Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

العنف الرقمي في مصر... أذى من وراء ستار

بعض الفئات أكثر تعرضاً له مثل النساء والمراهقين والمشاهير والقانون يجرمه وانتشار الوعي هو السبيل الأول لمواجهته

التعليقات والرسائل المسيئة والملاحقة والتحريض والتشهير والتزييف والابتزاز أوجه العنف الرقمي (رويترز)

ملخص

من بين تحديات مختلفة نتجت من العالم الافتراضي هو العنف الرقمي الذي أصبح ظاهرة في المجتمع المصري على وسائل التواصل الاجتماعي بشكل خاص لها انعكاسات نفسية ومجتمعية وتسعى القوانين لملاحقتها

في السنوات الأخيرة أصبح ملحوظاً أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت ليست فقط أداة للعلاقات الاجتماعية كما كانت سابقاً، إنما نموذج مصغّر من المجتمع بكامله بإيجابياته وسلبياته التي في بعض الأحيان تطغى على الجانب الجيد مما جعل هذه المنصات تتحوّل إلى أحد مصادر الضغط والتوتر، وربما الأذى لمستخدميها.

من بين أهم الظواهر التي باتت ملحوظة على وسائل التواصل الاجتماعي هي العنف المبالغ فيه سواء في التعليقات على منشورات بعينها لا تتوافق مع فكر البعض، أو الصفحات والمجموعات التي تنشأ خصيصاً لغرض الإهانة والتقليل، وربما التحريض على فئات بعينها، ويكون محتواها بشكل شبه كامل عبارة عن شتائم وإهانات وسخرية.

كل هذه الظواهر تندرج تحت تعريف العنف الرقمي الذي أصبح مصطلحاً علمياً معترفاً به تجري دراسته وتحليله من قبل المتخصصين، باعتباره جانباً سلبياً لسوء استخدام التكنولوجيا. تتعاظم فكرة العنف الرقمي بكل أنواعها مع فئات بعينها مثل المشاهير والشخصيات العامة التي قد تشارك متابعيها بمنشور عادي على منصاتها على السوشيال ميديا لتنهال عليها الشتائم والإهانات من دون سبب بشكل قد يثير التساؤل حول ما أسباب هذا القدر من الكره والحقد من دون سبب واضح.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويتزايد الأمر أضعافاً مضاعفة في حالة النساء، سواء كن مشاهير أو نساء عاديات، فلا تخلو التعليقات من الإساءة والتقليل من شأنهن، ويتجاوز الأمر إلى رسائل تضم محتوى غير أخلاقي بجميع أنواعه حال مشاركتهن في أي صفحات عامة، مما أصبح يدفع الكثيرات لتجنب هذه المشاركات من الأساس.

التعليقات والرسائل المسيئة، والملاحقة، والتحريض، والتشهير، والتزييف، والابتزاز كلها أوجه للعنف الرقمي الذي أصبح واحدة من الظواهر التي يشهدها العالم كله حالياً، ومن بينه مجتمعاتنا العربية، ومن ضمنها المجتمع المصري، وفي الوقت نفسه فإن هذا الأمر لا شك أن له أبعاداً نفسية تدفع القائمين عليه إلى هذا السلوك فلماذا يقوم البعض بهذا الفعل وما منطلقاته؟

سلوكيات جديدة

وفق رؤية استشاري علم النفس الرقمي وعضو الهيئة الاستشارية العليا لتكنولوجيا المعلومات ونائب رئيس لجنة التحول الرقمي نيفين حسني "العنف الرقمي هو أن يجري استخدام التكنولوجيا لإيذاء الآخرين اجتماعياً وعاطفياً ونفسياً بأشكال مختلفة من بينها الابتزاز الإلكتروني، والتنمر، والسلوكيات العدائية، ومشاركة محتوى يسبب له ضرراً، والتهديد بالفضائح فكلها أشكال للعنف الرقمي، وجميعها أمور مستحدثة علينا، وعلى مجتمعاتنا، لكن في الوقت الحالي فإن جانباً كبيراً من الحياة انتقل إلى العالم الافتراضي فظهرت معه سلوكيات جديدة لها أبعاد نفسية واجتماعية".

 

وتضيف، "ما يسهّل الأمر على كثير ممن يقومون بالعنف الرقمي هو الهوية المجهولة التي تتيحها مواقع التواصل الاجتماعي، فالشخص يكون جانياً من دون أن يعرفه أحد، أو يتعرف إلى شخصيته، ويمكنه أن يكون له أكثر من حساب على وسائل التواصل الاجتماعي مخصصة للهجوم والشتائم والعنف من دون أن يتعرف أحد إلى هويته أو اسمه الحقيقي، وهذا الشخص إذا قابلناه في العالم الحقيقي ربما لا يمكننا أن نتخيل أنه يقوم بهذه الأفعال على الإطلاق، لكن حالياً ظهر ما يعرف بالهوية الرقمية التي في بعض الأوقات تختلف تماماً عن هوية الشخص الحقيقية، فالبعض هويته الرقمية مثالية يظن من يتابعه أنه مثال للأخلاق، لكن الواقع في العالم الحقيقي غير ذلك تماماً والعكس صحيح".

وتتابع، "العنف الرقمي يتيح للقائم به إشباع رغبات داخلية، وإظهار مشاعر مثل الحقد والغضب والغل والرغبة في إيذاء الآخرين من دون أن يضطر لمواجهتهم، فهو لن يستطيع فعل ذلك في الواقع، لأنه سيتعرض للمساءلة، لكنه في العالم الرقمي يشعر بأنه محمي خلف الشاشات فيبث أفكاره في منشورات عنيفة أو يهاجم آخرين في تعليقات مسيئة، يحدث هذا بشكل كبير في ظل أن المجتمع فقد كثيراً من القيم".

فئات أكثر عرضة للعنف الرقمي

وفقاً لهيئة الأمم المتحدة للمرأة، تُظهر الدراسات حول العالم أن ما يصل إلى 58 في المئة من النساء والفتيات تعرضن للعنف الرقمي، وفي عام 2025 ركّز اليوم الدولي للقضاء على العنف ضد المرأة على سياق الفضاء الرقمي وبالتحديد العنف الرقمي، فطبقاً لهيئة الأمم المتحدة للمرأة فإن العنف ضد النساء عبر المنصات الإلكترونية أصبح اليوم تهديداً خطيراً سريع التنامي يسعى إلى إسكات أصوات كثير من النساء، لا سيما اللواتي يتمتعن بحضور عام ورقمي بارز في مجالات السياسة والنشاط المدني والصحافة.

وسعت الحملة التي جرى تنفيذها لإنهاء العنف الرقمي ضد النساء بمطالبة الحكومات بإنهاء الإفلات من العقاب عبر سن قوانين تجرم هذا العنف، وإلى دعوة الشركات التقنية لإزالة المحتوى الضار والمحرض، كذلك طالبت الجهات المانحة بتوفير الدعم للمؤسسات التي تكافح هذا النوع، وسعت الحملة لتشجيع الأفراد العاديين على دعم الناجيات من العنف الرقمي وعدم وصمهن.

وقد أفاد تقرير صادر عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة بعنوان "العنف ضد المرأة في الفضاء الرقمي رؤى من دراسة متعددة للأقطار في الوطن العربي" بأن أبرز صور العنف الرقمي التي تعرضت لها النساء هي تلقي صور أو رموز ذات محتوى جنسي، وتلقي مكالمات غير لائقة، ورسائل مهينة أو مفعمة بالكراهية، والابتزاز الجنسي المباشر، وقد أفادت الدراسة بأن 22 في المئة من عينة الدراسة استبعدن أنفسهن من الفضاء الإلكتروني، وكن شديدي الحذر في أي محتوى يقمن بنشره أو أغلقن حسابهن من الأساس.

 

وشهد المجتمع المصري أكثر من حادثة لفتيات مراهقات تعرّضن لمثل هذه الحوادث، ففي عام 2022 وقعت حادثة مؤسفة بإقدام فتاة بعمر 17 سنة من محافظة الغربية (شمال القاهرة) بالانتحار بعد أن قام شابان بتهديدها بصور مفبركة لها لابتزازها، لم تتحمل الفتاة الضغط المجتمعي الذي ستواجهه في مجتمعها القروي المحافظ فأقدمت على الانتحار. وقع حادث آخر في عام 2024 لطالبة بجامعة العريش انتحرت بعد أن هددتها زميلة لها بأنها ستنشر لها صوراً خاصة التقطتها لها خلسة في سكن الطالبات، الحادثة الثانية تكشف أن الابتزاز الذي تتعرض له النساء لا يكون بالضرورة من الرجال، إنما أصبح أداة في يد الجميع تنذر بعواقب نفسية كارثية قد تصل إلى حد الانتحار.

تقول استشارية علم النفس الرقمي نيفين حسني، "العنف الرقمي له تأثيرات سلبية في الصحة النفسية لكثير من الناس فهو قد يؤثر في السلوكيات والصحة العقلية والتوازن النفسي، وقد يؤدي إلى القلق والاكتئاب، وأحياناً تنتج منه حالة من عدم الثقة بالنفس والعزلة سواء في العالم الحقيقي أو بتجنب المشاركة والتفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي خوفاً من التعرض للعنف، فيصاب بما يشبه الرهاب الاجتماعي الرقمي، وفي بعض الحالات، بخاصة عند المراهقين، يمكن أن يصل الأمر إلى اضطراب الهوية، وينتج منه تراجع في أدائهم الأكاديمي وتعاملهم مع الناس عموماً".

وتضيف حسني، "العنف الرقمي ومن بينه الابتزاز الإلكتروني أصبح لا يقتصر على فئة معينة، وإن كانت النساء أكثر تعرضاً له، لكن هناك حالات أخرى تقوم فيها النساء بابتزاز الرجل بصور أو تسجيلات، والعنف الرقمي له تأثير خطير على المراهقين بشكل خاص، باعتبارهم أقل قدرة على مواجهته، بخاصة الفتيات في المناطق المحافظة فأكثر من مرة وصل الأمر للانتحار خوفاً من المجتمع حتى ولو كانت الفتاة بريئة، ولم ترتكب أي جرم".

الإنترنت لا ينسى

في السنوات الأخيرة ومع انتشار كل أشكال العنف الرقمي في المجتمع ظهرت أكثر من حملة ومبادرة لنشر الوعي ومساعدة الضحايا على كيفية التصرف ومساعدتهن في كثير من الأحيان، كذلك اهتم كثير من الخبراء باستخدام منصات التواصل الاجتماعي في التوعية وتوجيه الناس لكيفيه التصرف حال تعرضهم لعنف رقمي، ومع صدور أكثر من حكم قضائي وإدانة أكثر من شخص وانتشار هذه الوقائع أصبح هناك وعي نسبي عند بعض الفئات بأن هذا الأمر مجرّم قانونياً، ويمكن لمن يتعرض له اللجوء للقضاء.

ومن الوقائع التي انتشرت في الفترة الأخيرة عندما قام الإعلامي شريف مدكور بالإبلاغ عن شخص قام بسبه في التعليقات ليتخذ البلاغ مساره القانوني، باعتبار أن هذا يمثل جريمة لها عقوبة في القانون المصري. فالوعي هو السلاح الأول لمواجهة مثل هذه النوعية من الجرائم المستجدة على المجتمع، لكن كيف يمكن أن نحمي أنفسنا بقدر الإمكان من بعض أنواع العنف الرقمي مثل الابتزاز الإلكتروني أو التشهير.

 

وفق خبير أمن المعلومات ومستشار الهيئة الاستشارية العليا لتكنولوجيا المعلومات والأمن السيبراني وليد حجاج "هناك شق وقائي مرتبط بحماية أنفسنا تقنياً وسلوكياً قبل وقوع المشكلة من بينها تأمين الحسابات وربطها برقم الهاتف لمنع أي شخص من الدخول حتى لو سرق كلمة السر، والتأكد من عدم وجود أجهزة غريبة متصلة بالحساب، إضافة إلى ذلك ينبغي عدم قبول طلبات صداقة من أشخاص مجهولين أو من حسابات يظهر عليها أنها حديثة الإنشاء، وتقليل المعلومات المتاحة للعامة على صفحات التواصل الاجتماعي".

ويضيف حجاج، "هناك قاعدة مهمة ينبغي وضعها في الاعتبار، وهي أن الإنترنت لا ينسى، ولذلك يفضّل عدم إرسال صور خاصة أو حساسة عبر المحادثات مهما كانت الثقة في الطرف الآخر، لأن الحسابات قد تخترق الروابط المجهولة، وفي الوقت نفسه يجب عدم فتح أي رابط يصل عبر رسالة مثل اكتشف من زار حسابك أو لقد ربحت جائزة لأنها بوابات لسرقة الحسابات".

القوانين لا بد أن تتطور

يوضح حجاج "في حال التعرض لأي شكل من أشكال العنف الرقمي فعدم الرضوخ للطلبات هو القاعدة الذهبية بمعنى لا تدفع ولا ترسل أي شيء، فالاستجابة للابتزاز المادي أو الجنسي لا تنهي المشكلة، بل تفتح باباً لطلبات لا تنتهي، بل ينبغي قطع التواصل وحظر المبتز فوراً من جميع المنصات وعدم الدخول معه في مفاوضات مع توثيق الأدلة والاحتفاظ بها وعدم مسح الرسائل، ويجب أخذ لقطات شاشة، لكل التهديدات والرسائل وحساب المبتز والروابط المرسلة فهذه هي أدلة الإدانة الرقمية".

 

ويتابع، "القانون يقف في صف الضحية بقوة فوفقاً لقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، فطبقاً للمادة 25 و26 من القانون يعاقب بالحبس والغرامة كل من اعتدى على المبادئ أو القيم الأسرية أو انتهك حرمة الحياة الخاصة، وعقوبة الابتزاز إذا اقترن التهديد بطلب مادي أو خادش للحياء تصل العقوبة للسجن لـ 5 سنوات وغرامات مالية كبيرة، ويعاقب القانون على سرقة الحسابات واختراقها فكل عن طريق الدخول عمداً إلى موقع أو حساب خاص من دون وجه حق وتغلظ العقوبة إذا قام بنسخ البيانات أو تدميرها، وتتعامل الجهات الأمنية في مصر مع هذه البلاغات بسرية تامة وبخاصة المتعلقة بالفتيات، فهناك تطور كبير في هذا الأمر وسهولة في الإبلاغ سواء عن طريق مباحث الإنترنت أو الخط الساخن الخاص بإدارة مكافحة جرائم الحاسبات والإنترنت أو موقع بوابة الجرائم الإلكترونية التابع لوزارة الداخلية المصرية".

وفي ما يتعلق بقوانين مكافحة العنف الرقمي تضيف استشارية علم النفس الرقمي نيفين حسني "القوانين لا بد أن تتطور، ويجري تحديثها باستمرار وبشكل أسرع لتلاحق هذا النوع من الجرائم الذي يتطور بشكل كبير فكل ما يتعلق بالذكاء الاصطناعي والتزييف على سبيل المثال يتطور بصورة أحياناً لا تلاحقها القوانين، وفي الوقت نفسه لا بد أن تكون هناك عقوبة للتحريض على أشخاص أو فئات بعينها من المجتمع، فهذا أمر لا بد أن تجري مواجهته بصورة قانونية، لأنه يتزايد بصورة مستمرة، وله انعكاسات خطيرة على المجتمع".

وتضيف حسني، "هناك تحديات كثيرة تواجه هذا الأمر مثل حالة الإساءات الموجهة للشخصيات العامة فملاحقتها أصعب، ففي بعض الأحوال يكون هناك سيل من التعليقات المسيئة فلن يتمكن الشخص من الإبلاغ عن كل هؤلاء، فالعنف الرقمي يتطور ولا بد أن تتطور معه القوانين".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير