ملخص
بعد التغييرات الهائلة التي عانتها وكالة "ناسا" خلال العام الماضي، تردد سؤال يشغل بال آلاف الأميركيين ومئات من المتخصصين والمهتمين في مجال الفضاء، وهو ما شكل "ناسا" الجديد خلال عام 2026؟ إذ وصف خبراء ومتخصصون في القطاع واقع الوكالة خلال العام الجديد بالقول إنها لن تكون "معاقة"، بينما يؤكد آخرون عكس ذلك تماماً.
نشرت وكالة الفضاء الأميركية الحكومية "ناسا" على موقعها الإلكتروني صوراً تعبر عن الأمل والتفاؤل بالعام الجديد، على رغم أن مواقع علمية أميركية مرموقة أكدت أن "ناسا" خلال عام 2026 ستكون "معاقة" وتنتظرها سنوات عجاف طويلة.
تحت عنوان "نظرة إلى الماضي ونظرة إلى المستقبل" تحدثت الوكالة عن إنجازاتها لعام 2025، فقالت "قمنا بتجهيز صاروخ أرتميس 2، واعتمدنا بدلات الفضاء القمرية من الجيل الجديد، واحتفلنا بمرور 25 عاماً على وجودنا في محطة الفضاء الدولية، والتقطنا أقرب الصور للشمس على الإطلاق". وأكدت "ناسا" أنها "لن تعود وحسب إلى القمر خلال عام 2026، بل إنها ستمهد الطريق إلى المريخ وتستكشف النجوم وتسيطر على السماء، مما يمهد الطريق لعام تاريخي قادم".
في المقابل، قال متخصصون ومتابعون في شأن الفضاء الأميركي إن الأمل الحقيقي لـ"ناسا" أصبح مرتبطاً أكثر بوصول جاريد إيزاكمان لرئاسة الوكالة، منوهين إلى أن الكونغرس أشار إلى توافق الحزبين والبيت الأبيض والرأي العام مع نيته تمويل "ناسا" بالكامل خلال عام 2026.
لكن ما المراد حقاً لوكالة الفضاء الأميركية التي فتحت عيون العالم على رؤية جديدة للكون عبر علوم الفلك؟ فمجريات الأحداث توحي بأن "ناسا" تتحول وبسرعة إلى وكالة أمنية يتمثل دورها في تنفيذ رؤية الرئيس دونالد ترمب، الذي ينظر إلى الوكالة بوصفها سلاحاً ضمن ترسانة بلاده العسكرية لا أكثر.
يرى معلقون ضمن مواقع علمية أن عالم الفضاء يعاني، أكثر من أي وقت مضى، السياسة التي تهتم بالحروب أكثر من العلم، مما قد يطوي صفحة تفوق "ناسا" علمياً في العصر الحديث، تزامناً تماماً مع بزوغ فجر عام 2026. وضمن هذا السياق أكد المتشائمون من واقع الوكالة الجديد أن "المستقبل القريب سيكشف عن آثار فقدان الوكالة عدداً كبيراً من كوادرها الفاعلة خلال العام الماضي".
السؤال المحوري الذي طرحته المواقع العلمية الأميركية في هذا الشأن، هو هل غيرت الصدمات المتعددة عام 2025 "ناسا" بصورة جذرية وربما دائمة؟ برأي بعض وقع ذلك فعلاً، لكن متخصصين وعلماء فلك يعتقدون أن "الضرر حقيقي، ولكن ليس بالضرورة أن يكون دائماً"، مما يرجح بالنسبة إلى هؤلاء أن تتعافى الوكالة العريقة من هذه الصدمات بعد مرور بعض الأعوام.
كما هو متوقع ويشير إليه كثر، بينهم هنري هيرتزفيلد، أستاذ باحث في سياسات الفضاء والشؤون الدولية في كلية "إليوت للشؤون الدولية" بجامعة "جورج واشنطن"، "إذا لم يخصص الكونغرس التمويل اللازم للوكالة خلال عام 2026، فإن الخسارة الحقيقية ستكون في المجال العلمي تحديداً". والسؤال هنا، ما الذي يتبقى من إرث الوكالة العريقة إذا أُلغيت معظم الأقسام والبرامج العلمية فيها؟
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مفارقة مهمة
يلفت هيرتزفيلد إلى أن الابتكارات والمنتجات الناتجة من الأنشطة الفضائية الجديدة ستفيد الجوانب الأمنية بالدرجة الأولى، وليس برامج الفضاء المدنية، معتبراً أن أحد الآثار "الأقل فهماً" هو التمويل السريع لمختلف الجهود الفضائية الدفاعية والأمنية، إذ يأتي كل ذلك على حساب البرامج العلمية.
بدوره أكد ليونارد ديفيد، وهو كاتب عمود في موقع SPACE.com ضمن مقالة بعنوان "كيف تغيرت ’ناسا‘ في 2025 - ربما إلى الأبد" أن معالم الصراع في "ناسا" تتضح الآن، ويتعين على الكونغرس تحديد موقفه من استقرار وكالة الفضاء، بل ومستقبلها، مؤكداً أن ما يخبئه المستقبل للوكالة هو نتاج صراعات سياسية.
كيث كوينغ، وهو مؤسس موقع "ناسا ووتش"، أشار إلى أنه بينما شهد كل مركز ميداني تابع للوكالة خفوضاً في القوى العاملة بنحو 20 في المئة، لم يتأثر أي مركز بخفوض الموازنة بصورة أكبر من مركز "غودارد" لرحلات الفضاء.
وبحسب كوينغ، تعد هذه الخفوض ملحوظة بصورة كبيرة مقارنة بتغييرات أخرى في "ناسا"، لدرجة أن لجنتي الرقابة والعلوم والفضاء والتكنولوجيا في مجلس النواب الأميركي أرسلتا استفسارات متكررة إلى "ناسا" تطلبان فيها توضيحاً، لكن رد الوكالة جاء بطيئاً وزاد من المخاوف في شأن التأثير الإجمالي على برامج "ناسا" العلمية كما ورد في طلب موازنة البيت الأبيض للسنة المالية 2026.
سنوات عجاف
مارسيا سميث، مؤسسة ورئيسة تحرير موقع SpacePolicy، قالت "إن وكالة ناسا ليست معاقة لكن سيكشف المستقبل عن آثار فقدان الكوادر، بالتأكيد لا أعرف أسماء ومناصب كل الذين غادروا الوكالة، والبالغ عددهم نحو 4000 شخص، لكن من أعرفهم شخصياً كانوا من نخبة النخبة. بالتأكيد لا يزال هناك كثير من المتميزين، لكن كيفية تمكنهم من تنفيذ ما تبقى من برامج مع رحيل هذا العدد الكبير من الزملاء الأكفاء سيكون تحدياً هائلاً".
وأكدت سميث أن ما يحدث في "غودارد" التابع لـ"ناسا"، فضلاً عن تسريح الكفاءات في مختبر "الدفع النفاث" يثير قلقاً بالغاً لدى القيادة الأميركية في علوم الفضاء، والتأثير في الروح المعنوية قد يكون التأثير الأبرز.
يقول جاك كيرالي مدير العلاقات الحكومية في "جمعية الكواكب"، وهي منظمة غير ربحية مقرها في كاليفورنيا وتعنى بتطوير علوم واستكشاف الفضاء، "إن ’ناسا‘ تقوم بما لا تستطيع أية منظمة أخرى، عامة أو خاصة، القيام به". ولفت كيرالي إلى أن "ناسا" قادت العالم في استكشاف الفضاء و"أعادت تعريف فهمنا للكون، وألهمت ابتكارات لا حصر لها في العلوم والتكنولوجيا، لذا تشكل أحداث عام 2025 صدمة عميقة للوكالة ومجتمع الفضاء".
بحسب كيرالي، ستبدأ الوكالة العام الجديد بقوة عاملة من موظفي الخدمة المدنية أصغر مما كانت عليه في فجر رحلات الفضاء خلال عام 1961، فقد غادر "ناسا" نحو 4000 عالم ومهندس وخبير في المجال نتيجة للاستقالة القسرية والتسريح من العمل وسط عمليات إعادة هيكلة سريعة وعدم استقرار التمويل.
وبعيداً من الآثار المباشرة، قال كيرالي إن إنهاء منح "ناسا" التي تزيد قيمتها على 315 مليون دولار وتقليص فرص البحث المستقبلية أديا إلى تعطيل مسار العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM) الذي يدرب الجيل القادم من العلماء والمهندسين والمبتكرين. لذلك حذر كيرالي من أن هذه الآثار ستلمس على مستوى البلاد، لأن أنشطة "ناسا" تشمل جميع الولايات وأكثر من 75 في المئة من الدوائر الانتخابية. واختتم كيرالي حديثه بالقول "إن تعيين جاريد إيزاكمان مديراً لـ"ناسا" يعطي أملاً في بروز قيادة جديدة خلال لحظة مصيرية للوكالة"