Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

دار الأيتام في لبنان: قصص من رحم الألم والأمل

ثمة أطفال لا عائلات لهم ويمكن أن يجري تحويلهم إلى المؤسسة بموجب محضر من النيابة العامة

هناك ظروف مادية واجتماعية ونفسية قاسية قد تنتزع الطفل من دفء منزله وتتركه من دون مأوى (صورة مصممة عبر الذكاء الاصطناعي)

ملخص

تتحول دار الأيتام بالنسبة إلى الطفل في لبنان لأسرة بديلة تؤمن له الأمان والرعاية في غياب أسرته الأساس، وغالباً ما يكون الفقر لا اليتم سبباً لوجود الطفل في دار أيتام.

رغم أن وفاة أحد الوالدين أو كليهما تعد من أكثر الأسباب شيوعاً ليتم الأطفال، فإن الواقع يكشف وجهاً أوسع للمعاناة، فهناك ظروف مادية واجتماعية ونفسية قاسية قد تنتزع الطفل من دفء منزله وتتركه من دون مأوى، حتى وإن كان والداه على قيد الحياة، وفيما ترتبط صورة دار الأيتام عادة بأطفال فقدوا أهلهم فإن الحقيقة أن كثيراً من الصغار يصلون إليها بسبب حكايات مختلفة، وكلها مؤلمة على طريقتها.

وفي جميع هذه الحالات تبقى الحقيقة واحدة، ظروف قاسية تدفع عائلات مكسورة أو بخيار منها إلى التخلي قسراً عن فلذات أكبادها، أما هؤلاء الأطفال فيستيقظون فجأة على عالم بلا مأوى وبلا عائلة تحتضنهم أو رعاية تحميهم، وهنا تتقدم دور الأيتام لتسد هذا الفراغ الهائل فتوافر لهم المأوى والطعام واللباس والتعليم وسائر الحاجات الأساسية، إضافة إلى البيئة الدافئة والدعم النفسي والاجتماعي الذي يعيد لهم بعضاً من الأمان المفقود.

الفقر يقود إلى دار الأيتام

في لبنان كما في كثير من دول العالم، لا تقتصر دور الأيتام على رعاية الأطفال الذين فقدوا ذويهم بل تحتضن أيضاً صغاراً اضطر أهلهم قسراً أو بخيار شخصي إلى التخلي عنهم تحت وطأة الفقر والعوز، وهكذا تتحول هذه الدور في غياب العائلة الأساس إلى أسر بديلة تمنحهم ما يستطيعون من رعاية واحتضان.

 

وفي دراسة أجرتها "مؤسسة البحوث والاستشارات" بطلب من وزارة الشؤون الاجتماعية اللبنانية بالتعاون مع "منظمة الأمم المتحدة للطفولة" (يونيسف)، تبين أن نحو 90 في المئة من الأطفال الموجودين في دور الأيتام ليسوا أيتاماً في الواقع إنما هم من الطبقة الفقيرة فقط، ولديهم أسر تفتقد القدرة المادية التي تسمح بإعالتهم، ولذلك فإن كثيراً من هؤلاء الأطفال ينتمون إلى أسر تعاني غياب المعيل، فبعضهم لأمهات فقدن الزوج والسند، وآخرون لأبوين عاجزين عن تحمل أعباء إعالتهم في ظل الظروف الاقتصادية القاسية.

وتستقبل دور الأيتام أطفالاً لديهم حالات جسدية أو عقلية خاصة أو أطفالاً يعانون حالات اجتماعية صعبة مثل أن يكون أحد الوالدين أو كلاهما في السجون، بالتالي يجد هؤلاء الأطفال أنفسهم ينمون بعيداً من كنف العائلة، في دور أيتام توافر لهم حاجاتهم ولو كانوا يفتقدون فيها العاطفة والحنان في كثير من الأحيان، إذ إن تخلي الأهل عن أطفالهم ونشأتهم داخل دور الأيتام يترك عادة ندوباً من الحزن والألم في نفوسهم، حتى وإن كانت هذه المؤسسات تقوم بدور أساس في تأمين حاجاتهم في غياب حضن العائلة ودفئها، فالتجربة في معظم الحالات تخلّف جروحاً نفسية عميقة تبقى راسخة على رغم مرور الزمن، وتتحول ذكراها إلى عبء مؤلم، ولا سيما عندما يمر الطفل بتجارب قاسية داخل هذه الدور، في ظل وجود انتهاكات موثقة ومعروفة تحدث فيها.

عشرات دور الأيتام في لبنان

تنتشر عشرات دور الأيتام في غالبية المناطق اللبنانية، وتقدم خدمات شاملة للأيتام تشمل المأوى والرعاية الصحية والتعليمية والدعم النفسي والاجتماعي، ومن هذه المؤسسات تلك التي تتبنى نظام كفالة اليتيم ضمن أسرته، وهو نموذج اجتماعي تنموي يهدف إلى دعم الطفل اليتيم وهو لا يزال يعيش داخل أسرته البيولوجية بدلاً من نقله إلى دار رعاية.

ويُعد هذا النظام من أكثر الأساليب احتراماً لكرامة الطفل وحقوقه لأنه يحافظ على توازنه العاطفي وانتمائه العائلي والاجتماعي، وفي المقابل هناك مؤسسات أخرى توافر المأوى للأطفال في مراكزها في مقابل بدل مالي أو من دونه، وفق نظامه الداخلي والجهة التي تمولها، أما أعداد الأيتام في لبنان فما من إحصاء دقيق لها.

 

شهادة من عشرات آلاف الشهادات

لم يكن كريم (اسم مستعار لشخص عاش التجربة ورفض الكشف عن اسمه) يتجاوز عامه الثالث عندما وجد نفسه فجأة داخل دار للأيتام، ولم يكن يتيماً كما أوحت أوراق دخوله بل كان ثمرة أسرة فقيرة فقدت القدرة على إعالته بعد وفاة والده وعجز والدته عن توفير أدنى مقومات العيش، وينقل عن والدته لاحقاً أن قرارها كان "أصعب لحظة في حياتي"، لكنها لم تر حينها بديلاً يحمي طفلها من الجوع والتشرد، فكبر كريم في مبنى قديم يضم عشرات الأطفال، لكل واحد منهم حكايته الخاصة، ويتذكر بداياته قائلاً "كنتُ أشعر أن المكان لا يشبه بيتاً، كان كل شيء منظماً أكثر من اللازم، حتى مشاعرنا".

كانت أيامه تبدأ بصف صباحي وفحص روتيني ثم أنشطة مفروضة لا يملك الطفل حرية اختيارها، وعلى رغم وجود مربين يهتمون بشؤونهم بقي شعور الوحدة ملازماً له، ولا سيما حين كان يشاهد زملاءه يزورهم أقرباؤهم بينما لم يكن أحد يسأل عنه لشهور طويلة.

ويتحدث كريم عن الجانب الأصعب من تجربته "أصعب شيء أن تكبر وأنت تشعر أنك غير مرغوب، كأنك ملف أُغلق ووضع على الرف"، ويكشف أنه شهد مواقف قاسية داخل الدار، بعضها عنف كلامي وأحياناً جسدي، وأخرى عقوبات مهينة وأحياناً إهمال مقصود يترك الطفل في مواجهة مشاعره بلا سند، وعلى رغم أن التجارب تختلف من دار إلى أخرى فإن ما عاشه ترك في داخله جروحاً لا تزال تلازمه حتى اليوم.

عند بلوغه الـ 16 التحق كريم ببرنامج تدريبي مهني ثم أكمل دراسته بدعم إحدى الجمعيات، واليوم هو في الـ 25 من عمره ويعمل موظفاً إدارياً ويستأجر غرفة صغيرة في ضواحي العاصمة، ويصف انتقاله إلى الحياة خارج الدار بأنه "ولادة ثانية لكنها صعبة"، حيث وجد نفسه بلا شبكة دعم عائلية ولا دليل يساعده في اتخاذ قرارات الحياة الأساس، وعلى رغم نجاحه النسبي يعترف كريم بأنه لا يزال يعاني صعوبة في بناء علاقات مستقرة، ويقول "نكبر بسرعة وأكثر من اللازم، لكن بداخلنا طفل لا يزال يبحث عن حضن لم يجده".

قصص دور عدة

تعتبر "دار الأيتام الإسلامية" إحدى أبرز وأقدم المؤسسات في لبنان، وهي عبارة عن مؤسسة خيرية اجتماعية غير حكومية تأسست عام 1917، وتقدم المؤسسة التي ينتشر لها 24 مركزاً في مختلف المناطق اللبنانية، خدماتها للأيتام وكثير من الفئات المحتاجة من أطفال أيتام وأشخاص ذوي إعاقة ومسنين، فتوافر لهم المأوى والرعاية والتعليم والتدريب المهني ويصل عددهم إلى 6 آلاف أو أكثر، وتقدم للأيتام والأطفال الذين لا عائلات لهم المأوى المناسب لهم، إضافة إلى التعليم والعلاج وكافة الحاجات الأساس والرعاية الشاملة، وعلى رغم أن اسم المؤسسة يوحي بأنها إسلامية حصراً لكنها تقدم خدمات للفئات والطوائف كافة وليس للمسلمين حصراً.

وتؤكد رئيسة قطاع رعاية الأيتام والحالات الاجتماعية في دار الأيتام الإسلامية دانيا الصفدي أن الحاجة هي المعيار الأساس الذي تستند إليه المؤسسة، فهي تهدف إلى تلبية حاجات فاقدي رعاية الأهل وتستقبل الأيتام والحالات الاجتماعية، وفي هذه الحال تتقدم الأسرة بطلب لدى المؤسسة عادة وتجري مراجعة الطلب، أو يمكن أن يتولى فريق الاختصاصيين الاجتماعيين مسح المناطق الفقيرة والتوعية فيها والتعريف بخدمات المؤسسة، فيكون من الممكن عندها تقديم المساعدة للأسرة الهشة والفقيرة في المناطق النائية بخاصة.

كما ثمة أطفال لا عائلات لهم ويمكن أن يجري تحويلهم إلى المؤسسة بموجب محضر من النيابة العامة، أو أطفال يجري تحويلهم من مصلحة حماية الأحداث (القاصرين) بهدف تأمين ظروف آمنة لهم إذا كانوا موجودين في أوضاع وظروف يمكن أن تشكر خطراً عليهم، إن كان عنفاً أسرياً أو ظروفاً غير مناسبة للأطفال، وغيرها.

والأطفال الذين يوجدون في الدار قد يتوجهون إلى منازلهم في الإجازات أحياناً إذا كان ذلك ممكناً، وهناك تشديد من قبل المؤسسة على ذلك، بحسب الصفدي، إذ قد لا تكون هناك قدرة للأهل أحياناً على ذلك، ومنهم من يزورون أطفالهم من وقت إلى آخر، أما بالنسبة إلى الأطفال الذين لا عائلة لهم فتكون المؤسسة الأسرة البديلة تماماً.

أمّا بالنسبة إلى الأطفال الذين يضعهم أهلهم في المؤسسة ويهملون زيارتهم فتكون هناك مساع لإيجادهم بشتى الطرق وحرص على إقناعهم بأهمية الحفاظ على العلاقة مع أطفالهم، وتشير الصفدي إلى أنه كانت هناك تجارب عدة ناجحة من أجل مصلحة الطفل، وفي الوقت نفسه تكون هناك مساع لتأهيل الأسرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الخروج من دار الأيتام

من المفترض أن الخروج من دار الأيتام بعمر 18 سنة وفق القانون، لكن إذا كان الطفل من مجهولي النسب فتحرص المؤسسة على إبقائه لديها ومتابعته في التعليم أو في أي تدريب يلقاه حتى يتمتع بالاستقلال التام، ويتمكن من الاعتماد على نفسه نظراً إلى العلاقة الإنسانية التي تجمع القيمين عليها مع الأطفال، حتى إن المشاركة بالأنشطة التي تقيمها المؤسسة تستمر ولو أصبح راشداً لاعتبارها عائلة له.

وتقول "كوننا عائلة له فنحن حتى نتقدم للخطوبة عندما ينوي الزواج، وبالنسبة إلى من تتزوج وتنجب فنتولى تحضير كل حاجاتها وحاجات طفلها، علماً أننا نعتبر أن أُسرة الطفل هي المكان الصحيح له، لكن إذا كانت ظروفه لا تسمح بالحضور لأي سبب كان، وإذا كان وجوده معها (العائلة البيولوجية) ليس من مصلحته، فنحن الأسرة البديلة التي تؤمن له الأمان والرعاية والحنان، ولذلك فكثير من الأطفال يطلبون بأنفسهم البقاء في المؤسسة ويرفضون المغادرة، ونحن نفعل ما هو لمصلحة الطفل".

هناك كثير من دور الأيتام الأخرى أيضاً منها دار الأطفال في لبنان التابعة لـSOS Children’s Village ، وهي تقدم الرعاية للأطفال الذين فقدوا والديهم أو خسروا رعايتهم، وأيضاً هناك "دار مار يوسف للأيتام" التابعة للرهبنة الأنطونية الهرمزدية الكلدانية، وأيضاً "دار أيتام زهرة الإحسان"، وهي مؤسسة أرثوذوكسية تأسست عام 1980، أما "جمعية دار اليتيم" في صيدا فقد تأسست عام 1952 وتعمل على رعاية وتمكين الأطفال الأيتام وذوي الحاجات الخاصة في صيدا.

ومع مرور الأعوام تطورت وانتقلت من كونها مؤسسة رعائية إلى مؤسسة تربوية وتعليمية تعمل على حماية الأطفال وتوفير بيئة آمنة لهم وحاضنة، وتركز على التعليم والتدريب المهني.

الانتهاكات تخرج إلى العلن

تتولى وزارة الشؤون الاجتماعية في لبنان مباشرة مسؤولية الإشراف على دور الأيتام ورعايتها عبر وضع سياسات وإستراتيجية وطنية لحماية حقوق الأطفال، وخطط تنمية اجتماعية إضافة إلى توفير الدعم لهذه الدور لضمان جودة الخدمات التي تقدمها، ويقدر عدد دور الأيتام في لبنان بنحو 220 داراً بحسب وزارة الشؤون الاجتماعية، وهي تستقبل الأطفال الذين لا مأوى أو عائلات لهم ويواجهون مشكلات اجتماعية معينة، ومعظم المؤسسات دينية أهلية متعاقدة مع هذه الوزارة، ولذلك تتولى هذه الأخيرة تسديد ما يقارب 40 في المئة من نفقات دور الأيتام التنفيذية سنوياً، وفق ما أوضح مصدر في وزارة الشؤون الاجتماعية، لكن لتغطية باقي النفقات لديها تعتمد دور الأيتام التي تعتبر مؤسسات خيرية إجمالاً على المساعدات من مانحين ومن المجتمع المحلي لتمويلها.

أما الانتهاكات التي تحصل في بعض دور الأيتام أحياناً فقد باتت معروفة ولا تخفى على أحد، بخاصة مع وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الجديد الذي يسمح بانتشار الخبر والفيديوهات خلال ثوان قليلة وإلى ملايين الأشخاص، وقد كثر الحديث عن هذه الانتهاكات خلال الفترة الأخيرة وضج بها الإعلام لأيام قبل أن تخفت الأضواء التي تسلط عليها وتدخل طي النسيان، وغالباً ما تُكشف الانتهاكات من خلال فيديوهات مسربة من داخل هذه المؤسسات، فتظهر ما يحصل بين جدرانها من تعديات بحق الأطفال، بين التحرش والتعنيف وسوء المعاملة وغيرها من الانتهاكات التي تطاول الأطفال داخل جدران دور الأيتام، وفي هذا السياق يبدو وكأن الرقابة على المؤسسات المعنية غائبة، ويبقى هؤلاء الأطفال ضحايا لا سند لهم ولا حامي.

 

وكانت فيديوهات مسرّبة من داخل مؤسسات الرعاية الاجتماعية في لبنان التابعة لـ "دار الأيتام الإسلامية" في أبريل (نيسان) الماضي كشفت عن انتهاكات فاضحة وواقع صعب يعيشه الأطفال نتيجة التعنيف الذي يتعرضون له، مما أدى إلى موجة غضب واستنكار لدى الرأي العام مع مطالبات بالمحاسبة، ورداً على الفيديوهات المسربة التي أظهرت التعنيف الحاصل بحق إحدى الطفلات فقد أصدرت المؤسسة بياناً توضيحياً رفضت فيه التشويه الحاصل لصورة المؤسسة في حملات نشرت مقاطع مجتزأة.

كما ذكرت، وفي شأن الحادثة التي تبين أنها تعود لعام 2017 جرى التأكيد على أنه تم التعامل معها عبر الأطر القانونية والإدارية، وفُصلت الموظفة التي قامت بهذا الفعل واتُخذت الإجراءات اللازمة بحقها، ولم ينجح البيان حينها في تهدئة الرأي العام بل استمرت الانتقادات، خصوصاً أن دور الأيتام ترافقها عادة هذه الصورة التي يحيط بها شيء من الالتباس والشك، يضاف إلى ذلك أن هذه لم تكن المرة الأولى التي تتوجه فيها الأنظار إلى أهم دور الأيتام في لبنان بوجود حوادث سابقة مشابهة جرى تداولها وتتعلق بتعنيف الأطفال.

وتقول الصفدي إنه "في مواجهة هذه الحملة أتى ردنا بالاستمرار وزيادة أعداد أطفالنا والخدمات التي نقدمها للمجتمع وبمتابعة الحاجات بعد التخرج والحضور المستمر، كما أن أبوابنا مفتوحة بشكل يسمح برؤية الأجواء التي يعيش فيها أطفالنا والراحة التي ينعمون بها، وعلى أثر هذه القضية حرصنا على اتخاذ كل الإجراءات اللازمة بالاستناد إلى الضوابط والرقابة الداخلية والخارجية التي نلتزم بها بالتعاون مع شركائنا، وعلى رأسهم وزارة الشؤون الاجتماعية، فنحن متعاونين معها إلى أقصى حدود وحريصون على الالتزام بالشفافية".

القوانين والرقابة والمساءلة

تؤكد الحوادث التي تحصل في دور الأيتام ويجري تداولها من وقت إلى آخر الحاجة الملحة لإعادة النظر في شأن القوانين والرقابة والمساءلة لضمان ظروف أكثر أماناً للأطفال الموجودين فيها وتحت رعايتها، ومما لا شك فيه أن ثمة فجوة واضحة على مستوى الرقابة على دور الأيتام، بخاصة أن العنف يستمر في داخلها فيما لا يجرؤ الأطفال الذين يتعرضون للتعنيف وغيره من الانتهاكات بالإفصاح عما يحصل معهم، فينمون في ظروف لا تقتصر فيها القسوة على وجودهم بعيداً من دفء العائلة، وإنما أيضاً على تعرضهم للعنف المستمر الذي تغيب فيه المحاسبة والمساءلة.

ووفق ما يوضحه مصدر في وزارة الشؤون الاجتماعية فإن مسؤولية الرقابة على دور الأيتام تقع على الوزارة نفسها من خلال فريق عمل متخصص تابع لها يزور المؤسسات دورياً ويتفقدها للتحقق من الالتزام بالمعايير، ويحرص على متابعة المساعدات التي تُقدم لها وما إذا كانت تصل إلى الأطفال بإنصاف.

وفي الوزارة أيضاً فريق عمل متخصص بحماية الأطفال بالتعاون مع "يونيسف" يتولى مهمة الرقابة والحماية للأطفال، وهناك حرص في الوزارة على القيام بدورات تدريبية وتأهيلية للعاملين في المؤسسات المعنية برعاية الأطفال ودور الأيتام التي تتحمل مسؤولية هؤلاء الصغار الذين هم في رعايتها.

أما الانتهاكات التي تسجل في دور الأيتام ويبدو وكأنه لا حسيب ولا رقيب فيها، فلا تبقى دون عقاب بحسب توضيح الوزارة، وفي هذه الحال تؤمّن الوزارة الحماية للطفل وتُتخذ إجراءات معينة مثل فصل العقد مع المؤسسة المعنية ومعاقبة الجاني مع اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة كافة، وعلى رغم ذلك لا تكفي الرقابة الدورية والمنظمة في منع الانتهاكات التي تحصل بحق الأطفال في دور الأيتام، إذ تستمر حوادث التحرش والتعنيف والقسوة بحقهم ولا تكشف إلا من طريق الصدفة أو عبر فيديوهات مسربة من وقت إلى آخر، ليبقى الحل في مراجعة السياسات الداخلية لهذه المؤسسات وتفعيل المساءلة والرقابة عليها.

 

غياب العلاقة الأسرية المباشرة

يُجمع خبراء علم النفس على أن نشأة الطفل في ميتم قد تترك أثراً عميقاً في بنيته النفسية والاجتماعية، وإن كانت حدة هذا الأثر تختلف باختلاف جودة الرعاية والاستقرار الذي توفره المؤسسة.

تؤكد المعالجة النفسية رنا مطر أن التجربة لا تكون سلبية دائماً، إلا أن البيئة الجماعية وغياب العلاقة الأسرية المباشرة يخلفان في كثير من الأحيان علامات واضحة في مسار النمو. وتبدأ التأثيرات من غياب قدرة الطفل على بناء الارتباط العاطفي، إذ يواجه الأطفال في دور الأيتام صعوبة في تكوين روابط آمنة مع مقدمي الرعاية بسبب تعدد المربين وتغيرهم المستمر، إضافة إلى محدودية الوقت الفردي المخصص لكل طفل، ما يخلق لديهم شعوراً بعدم الأمان العاطفي أو خوفاً من التعلق، فيما يلجأ بعضهم إلى البحث عن الحنان من أي شخص حولهم.

وتضيف "هذا الاضطراب يمتد ليطال تقدير الذات، إذ إن غياب الأسرة الحاضنة يجعل الطفل يشعر بأنه مختلف أو أقل قيمة، ما قد ينعكس حساسية مفرطة تجاه الرفض وضعفاً في المبادرة ومقارنة دائمة بالآخرين. وعلى المستوى الاجتماعي، قد تعلّم الحياة الجماعية الطفل مهارات التعاون، لكنها في المقابل تعرضه لصعوبات في فهم العلاقات الأسرية الطبيعية، وفي بناء علاقات عميقة ومستقرة".

وعلى رغم كل ما سبق، تؤكد الدراسات أن هذه الآثار ليست قدراً محتوماً، إذ يمكن للطفل أن ينمو نفسياً واجتماعياً بشكل سليم داخل ميتم إذا أحاطته بيئة مستقرة، وفريق رعاية حنون، ودعم نفسي وتعليمي مناسب، وفرص حقيقية للاندماج في المجتمع.

ماذا يقول القانون؟

وفق اتفاقية حقوق الطفل، يرتكز الوضع القانوني للأيتام في لبنان على مبادئ "المصلحة الفضلى للطفل"، مع التركيز على توفير الحماية والمساعدة الخاصة لهم، بحسب ما أوضحه المحامي شربل عرب، مشيراً إلى أن التطبيق يعتمد بشكل كبير على التشريعات الوطنية والطائفية، حيث تلعب المؤسسات الدينية والمجتمع المدني دوراً كبيراً في الرعاية من خلال الكفالة والمساعدات، وبوجود قوانين لحماية الطفل من الإساءة وتحديد حقوقهم الأسرية.

لكن في الوقت نفسه، هناك تحديات تواجه الأيتام في لبنان، خصوصاً الفلسطينيين والسوريين، من حيث الوثائق والاعتراف القانوني الكامل بحقوقهم.

ولناحية الأطر القانونية والحقوقية الأساسية، تلزم اتفاقية حقوق الطفل التي يعد لبنان طرفاً فيها، الدولة بحماية ورعاية الأطفال الذين فقدوا بيئتهم العائلية، وتوفير الرعاية البديلة لهم.

أيضاً، يوضح عرب أن قانون العقوبات اللبناني يعاقب على استغلال الأطفال وإساءة معاملتهم، بما في ذلك الجرائم المنافية للحشمة، مما يوفر حماية جنائية للأطفال الأيتام وغيرهم من الأطفال.

كما يبرز التحدي على مستوى الوثائق الشخصية تحديداً، إذ يواجه بعض الأطفال، بخاصة اللاجئون منهم، صعوبات في الحصول على وثائق الأحوال المدنية اللازمة لحقوقهم مما يشكل تحدياً كبيراً لهم في حياتهم من كافة النواحي.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات