة 28 سنة، وتعمل موظفة في جمعية خيرية منذ نحو ثمانية أعوام، بعدما تخرجت باختصاص سلامة الغذاء والرقابة الصحية. تقول "في المرحلة الأخيرة من دراستي كنت أدرس وأعمل خلال الوقت نفسه، والحمد لله اليوم أعتبر نفسي فتاة حققت إنجازات كثيرة، وأنا فخورة بنفسي وبما وصلت إليه... لم تكن طفولتي سهلة، فالصعوبات كانت حاضرة، وأبرزها التنمر بسبب قصر قامتي. كنت أتعرض للتنمر عندما أخرج مع العائلة، لأن الطفل في بداياته يكون دائماً برفقة أهله. كانت تقال لي عبارات جارحة مثل ’انظري إلى رأسها، رأسها أكبر من جسدها‘، فكنت أعود إلى المنزل حزينة أبكي، وأسأل نفسي ’لماذا أنا هكذا؟‘".
وتتابع "مررت بمراحل كثيرة من الخوف والانكفاء، وكنت أحاول الاختباء خلف والدتي أو خلف أي شيء يخفيني عن الأنظار، لأنني لم أكن أمتلك الوعي الكافي لكيفية مواجهة التنمر. للأسف، لم تكن هناك توعية لا للأشخاص ذوي الإعاقة حول كيفية الدفاع عن أنفسهم، ولا للمجتمع حول خطورة هذا السلوك، فغياب المعرفة كان من الطرفين".
تضيف مروة "مع الوقت، أدركت أنني مختلفة من خلال نظرات الناس. كنت أقول في نفسي ’ربما سأكبر غداً، ربما سأطول‘. وكانت والدتي تقول لي إنني قد أطول قليلاً، ولكن ليس كثيراً. عندها فهمت أنني وصلت إلى طول معين، وأن هذا الطول سيكون أقل من المعدل الطبيعي بالنسبة إلى عمري، وبخاصة حين بدأت ألاحظ أن صديقاتي أصبحن أطول مني بكثير. هنا كان دور أهلي أساسياً، فقد منحوني الحنان والتوجيه اللازمين لأتقبل نفسي، وأن أمضي في حياتي بثقة. حتى قبل أن أحقق إنجازاتي، كنت أمتلك هذه الشخصية التي لا تخاف المواجهة، والتي تحب أن تفرض حضورها بثقافتها ووعيها".
تحديات بالجملة
يومياً، يعيش قصار القامة حياة طبيعية. تخبر مروة "نحن نمشي، نحرك أيدينا وأرجلنا، حواسنا كلها طبيعية. التحدي الحقيقي يكمن في الأشياء المرتفعة. أذكر موقفاً من طفولتي، حين كنا نذهب إلى حصة الرياضة، وكان الوصول إلى القاعة يتطلب صعود درجات عالية جداً... زملائي كانوا يصعدون بسهولة، بينما كان الأمر بالنسبة إليَّ مجهداً وصعباً. والأمر نفسه كان يتكرر داخل الصف، مع اللوح أو الأدوات الموضوعة في أماكن مرتفعة. هذه التفاصيل الصغيرة كانت تشكل عبئاً يومياً، مما يجعل ممارسة الرياضة أصعب مقارنة بالآخرين".
وتكمل "في الأماكن العامة، كنت أتعرض لمواقف محرجة، كأن أدخل إلى محل وأتحدث مع شخص يقف خلف المنضدة، فينظر إلى الأعلى ولا ينتبه إلى وجودي. أو أتحدث على الهاتف فيتفاجأ الطرف الآخر حين يراني، لأنني قصيرة القامة. وهذه المواقف تكررت كثيراً.
حلول خاصة... وسيارة
مع التقدم في العمر وازدياد الوعي، أصبحت مروة تتعامل مع هذه الأمور بطريقة مختلفة. "وجدت حلولاً بسيطة، كأن أضع كرسياً لأصل إلى المغسلة، وأجهز منزلي بما يناسبني. حتى القيادة، استطعت أن أقود السيارة بعدما بحثت وتأكدت من وجود تجهيزات خاصة تمكن قصار القامة من القيادة بصورة طبيعية... وبذلك مارست حياتي بصورة طبيعية تماماً".
تعد هذه الفتاة أن المشكلة الأساس تبقى في الاندماج المجتمعي، إذ لا يوجد دمج حقيقي لكل فئات ذوي الإعاقة. وتعد أنه لو تم التفكير بتصميم المرافق العامة بصورة شاملة، كأن تكون بعض الشبابيك في المصارف أو المطاعم أخفض، أو أن تجهز المغاسل والمرافق الصحية بطريقة تراعي الجميع، لما واجه قصار القامة هذه الصعوبات اليومية".
مجتمع لقصار القامة وفريق كرة قدم
بتفاؤل تخبر مروة عن أبرز الإنجازات التي حققتها والتي كانت نقطة التحول في حياتها، إذ تميزت بعد تخرجها في اختصاصها وكانت تلك اللحظة بمثابة الانطلاقة الحقيقية بالنسبة إليها.
"في تلك المرحلة، بحثت عن أشخاص قصار القامة داخل لبنان وفي العالم وحاولت التواصل معهم، لكن كثيراً منهم لم يتجاوبوا، وغالباً نتيجة صدمات نفسية أو تجارب سابقة مؤلمة. هذا الواقع واجهته كثيراً لكنه لم يثنني. أصررت على الفكرة ولم أستسلم".
تكشف عن أنه داخل لبنان، عدد قصار القامة محدود ولا توجد أرقام دقيقة، لكنها تقدر العدد وفق اتصالاتها وتواصلها معهم بنحو 300 أو أكثر بقليل، وقد تعرفت إلى أكثر من 150 شخصاً منهم، وتعرفت إلى أشخاص من خارج البلاد كانوا ينفذون نشاطات وإنجازات خاصة بهم. من هنا، خطرت فكرة إنشاء مجموعة خاصة بقصار القامة في لبنان.
وعالمياً تكشف تقارير عدة عن أن عدد قصار القامة يبلغ نحو 651 ألف شخص، 30 ألف شخص منهم في أميركا، فيما يقدر عدد قصار القامة عند الولادات بطفل قصير القامة من بين كل 15 ألفاً إلى 40 ألفاً.
وتضيف "في اليوم العالمي لقصار القامة والموافق الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) من كل عام، نظمنا فعاليات خاصة وقمنا بزيارة مستشفى ووزعنا الهدايا على الأطفال. ونفذنا نشاطات اجتماعية أخرى، من بينها مبادرات لدعم الجيش وزيارات إنسانية، وغيرها".
وبما أن الرياضة تشكل تحدياً حقيقياً للشباب قصار القامة، خصوصاً كرة القدم، بسبب صعوبة اللعب مع أشخاص ذوي بنية جسدية أكبر، نجح المجتمع في تأسيس أول فريق كرة قدم في لبنان خاص بقصار القامة، وشارك هذا الفريق في بطولات وسافر إلى الخارج، وشارك ضمن مسابقات داخل الأردن ومصر، وصولاً إلى مشاركات على مستوى الأولمبياد.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
اندماج في المجتمع والوظائف
كل هذه الإنجازات كانت إلى جانب عمل مروة الأساس ونشاطها الإعلامي، إذ عملت كمراسلة صحافية واهتمت خصوصاً بملفات التوعية. تقول "أحرص دائماً على نشر محتوى توعوي وتحفيزي وكل ما يخص قصار القامة، لأننا نحن الجيل الذي تمكن من تجاوز هذه التحديات، لكن هناك أجيالاً أصغر في حاجة إلى أن ترى نماذج إيجابية. فأنا أتذكر نفسي حين كنت صغيرة، أبحث وأسأل، أين هم قصار القامة؟ ماذا يفعلون؟ ماذا حققوا؟ واليوم، الجيل الجديد يحتاج إلى معرفة هذه القصص... هناك كثير من قصار القامة الناجحين، منهم معالجون ومتخصصو علم نفس وأطباء ومصممو أزياء ومصممو غرافيك، وشباب وصبايا كثر يتمتعون بالكفاءة والفاعلية والموهبة، ويثبتون يوماً بعد يوم أن قصر القامة لا يحد من الطموح ولا من القدرة على النجاح".
وفي ما يخص الإعلام، ترى مروة "نحن نحدد ماذا نريد أن يصل إلى الناس، وكيف نريد أن نقدم. فإذا قدمت نفسي وقيمتي بصورة محترمة وجدية، فالإعلام سينقل ذلك. أما إذا قدمت نفسي بطريقة هزلية أو فولكلورية أو ساخرة، فستصل هذه الصورة أيضاً".
بين الماضي واليوم
بالنسبة إلى المواقف التي تظهر أن المجتمع لا يزال في حاجة إلى مزيد من الوعي والتثقيف، تقول مروة إن الأمور تغيرت مقارنة بالماضي. فسابقاً، كان عدم التقبل هو الغالب، أما اليوم فتلاحظ رغبة أكبر لدى الناس في المساعدة، وفي التعرف على قصار القامة، وبناء صداقات معهم. وتضيف "صحيح أن هناك بعض الحالات السلبية التي لا تزال موجودة، لكنها قليلة، وغالباً ناتجة من قلة الوعي أو الثقافة، خصوصاً لدى الأطفال. وهنا يبرز دور المدرسة والأهل في التوعية، لأن الطفل لا يستطيع التمييز بين المختلف إلا إذا وجه وفهم".
وفي ما يخص حقوقهم، فهي كما تروي مروة "شبه غائبة، كما هي الحال مع كثير من فئات ذوي الإعاقة. صحيح أن هناك بطاقة من وزارة الشؤون الاجتماعية ومساعدات شهرية بسيطة بدأت تُقدم، لكنها لا تلبي الحاجات الفعلية، خصوصاً أن بعض قصار القامة يعانون أمراضاً مرافقة، مثل مشكلات في العظام أو النمو أو المناعة. وفي كثير من الأحيان، لا يكون الأهل أو الشخص نفسه قادرين على العمل لتغطية هذه الكلف".
وتضيف "الدولة مُطالبة بتأمين حقوق فعلية من بينها تسهيلات في العمل، ودمج حقيقي في المجتمع وتأمين صحي فعال. صحيح أن هناك حديثاً عن تغطية استشفائية كاملة، لكن على أرض الواقع لا يُطبَّق هذا الحق ولا يُعترف به في كثير من المستشفيات، إضافة إلى أن التعليم حق أساس لا نقاش فيه. وما زلت أذكر حالة أم لطفل قصير القامة حاولت تسجيله في مدرسة عادية فقوبل طلبها بالرفض، على رغم أن قدراته العقلية طبيعية بالكامل. حتى إن كثيراً من قصار القامة يتمتعون بذكاء عالٍ".
تحديات العمل
تؤكد مروة أن الصعوبات في سوق العمل لا تزال كبيرة، فكثر يحرمون من فرص العمل بحجج واهية على رغم امتلاكهم الكفاءة الكاملة. ويشكل النقل أيضاً عائقاً لبعض قصار القامة، وبخاصة من يستخدمون الكراسي المتحركة أو يعانون صعوبات حركية إضافية، وهي نسبة قليلة لكنها موجودة وتحتاج إلى حلول حقيقية.
في المقابل تتوقف عند الدور الإيجابي الكبير للتكنولوجيا، "فقد ساعدتنا وسائل التواصل الاجتماعي على إيصال صوتنا وعرض نشاطاتنا والدفاع عن حقوقنا وتقديم صورتنا بصورة إيجابية وفعالة. كثير من الناس لم يكونوا على دراية بقضايانا، لكن التكنولوجيا فتحت هذا الباب على مصراعيه".
على صعيد القوانين، وقع لبنان على الاتفاق الدولي لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، الذي تضمن الحق في التأهيل والتعليم والعمل والتنقل. لكن المشكلة، بحسب مروة، تكمن في غياب التطبيق الفعلي لهذه القوانين وضعف دور المؤسسات. حتى في المؤسسات التي يفترض أن توظف نسبة من ذوي الإعاقة غالباً ما يكون وجودهم نتيجة فرض الذات والاجتهاد الشخصي، لا نتيجة نظام عادل أو دعم مؤسسي.
دور العائلة
تركز مروة على الدور الأهم والأساس الذي تلعبه العائلة، قائلة "العائلة هي الأساس النفسي الأول للطفل. حين يجد الطفل دعم أهله ينطلق بثقة وإيجابية، هذا ما عشته شخصياً، فقد كان أهلي واعين وحاضنين ومشجعين، حتى في بدايات تأسيس فريق كرة القدم كنت أذهب إلى طرابلس (شمال البلاد) على رغم صغر سني آنذاك، وكانت والدتي ترافقني إلى كل مكان دعماً لي حتى أتعرف إلى الآخرين وأبني هذا المسار... وعن التضامن بين قصار القامة، أنا أؤمن بأن هناك روابط قوية لكن الصداقات في النهاية لا تُختصر بفئة واحدة، بل تمتد لتشمل الجميع على أساس الإنسانية والتفاهم المشترك".
تختم مروة، سفيرة النيات الحسنة لقصار القامة، برسالة ملهمة "رسالتي الأساس أن يعرف قصار القامة أنهم رسالة بحد ذاتهم. نحن خُلقنا مختلفين، لكن هذا الاختلاف ليس نقصاً، إنه دور ورسالة. نجاحنا الحقيقي يبدأ من داخلنا، من حبنا لأنفسنا، ومن إيماننا بأننا لسنا أقل ولا أكثر من أي شخص آخر. كل إنسان يملك ما يميزه، وما ينقصه خلال الوقت نفسه، وأنا أؤمن أن ما حققته في حياتي مرتبط بشكلي وتجربتي، وربما لو لم أخلق هكذا لما أنجزت ما أنجزته، ولما أحبني الناس بهذا العمق. لذلك، علينا أن نحب أنفسنا كما نحن بثقة وإيجابية وإصرار على التحدي. وأود أن أذكر الجميع بأن الشخص الذي أمامكم هو إنسان قبل أي تصنيف، لدينا مشاعر، نحزن ونفرح، نضحك ونبكي، ننجح ونفشل، صحيح أننا أصحاب همم عالية لكننا لسنا خارقين. نضعف أحياناً وننهزم أحياناً مثل أي إنسان".
الاندماج يبدأ من الأسرة
تحدثنا مع أحد أعضاء فريق كرة القدم لقصار القامة حسين كركي والذي قام بأدوار تمثيلية عديدة ضمن مسرحيات وكليبات وسواهما، وهو من مواليد عام 1971، وطوله 133 سنتيمتراً. يعرف حسين عن نفسه قائلاً "أنا صبور ومتفائل ونشيط، وأجد في نفسي كثيراً من الصفات الجميلة التي أحبها. وأعيش حياتي بصورة طبيعية ولم أشعر يوماً بأنني مختلف أو أقل من غيري، والفضل في ذلك يعود إلى تربية أهلي الذين لم يشعروني يوماً بأن هناك فارقاً بيني والآخرين. لم أشعر بأنني مختلف عن أصدقائي، على رغم أن الاختلاف في الحقيقة موجود بين كل البشر وليس حكراً على أحد. أهلي عاملوني كما عاملوا إخوتي، ودرسوني كما درسوهم. لكنهم أيضاً أعطوني بعض النصائح في الحياة لأكون واعياً وموجوداً في المجتمع، وأن أواجه الحياة كما هي".
يخبر حسين أنه لم يواجه صعوبات كبرى حالت دون اندماجه ضمن فريق كرة القدم واجتماعياً أو اقتصادياً، ولم يشعر بأن أحداً ينظر إليه على أنه شخص لا يستطيع أن ينجح أو يحقق شيئاً، وبخاصة أن لديه روحاً رياضية، ويقول "الإنجاز، بالنسبة إليَّ هو أن تفعل شيئاً في حياتك سواء نجحت فيه أم لم تنجح. أنت تنوي الإنجاز، لكن هناك عوامل طبيعية واقتصادية قد تساعدك على النجاح أو تعوقك. إذا نجحت، تفرح وتفتخر بما فعلت، وإذا لم تنجح لا يعني ذلك أنك فشلت بل أنك جربت... أنا حققت كثيراً إضافة إلى الانضمام لفريق كرة القدم، عملت في مؤسسات مختلفة وشاركت في كليبات مصورة وسافرت إلى الخارج وشاركت في بطولات، وظهرت على شاشات التلفزيون وقدمت محاضرات وزرت مدارس وعملت في مجالات متعددة، كل ذلك أعتبره إنجازاً".
ويضيف "وصولي اليوم إلى هذه المساحة الإعلامية، موقع "اندبندنت عربية"، واستضافتي للحديث عن تجربتي هو بحد ذاته إنجاز. لو لم أكن فعلت شيئاً في حياتي ولو لم يكن لي أثر لما كنت هنا اليوم. كل مرحلة تجاوزتها وكل صعوبة تخطيتها تعد إنجازاً، ليس شرطاً أن يكون الإنجاز كبيراً أو شهرة أو منصباً، أحياناً أي إنجاز بسيط تتجاوزه وتكمل طريقك يكون أهم من إنجازات ضخمة، ولكننا نحتاج إلى دولة ترى ومجتمع يفهم ونظرة عادلة تضع الإنسان في مكانه الصحيح، لا على هامش الصورة".
بنية تحتية غير مجهزة
على مستوى الحياة الاجتماعية، يقول حسين "نواجه بعض الصعوبات البسيطة، عندما نذهب إلى المطارات أو الدوائر الرسمية نشعر أحياناً أن هذه الأماكن غير مجهزة إلا لفئات معينة من الناس، ومن خلال تجربتي الشخصية وسفري إلى عدد من الدول لاحظت أن المطارات في الخارج غالباً ما تكون مجهزة بصورة أفضل، لكن في الأماكن العامة يبقى التجهيز أحياناً محدوداً ومخصصاً لفئات محددة فحسب. أتمنى أن تتغير هذه الصورة في جميع الدول".
درس حسين الكهرباء في مدرسة مهنية، ويعمل حالياً داخل مؤسسة في قسم الموارد البشرية ويتولى مسؤوليات متعددة، منها الإشراف على الموظفين وإدارة المستودع، وهي مهام متداخلة يقوم بها خلال الوقت نفسه.
ويقول "في مجال التمثيل كانت الأدوار التي عرضت عليَّ محدودة ومحددة بطابع معين. أحياناً كانت أدواراً مرتبطة بالمناسبات، مثل أدوار خاصة بفترة الأعياد كعيد الميلاد، أو أدوار ثانوية، فأؤدي ما يُطلب مني وأقدمه كما هو، سواء كان دور ضيف أو دوراً بسيطاً، بحسب الحاجة".
زوجان قصيرا القامة
تخبر جيسي شمس أنها وزوجها شربل من قصار القامة تعرفا إلى بعضهما بعضاً من خلال التلفزيون، وتقول "شاركنا معاً في حلقة على شاشة ’الجديد‘ مع الإعلامية ريما كركي، وهناك بدأت قصتنا، تعرفنا أكثر إلى بعضنا ونشأت بيننا مشاعر حب واحترام متبادل. وعلى رغم اختلافنا الديني، قررنا الارتباط... اليوم مرتاحان ومبسوطان، ونشكر الله على كل شيء. رزقنا بطفل شربل الصغير منذ نحو ستة أعوام، وهو ليس قصير القامة مثلنا ويتمتع بعافية كاملة، وكنا بالطبع سنتقبله إن كان قصيراً أو طويلاً".
وتضيف "مررت شخصياً بتجربة صعبة خلال سن مبكرة، فقد كنت أدرس لكن والدي تُوفي وهو في الـ40 من عمره، مما اضطرني إلى ترك الدراسة والعمل، إذ كنت أقدم القهوة وأقوم بأعمال بسيطة لمساعدة والدتي في مصروف البيت".
وعما إذا كانت وزوجها تعرضا لتنمر أو ضغوط، قالت "تعرضنا لكثير من التنمر وكثيراً ما كان الحديث ما إذا كان طفلنا سيكون قصير القامة أيضاً، كان بعض يعتقد أننا أخوة، ويستغربون عندما يعرفون أننا زوجان".
التفوق والإصرار
تخبر ريبيكا الشالوحي، مهندسة ديكور ومعمار ومعروفة بموهبتها في الغناء والعزف منذ طفولتها، أن مسألة قصر القامة جزء من هويتها الجسدية، "لكنها لم تكن يوماً تُعرفني ولا تختصرني ولا تحدد قدراتي أو طموحي، بل تميزني بإيجابية عن غيري. ولقد اخترت دراسة الهندسة المعمارية لأنني أحب الإبداع والتصميم منذ الصغر، ولأنها مهنة تجمع بين الفن كوني أرسم والتفكير، ولأنني كنت أود أن أترك تأثيراً وبصمة لي على حياة الناس في المستقبل".
عن التحديات التي واجهتها، تقول "واجهت تحديات خلال الدراسة والعمل، في الجامعة كانت أغراضي ومجسماتي والطاولة التي كنت أرسم عليها المخططات أكبر من حجمي. أما في العمل، فإن مواقع التنفيذ لم تصمم أصلاً لتكون شاملة، لكن هذه التحديات لم تمنعني بل دفعتني لأن أكون أكثر مرونة وإصراراً على إثبات كفاءتي من خلال عملي وليس من خلال شكلي، فتخرجت بدرجة تفوق".
لم تؤثر نظرة الناس في ريبيكا نفسياً، وتقول "لكن كنت داخلياً أشعر بأنني مختلفة من نظرة الآخرين، لكن ثقتي بنفسي والرضا الذاتي الذي لديَّ كانا ينعكسان على الآخرين ويطمئناهم ويجعلاهم يريدون التقرب مني أكثر... على الصعيد العمل، كان لدي قلق في شأن بعض الصعوبات التحركية، وكان المسؤول عني في البداية على الدوام يطمئن أن كان كل شيء مريح لي. ولقد أثبت كفاءتي من خلال أدائي والتعامل باحتراف".
التصميم للجميع
تعد ريبيكا أن كل مشروع شاركت فيه وتحملت مسؤوليته من الفكرة حتى التنفيذ هو إنجاز بحد ذاته، وبخاصة المشاريع التي تطلبت حلولاً عملية وتواصلاً مباشراً مع فرق العمل. هذه التجارب أثبتت لها أن القوة الحقيقية في الهندسة هي القدرة على التفكير والتنسيق واتخاذ القرار وتحمل المسؤولية.
وتؤكد أنه من وجهة نظر معمارية، يجب اعتماد تصميم أكثر شمولية مثل إعادة دراسة ارتفاعات المفاتيح والمقابض وأزرار المصاعد والأدراج. وتصميم أثاث ومساحات عامة قابلة للتكيف مع أطوال مختلفة. واعتماد معايير "التصميم للجميع" بدل التصميم النمطي. وأيضاً خفض علو الدرجات بصورة عامة، وتقول "أنا شخصياً أحياناً أفضل أن أمشي في المكان المصبوب straight المخصص للناس المقعدين على أن أصعد على الدرج المرتفع قليلاً بالنسبة إلى طول ساقي. في النهاية، العمارة الناجحة هي التي تخدم الإنسان بكل تنوعه، لا فئة واحدة فقط".