Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل ندمت النساء على شعار "المرأة القوية المستقلة"؟

بين حرية مستحقة وصفقة غير عادلة... ربما حان وقت مراجعة الشعارات التي رفعت سابقاً

الاستقلالية والقوة أنهكتا المرأة (صمم بالذكاء الاصطناعي)

ملخص

تاريخ طويل لقوة النساء، من الصيادة والملكة إلى مجتمع أقفل عليها جدران المنزل، ليعود شعار Strong Independent Woman ليعوض عليها، ثم يعود ويأسرها في قفص ضغط ناعم بحجة التمكين. دراسات تزيح غبار المجتمع المتراكم عن أساطير القدرة الخارقة في تعدد المهام التي دفعت المرأة ثمنها. فهل ندمت المرأة على الاستقلالية التي حصلتها، أم على تعاطي المجتمع معها بطريقة غير عادلة وتحميلها النتيجة وحدها؟

قد يكون من أوائل من وقع، من دون أن يدري على عقد العمل المفتوح مع النساء هو نابليون بونابرت (إمبراطور فرنسي) نفسه، إذ تنسب إليه تلك الجملة التي صارت مثلاً يردد "المرأة التي تهز السرير بيمينها تهز العالم بيسارها". مع أن الأصل يعود إلى بيت شعري إنجليزي من القرن 19 "اليد التي تهز المهد هي اليد التي تحكم العالم".

فرحت سيدات كثيرات بهذه المقولة، فلقد بدت كأنها تعويض رمزي عن مجد قديم زائل، يذكر بأن المرأة لم تخلق مرافقة على الهامش، وكانت لآلاف السنين، قبل أن يقيدها المجتمع الزراعي في بيت واحد وحقل واحد، صيادة وشريكة كاملة في كسب القوت، بحسب أبحاث الآثار الحديثة التي تكشف عن أن ما بين 30 و50 في المئة من صيادي الطرائد الكبيرة في مجتمعات الصيادين - الجامعين كانوا نساء، ولسن مجرد "مساعدات في جمع التوت" كما يظهر بحث علمي بعنوان Female hunters of the early Americas نشر على موقع Science Evidence عام 2020. وقبل أن تتحول المرأة إلى "ربة بيت" بحكم المحراث، كانت هناك ملكات ومحاربات يحكمن قبائل وإمبراطوريات من مصر إلى بلاد ما بين النهرين وسوريا وبلاد الفايكنغ في أوروبا، من حتشبسوت وكليوباترا إلى بوديكا وملكات أفريقيا وزنوبيا ملكة تدمر، وأليسار ملكة قرطاج واللاتي تؤكد الدراسات التاريخية أنهن لعبن أدواراً سياسية واقتصادية وعسكرية حاسمة، حتى وإن حاولت النصوص الذكورية لاحقاً محوهن أو تحويلهن إلى مجرد استثناءات.

 

دخول الحظيرة!

وهكذا ما إن دخل الإنسان عصر الحقل والحظيرة حتى دخلت المرأة عصر القفص المنزلي، ابتعدت عن الصيد والحرب والتجارة، وباتت تختزل في وظيفة الإنجاب والرعاية، ومعها تطمس مهاراتها الأخرى أو تعاد تسميتها كواجبات طبيعية خاصة بها. لذلك حين عادت عبارة "المرأة التي تهز السرير تهز العالم" في القرن الـ20، صفقت كثيرات بحرارة لأنهن رأين فيها إيصالاً متأخراً لرسالة قديمة جداً، وهي أن اليد اليمين التي تهز المهد ليست يد خادمة للتاريخ، إنما هي يد صانعة له، حتى لو أصر العالم أن يحملها فوق ذلك كله، 1000 بطيخة في اليد اليسار. اليوم تبدو القصة بأبعاد مختلفة، فكثيرات من النساء يهمسن لأنفسهن، فتحت على نفسي باب الريح القاسية، فلو كنت أقل قوة واستقلالاً، ربما كنت أقل إنهاكاً واحتراقاً. وهو في الواقع ليس ندماً على القوة نفسها، إنما على الفاتورة التي دفعتها لقاء شعار تسويقي اسمه strong independent woman تحول مع الوقت إلى عقد عمل غير مكتوب وغير منصف. فمن أين جاءت هذه العبارة أصلاً؟

 

ليست بريئة

العبارة في حد ذاتها ليست بريئة ولا جديدة، فمنذ التسعينيات وبداية الألفية، ظهرت كـ"كود ثقافي" في ثقافة "البوب" الأميركي. وبدأت تتشكل ملامح "المرأة الحديدية" من خلال الموسيقى والفن. فكانت فرق الـR&B Rhythm and Blues والـ"هيب هوب" أولى من صاغت هذه الشخصية الجديدة، بوصفها امرأة تكسب مالها بنفسها، وتتخذ قرارها وحدها، وتطرد من حياتها أي "خاسر" لا يملك شيئاً سوى وعود فارغة.

من Independent Women لـDestiny’s Child إلى No Scrubs  لـ TLC، كان في الأغاني إضافة إلى كونها أسلوباً موسيقياً، ما يشبه بياناً نسوياً مبسطاً يصل إلى المراهقات أسرع من أي كتاب نظري. وتحول مع انتشار الإنترنت من موسيقى إلى شيفرة اجتماعية. وهكذا صارت عبارة Strong Independent Woman قاعدة غير معلنة مفادها بأن على الفتاة أن تكون قوية بلا استراحة، ومستقلة بلا تردد، وناجحة بلا انهيار. وانتقلت الفكرة من رسالة تمكين إلى واجب سلوكي، وثقافة ضغط ناعمة تطالب النساء بأحمال مضاعفة.

خيانة لأسطورة القوة

لكن في الخلفية الأعمق هناك صورة أقدم بكثير، وهي "المرأة السوداء القوية"strong black woman schema، التي حللها باحثون كعالمة الاجتماع الأميركية باتريشيا هيل كولينز وغيرها، وقد نشأت تاريخياً من إرث العبودية في الولايات المتحدة، كامرأة تتحمل كل شيء وتكتم ألمها وترعى الجميع، ويفترض أن قدرتها على الاحتمال بلا حدود. وتتميز بضبط النفس العاطفي والاستقلالية والقدرة على الرعاية. نشأ هذا النموذج من الصور النمطية للنساء السود المستعبدات، ونما من الاضطهاد المتقاطع الذي تواجهه النساء السوداوات بسبب التوقعات المجتمعية.

 

وفي دراسات حديثة حول هذه البنية المعرفية عند النساء السودوات، مثل أبحاث ستيفاني كاستلين وغريس وايت عام 2022 بعنوان The Strong Black Woman Schema and Mental Health in College-Aged Black Women أو دراسة ناعومي هول عام 2025 بعنوان The strong Black woman stereotype and identity shifting among Black women in academic and other professional spaces تربط الأنماط الذهنية من نوع "أنا امرأة قوية مستقلة" بمستويات أعلى من المعاناة النفسية والاكتئاب والتردد في طلب المساعدة، لأن الاعتراف بالهشاشة يعد خيانة لأسطورة القوة.

تبييض النسخة واستغلالها

من هذه الخلفية العرقية والتاريخية، خرجت نسخة مبيضة ومعولمة strong independent woman كمنتج ثقافي جاهز للتصدير، وقد تبنته الميديا والإعلانات والأفلام وخطابات الـgirl power، ثم التقطه التسويق النيوليبرالي واستغله بعنوان براق "اعملي أكثر واشتري أكثر وكوني سعيدة أكثر… وحدك"!

 

وفي مقالات نقدية في الفضاء الرقمي الذكوري والـmanosphere تتحدث صراحة عن Strong Independent Woman كأرشيف تجاري تم ترسيخه لعقود في كل وسائل الإعلام تقريباً، حيث تحول نموذج المرأة القوية المستقلة خلال نصف قرن إلى علامة تجارية ثقافية صنعت عبر الإعلام، من أميرات "ديزني" إلى بطلات "الأكشن"، كصورة لامرأة لا تحتاج رجلاً في حياتها. وصدر بوصفه تمكيناً، لكنه، بحسب أحد المقالات بعنوان The Brand of Independence خدم هدف فصل النساء عن الرجال، وصناعة استقلال يعرف بغياب الرجل لا بحضور قدرات المرأة. ومع الوقت صار يبحث عن هذا النموذج في الواقع، وتحول إلى معيار يقابل به الرجال وينتقص منه دورهم. غير أن الفكرة ذاتها تتجاهل حقيقة إنسانية بسيطة، أنه لا وجود لاستقلال مطلق بين الجنسين، إنما تبادلية واعتماد متبادل هو ما بنى المجتمعات عبر التاريخ.

من شعار تحرر إلى وصفة احتراق

قد تكون الفكرة الأصلية لنموذج المرأة المستقلة القوية نبيلة، إذ تستطيع أن تعيل نفسها، ولا تبتز اقتصادياً في علاقة وتتعلم وتعمل وتختار. لكن النسخة التي وصلتنا منهكة، فالمرأة التي خرجت إلى العمل في المكتب والميدان لم يتقلص عملها في البيت، حتى إنها باتت متهمة لدرجة أن عليها أن تثبت أنها امرأة خارقة وMultitask وإلا حكم عليها بالتقصير تجاه بيت هي "ربته"! كما لم ترحمها ألسنة المجتمع، وكثيراً ما اعتبرت "مسترجلة" كونها قادرة على أخذ القرارات من دون العودة إلى الرجل.

في وقت لا تزال بعض المجتمعات يردد "مملكة المرأة بيتها". هذه العبارة الفخ التي ربما أقعدت أجيالاً كاملة "ملكات" في بيوتهن، وهن في الواقع محترقات بين تفاصيل التنظيف والترتيب والتربية والطبخ وكل ما يلزم المملكة ورعاياها وضيوفها.

وفي دراسات عن الاحتراق الوظيفي دراسة ألمانية أجريت عام 2019 بعنوان "الضغط النفسي المرتبط بالجنس في سياق العمل"، ودراسة بريطانية أجريت عام 2002 بعنوان "مساهمة التوجه نحو الأدوار الجنسانية وعوامل العمل والضغوط المنزلية في الصحة النفسية"، ظهر أن النساء يعانين مستويات أعلى من الإرهاق العاطفي، خصوصاً عندما يتقاطع ضغط العمل مع الأدوار الاجتماعية المتوقعة في البيت.

وبينت دراسة حديثة عن النساء العاملات في ماليزيا عام 2025 بعنوان The Factors of Burnout among Working Women أن النساء يتعرضن لعوامل احتراق كثيرة مثل عبء الدور المزدوج في العمل والمنزل، وتوقعات اجتماعية غير واقعية، وساعات عمل طويلة، وإحساس دائم بأن أي تقصير في أي جبهة هو فشل شخصي. وبمعنى آخر أن تكوني strong independent woman يعني أحياناً أن تحترقي بمعزل عن الجميع، بينما يصفق لك العالم على "قوتك".

ويعد الحمل الذهني الذي ترزح تحته النساء الناجحات في مسيراتهن المهنية كبيراً. فهن لا يعفين منه في البيت. وعليهن ضغوط كتبت وكأنها مسؤوليتهن وحدهن، وهنا قد لا يصح التعميم المطلق، إذ يعد بعض الرجال أنها مسؤوليتهم أيضاً، مثل مواعيد اللقاح وتدريس الأطفال والطبخ ومتابعة أمور البيت والعائلة. ومع هذا يظهر بحث نشر عام 2024 cognitive household labor (العمل المنزلي المعرفي) أن التخطيط والتذكر وتنظيم مواعيد الأسرة وتوزيع المهام، تشكل جزءاً غير مرئي من العمل المنزلي، يقع في معظمه على النساء، ويستنزف الانتباه والوقت والصحة النفسية.

وتبين في بحث بعنوان Moving Beyond the Mental Load نشر عام 2025 على موقع Parents أن الأمهات يتحملن نحو 70 في المئة من إدارة شؤون الأسرة في المتوسط، حتى في البيوت التي يعمل فيها الطرفان. وبحث آخر نشر الشهر الماضي بعنوان Successful career women still shoulder the majority of the mental load at home أن النساء الناجحات مهنياً لا يزلن يتحملن الثقل الأساس للعبء الذهني المنزلي، حتى عندما يملكن وقتاً أقل ونفوذاً مهنياً أكبر من شركائهن.

خرافة الـMulti-Tasking

وتبدو الأسطورة المكملة لعبارة strong independent woman هي التبرير البيولوجي الشعبي الذي يقول إن المرأة بطبيعتها multi-task. هكذا ولدت متعددة المهام، وقادرة على التركيز فيها كلها في الوقت ذاته، ولكن يبدو أن للعلم رأياً آخر. إذ قارنت دراسة بعنوان Are women better than men at multi-tasking في BMC Psychology عام 2013 أداء الرجال والنساء في مهام تتطلب تخطيطاً ومراقبة متوازية. وخلصت إلى أن النساء دين أفضل في مهمة تتطلب تخطيطاً معقداً، لكن الدراسة لم تخلص إلى أن النساء أفضل في كل أنواع تعدد المهام، إنما بينت أن الصورة أكثر تعقيداً. وفي دراسة أخرى بعنوان "اختبار الصورة النمطية: حال الاختلافات بين الجنسين في كلف تعدد المهام" في PLOS ONE عام 2019 لم تظهر النتيجة فروق جوهرية ساحقة، إنما اختلافات صغيرة تعتمد على نوع المهمة، مع تأكيد أن تعدد المهام يحمل كلفة معرفية عند الجميع. كما قارن بحث عام 2021 بعنوان Gender differences in multitasking experience and performance في Journal of Experimental Psychology تعدد المهام المتزامن والانتقال بين المهام بين الجنسين، ووجد أن الرجال أظهروا أحياناً كلفة أقل في المهام المتزامنة، ولا فارق يذكر في مهام الانتقال، مما ينسف الأسطورة السائدة عن تفوق نسائي مطلق في تعدد المهام.

وفي أوراق بحثية نشرت في جامعة أمستردام عام 2011 بعنوان Multitasking: Productivity Effects and Gender Differences أظهرت أن تعدد المهام نفسه يخفض الأداء عند الجنسين مقارنة بالتركيز على مهمة واحدة، سواء كان المنفذ رجلاً أم امرأة. وهكذا يظهر رأي العلم صريحاً، إذ لا يوجد جنس معين مخلوق لتعدد المهام بلا كلفة، فالمخ البشري يدفع ثمناً معرفياً كلما قفز بين مهمتين، سواء كان المخ في رأس رجل أم امرأة، في حين قررت الثقافة الاجتماعية أن الرجل يتشتت بسرعة فيعفى من تعدد الأدوار، والمرأة متعددة المهام بالفطرة فيكلف عقلها بحمل كل شيء، ثم تلام عندما تنهار. وتحت قناع القوة والتحمل تبدأ بدفع الفاتورة الصحية من توتر مزمن ونوم متقطع وصداع وتشتت انتباه واكتئاب مقنع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

العبء العاطفي

مما لا شك فيه أن ما يقع على كاهل النساء من عبء عاطفي من الإصغاء والمبادرة والتهدئة وتلطيف الأجواء يزيد على مهامها مهمة يعدها البعض ثانوية، لكنها في الواقع تكون حجرة أساس في بناء أسرة سليمة، ولكن الاحتراق العاطفي الذي قد تتعرض له يدمر راحتها وينعكس على جودة العلاقة وعلى الأطفال أيضاً، كما يظهر مقال بحثي عام 2024 بعنوانEmotional Labor & Gender Roles: Women Bear the Mental Load, and We Are Exhausted. وأن النسخة المتطرفة أيضاً من شعار "لا أحتاج أحداً" تجعل بعض النساء يشعرن بالعار لمجرد الاعتراف بالتعب أو الحاجة إلى الدعم أو الحاجة إلى الشريك. هذه الاستقلالية المتطرفة، إذا صح التعبير، قد تتحول إلى صورة من صور الدفاع النفسي ضد الخذلان، وليس إلى حرية حقيقية. وهذا يظهر في دراسة نشرت في جامعة "إنديانا" عام 2025 عن صراعات الأدوار الجندرية لدى النساء اللاتي يحاولن التوفيق بين صورة "المرأة الحديدية" وأدوار الرعاية التقليدية.

الاستغلال الاقتصادي

يبدو الاستغلال الاقتصادي العامل الأكثر تحريكاً للشعار الرنان عينه، إذ إن جزءاً من المشكلة أن strong independent woman لم يطرح فقط كشعار تحرر، أكثر منه مشروع اقتصادي. فأن تكوني مستقلة يعني أن تعملي أكثر وتستهلكي أكثر وتشتري ربما "باقة القوة النسوية" كاملة من كورسات تطوير ذات ومنتجات تجميل وملابس السيدة العاملة واللائحة تكاد لا تنتهي. ولكن في المقابل لم تبن بالسرعة نفسها أنظمة رعاية ولا إجازات ولادة متوازنة، ولا سياسات عمل مرنة كافية، إذ إن البنية الذكورية بقيت كما هي تقريباً، بينما طلب من المرأة أن تتأقلم و"تقلع شوكها" وحدها، وحيث لم يخلق عالم جديد للمرأة المستقلة، فقط طلب منها المجتمع أن تحمل العالم القديم وحدها بتبعاته. المشكلة تكمن اليوم في أن الاستقلالية قدمت كشرط وحيد للكرامة وليست كخيار، والقوة صارت إلزاماً دائماً، لا مكان فيها للراحة عند الضرورة أو الحاجة في ظل عدم تطور الشبكات الاجتماعية والعائلية والمؤسساتية بالسرعة نفسها لتحمل جزءاً من المسؤولية. وربما كان يجب للشعار أن يكون محاطاً بشبكة دعم للمرأة، تنتمي إلى علاقات ومؤسسات ولا تعاقبها إذا تعبت، ولا تجعلها تعد طلب المساعدة خيانة لجنسها. وهذا قد يتحقق بتوزيع جديد ومعاصر للمهام والحقوق، وسياسات عمل مرنة لا تعاقب الأم، فكثيراً ما استُغني عن الأمهات بعد الولادة بدل دعمهن في العمل، ولا بد أيضاً من تربية جديدة تجعل الرجل شريكاً في المنزل والتربية والاهتمام بالتفاصيل ليس تحت شعار المساعدة إنما بواقع الشراكة الحقيقية.

هل ندمت النساء

يبدو السؤال هنا فخاً آخر، فهل الندم موجه إلى الاستقلالية، أم إلى عدم المعاملة كبشر لهم حدود وأعصاب وعواطف وقدرة؟

فلقد تبين في أبحاث حول Strong black woman schema أن وصف النساء بالقوة والقدرة على الاحتمال يتحول عملياً إلى أداة إسكات، بمعنى أنها قوية وقادرة على التحمل بدل السؤال عن إمكان التخفيف عنها، مما يؤدي إلى معدلات أعلى من الاكتئاب والقلق لديها، والتأخر في طلب المساعدة، وتحمل أدوار رعاية مبالغ بها على حساب الذات تحت عنوان القوة والتضحية، ومن ثم لا تندم المرأة على كونها قادرة، إنما على كون العالم استغل قدرتها ليحملها أدواراً غير متوازنة. إذا هل ندمت النساء على حمل القوة والاستقلالية؟ الجواب العلمي كما العاطفي أكثر تعقيداً، فليس سلباً ولا إيجاباً، إنه مزيج غريب، فما تريده كثيرات من النساء اليوم ليس التراجع عن الاستقلالية، إنما إسقاط هذه الصفقة غير العادلة بأن تكون قوية ليتخلى الرجال عن واجباتهم.

تبدو العبارة إياها في مجتمع يعيش على الحافة بين التقليد والحداثة، ما يشبه شماعة تعلق عليها النساء انتصاراتهن وأحياناً كوارثهن، فحول فكرة الندم على انتهاج مبدأ Strong Independent Woman سيدات تحدثن لـ"اندبندنت عربية" عن تجاربهن.

مايا عز الدين رأت الظاهرة تتضاعف داخل البيئة الاجتماعية نفسها، فالنساء يتركن بيوتهن وأطفالهن، ويبدأن حياة جديدة مع رجال تعرفن عليهم في العمل أحياناً. ونساء تطلقن لأن أزواجهن يغارون عليهن، أو لأنه لم يسمح بتوسيع دائرة علاقات الجيران والزملاء. ونساء يدخلن علاقات مع رجال متزوجين كانوا ضيوفاً محترمين في بيوت الزوجية نفسها. تتحدث مايا عن حالات صادفتها في وقت متقارب وتقول عندما يجتمع الاكتفاء الذاتي مع صغر العقل والغيرة الاجتماعية يخرب المجتمع كاملاً.

حياتي الزوجية تدفع الثمن

تخبر ريم سنكري أنها عاشت طفولة قاسية مع أم مريضة، ومسؤوليات كبيرة، وغياب أبوي جعلها سيدة قرار في عمر صغير. أصبحت مستقلة على رغم عنها لا تطلب مساعدة، ولا تشارك أحداً، ولا تنتظر سنداً من رجل. وحين تزوجت، اصطدمت الحقيقة بالواقع. تقول "أقوم بكل شيء وحدي من دون العودة لزوجي. أشتري أغراضاً للبيت وهو آخر من يعلم، حتى تجهيزات ابنتي مما جعله يحزن، وقال لي إنني حرمته المشاركة باختيار أغراض ابنته".

تحاول ريم اليوم التوازن، لكن يبدو أن الماضي أقوى. "أنا strong independent لكن حياتي الزوجية تدفع الثمن. حتى مسؤولياته تصبح أحياناً مسؤوليتي لأنني دائماً أسابق وأقوم بكل شيء".

سيدات مجهولات وكلام بلا تجميل

بعض السيدات أردن أن يتحدثن من دون ذكر أسمائهن، ليعبرن بحرية تامة. فقالت سيدة إن شعار "المرأة المستقلة القوية" لم يعد دعوة إلى التحرر بقدر ما أصبح غطاء للهرب، فروت قصص نساء تركن بيوتهن وأطفالهن باسم "الحرية الشخصية" ثم تزوجن زملاء بعد خيانات طويلة. ختمت بمرارة "بلغ الفسق أقصاه… وكل شيء يبرر اليوم باسم الاستقلالية".

وذكرت أخرى أنها ليست Strong independent أبداً، إنما "المرتاحة" التي لا تعرف ولا تريد أن تعرف، وهي تعيش براحة لا تخجل منها.

وتحدثت سيدة أخرى عن نجاح المرأة اليوم وفاعليتها واستقلالها، لكن المعادلة، كما تقول، اختلت في مكان ما، فازدادت الطاقة الذكورية لدى النساء، وصرن أسرع تراجعاً عن الزواج، وأكثر جذباً لرجال اتكاليين.

وقالت أخرى بسخرية خفيفة I don’t work, I am a princess "أنا لا أعمل، أنا أميرة".

وأشارت سيدة أخرى إلى أن الاستقلالية جميلة، لكنها حين تتحول إلى هوس تصبح عبئاً، فالمرأة تحاول أن تكون مثالية في كل الاتجاهات، تحمل 1000 وظيفة على رأسها، وإذا ارتاحت يوماً تشعر بالذنب. المجتمع، برأيها، فرض عليها دور الـ Superwoman.

وروت سيدة أنها كبرت بطفولة قاسية وغياب أب، فاضطرت إلى النضوج قبل أوانه. ومع الوقت أصبحت تعتمد على نفسها أكثر من اللازم "حين لا أترك مساحة للرجل ليكون رجلاً… يهرب، أو يخون فقط ليشعر بقيمته". أضافت أن طلب المساعدة من رجل قد يساء فهمه، فيتحول دفاع المرأة إلى قوة قاسية لكن تعيسة.

وقالت امرأة نشأت بلا أب ولا أخ إنها أصبحت قوية أكثر مما ينبغي، لدرجة أنها "لا تعرف قيمة الرجل"، ما ينعكس اليوم على علاقتها الزوجية وصراعاتها.

ورأت سيدة أخرى أن الاستقلالية سيف ذو حدين، فحين تقرن المرأة استقلاليتها بالحكمة، تبني مستقبلها وتضع حدوداً واضحة. أما حين تغيب الحكمة، فتنقلب استقلاليتها عليها، ويصبح الجميع يتكل عليها بلا حدود.

وهكذا فإن ظاهرة أو شعار Strong Independent ليس بالضرورة انتصاراً نسوياً كاملاً، ولا انهياراً قيمياً مطلقاً. يمكن القول إنه يشبه منطقة رمادية تتأرجح فيها النساء بين الحاجة إلى الحماية والرغبة في التحرر، وبين تربية صنعت نساء لا يثقن بأحد ورجال لا يعرفون كيف يتحملون مسؤولياتهم. المسألة إذاً ليست في "المرأة القوية والمستقلة، إنما في إيجاد توازن بين القوة والمشاركة، وبين الحرية والمسؤولية، قبل أن يخسر الجميع معركة لم يطلبوها أصلاً".

المزيد من تحقيقات ومطولات