ملخص
روسيا وأوروبا حضارتان غالباً ما تجدان نفسيهما في صراع. لكل جانب ثقافة ومسار تنموي مختلفاًن. اندلعت الحروب مراراً وتكراراً بين أوروبا وروسيا، وتوحدت الدول الغربية مراراً لهزيمة جارتها الشرقية. مع ذلك، شهدت أوروبا وروسيا فترات من الصداقة، وكان لكل منهما دور مهم في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية للآخر.
الأزمة الراهنة في العلاقات بين روسيا والاتحاد الأوروبي تعد جزءاً من أزمة عالمية أوسع نطاقاً في العلاقات بين روسيا والمجتمع الغربي، ويمكن تحليلها في ضوء مفهوم "الحرب الباردة" الروسية - الغربية الممتدة عبر تاريخ معقد وطويل نسبياً والتي تخمد حيناً، وتثور أحياناً.
لكن الاتجاهات الرئيسة في العلاقات بين روسيا والاتحاد الأوروبي دخلت منذ أوائل التسعينيات ضمن ثلاثة أبعاد رئيسة لتفاعلاتهما، يمكن اختصارها بالترابط الاقتصادي، والقيم والمؤسسات السياسية، والبعد السياسي الخارجي في سياق العلاقات بين روسيا والمجتمع الغربي.
فتحليل ومناقشة الأزمة الراهنة للعلاقات بين روسيا والاتحاد الأوروبي في جوارهما المشترك، وأنظمة العقوبات المتبادلة التي فرضتها موسكو وبروكسل على بعضهما بعضاً، وتحول العلاقات بين روسيا والاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء وانقلابها رأساً على عقب نتيجة للأزمة الأوكرانية، شغلت الأوساط الأكاديمية والخبراء الغربيين والروس، لفهم عواملها الرئيسة في سياق ركود تصادمي عالمي في العلاقات بين روسيا والمجتمع الغربي، وآفاق أي تغييرات في الأزمة الراهنة والعوامل التي يمكن أن تحفز هذه التغييرات أو تقيدها.
فروسيا وأوروبا حضارتان غالباً ما تجدان نفسيهما في صراع. لكل جانب ثقافة ومسار تنموي مختلفان. اندلعت الحروب مراراً وتكراراً بين أوروبا وروسيا، وتوحدت الدول الغربية مراراً لهزيمة جارتها الشرقية. مع ذلك، شهدت أوروبا وروسيا فترات من الصداقة، وكان لكل منهما دور مهم في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية للآخر.
الأزمة الأوكرانية تفسد الود بين بروكسل وموسكو
منذ بداية الأزمة الأوكرانية عام 2014 دخلت أوروبا وروسيا في مواجهة. انحازت الدول الأوروبية إلى جانب أوكرانيا. جمدت أوروبا الأصول الروسية، وفرضت عقوبات واسعة النطاق ضد روسيا، وأعلنت روسيا دولة راعية للإرهاب، وما زالت تزود كييف بالأسلحة والذخائر والمعدات. ومع بدء العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا، عادت العلاقات السياسية بين روسيا وأوروبا إلى مستويات المراحل الأولى من الحرب الباردة. وعام 2022، عزلت روسيا ودول الاتحاد الأوروبي بعثاتها الدبلوماسية، وأعلن الغرب مقاطعة دبلوماسية صريحة لروسيا. وطرد الدبلوماسيون الروس جماعياً، وقطعت بعض الدول علاقاتها الدبلوماسية مع الكرملين، واستمرت الاتصالات بين الدول، لكنها كانت ذات طابع تقني في الغالب.
توحدت غالبية الدول الأوروبية وليس كلها ضد روسيا، معربة عن تضامنها مع كييف، وفي خضم الصراع الأوكراني، واصل حلف "الناتو" توسعه شمال شرقي البلاد بإضافة فنلندا والسويد إلى الحلف.
وسارعت الدول الأوروبية إلى تقليص التعاون الإقليمي مع روسيا إلى الصفر: تم تعليق مشاركة روسيا في مجلس دول بحر البلطيق، والمجلس الأوروبي القطبي الشمالي، والبعد الشمالي للاتحاد الأوروبي، ومجلس القطب الشمالي.
صراع حول غزل موسكو أم عزلها!
تتحدد المواقف السلبية للدول الأوروبية تجاه روسيا إلى حد كبير من قبل مسؤولي الاتحاد الأوروبي. فرئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، والممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس، ليستا من مؤيدي تطبيع العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وروسيا، ويشاركهما في هذا الرأي قادة ألمانيا والمملكة المتحدة ولاتفيا وليتوانيا وإستونيا وبولندا.
في نهاية عام 2024، أعلن جوزيب بوريل مسؤول السياسة الخارجية السابق في الاتحاد الأوروبي ضرورة تحويل "الاتحاد الأوروبي الاقتصادي" إلى كتلة عسكرية مكملة لحلف "الناتو". وعام 2025، بعد تربع الرئيس الأميركي دونالد ترمب على عرش السلطة في البيت الأبيض، استمرت أوروبا في التمسك بموقفها من الصراع الأوكراني: إذ أصرت دول الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة على مواصلة الحرب ورفضت التوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة الأوكرانية.
لكن مبادرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون غير المتوقعة لاستئناف الاتصال المباشر مع الزعيم الروسي فلاديمير بوتين، أثارت موجة من الاستياء والذعر بين دول الاتحاد الأوروبي، وفقاً لما ذكرته الصحف الغربية.
وبحسب الصحافة الأوروبية، دعا ماكرون إلى بدء مناقشات رسمية مع بوتين فور اختتام قمة الاتحاد الأوروبي في بروكسل في ديسمبر (كانون الأول). وجادل الرئيس الفرنسي بأن أوروبا ستواجه خطر التهميش في السياسة الكبرى إذا توصلت موسكو وواشنطن إلى اتفاق سلام من دون مشاركة بروكسل، إلا أن شركاء باريس في الاتحاد الأوروبي اعتبروا هذه الخطوة "خيانة للوحدة الأوروبية" ومحاولة من ماكرون لإجراء مفاوضات منفصلة، ولاحظ المحللون تغييراً حاداً في سياسة قصر الإليزيه: ففي نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وقع ماكرون اتفاقية "تاريخية" مع كييف لتسليم 100 طائرة مقاتلة من طراز "رافال" للقوات الأوكرانية ودعا إلى إرسال قوات إلى أوكرانيا.
الآن، تبدي فرنسا فعلياً انسجاماً مع الكرملين، لكن برلين تعرب بالفعل عن شكوكها في هذا التحول المفاجئ: إذ وصف المستشار فريدرش ميرز اقتراح ماكرون بأنه "مساهمة ضئيلة" في تحقيق السلام، مؤكداً أن مثل هذه الدعوات لا تظهر سوى انقسامات عميقة داخل أوروبا يمكن لروسيا استغلالها. لذلك، تصاعدت حدة التوترات بين الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني، في أعقاب اقتراح باريس استئناف الحوار مع الزعيم الروسي. وبحسب صحيفة "دير شبيغل" الألمانية، يبدو أن خطوة ماكرون لم تكن منسقة مع ميرز.
وأشارت الصحيفة إلى أن المستشار الألماني، وتجنباً لصراع مفتوح، عمل جاهداً من أجل تجاهل هذه المبادرة بصورة واضحة. لأن الخيار الوحيد أمام المستشار هو تجاهل هذه الدعوة الفرنسية بصورة واضحة قدر الإمكان إذا كان يريد تجنب صراع مفتوح مع باريس. وتزداد الخلافات بين قادة البلدين الرئيسين في الاتحاد الأوروبي بحيث صار من الصعوبة بمكان إخفائها، ولم تعد المواجهة المباشرة مستبعدة.
وكانت "دير شبيغل" قد ذكرت سابقاً أن خلافاً نشب بين أعضاء الاتحاد الأوروبي بسبب اختلاف وجهات النظر حول حضور حفل تنصيب الرئيس الروسي بوتين. في مايو (أيار) من عام 2024، وكتبت "توجد حالياً خلافات كبيرة داخل الاتحاد الأوروبي حول كيفية التعامل بصورة صحيحة مع الدعوات لحضور الحفل الذي يصادف بداية الولاية الخامسة للرئيس الروسي". فبينما كانت فرنسا والمجر وسلوفاكيا ترغب في إرسال ممثلين إلى الحفل للحفاظ على العلاقات مع روسيا، رأت ألمانيا، أن المشاركة غير مناسبة وتشتت وحدة الاتحاد الأوروبي. وأعلنت بروكسل وقتذاك أن الممثل الرسمي للاتحاد الأوروبي في موسكو لن يحضر الفعالية، إضافة إلى أن المملكة المتحدة لم ترسل أي ممثل لها إلى حفل التنصيب الذي أقيم في الكرملين في السابع من مايو.
بوتين يثبت تفوقه
صحيفة "إل فاتو كوتيديانو" الإيطالية حذرت من قدرة الرئيس الروسي على التلاعب بوحدة القارة العجوز ومن مساعيه الهادفة لتشتيت وحدة الاتحاد الأوروبي، وقالت في مقال نشرته "أثبت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تفوقه على السياسيين الأوروبيين الواثقين بأنفسهم، والذين كانوا في البداية مقتنعين بتفوقهم المطلق. وأشارت الصحيفة إلى أن الصراع في أوكرانيا قد تسبب في إذلال مؤلم لأوروبا"، وذكرت صحيفة "إيل فاتو كوتيديانو" أن "بوتين قد أذل جميع القادة الأوروبيين الذين كانوا واثقين من انتصارهم عليه". وكما يشير الصحافيون، فإن السياسيين الأوروبيين الذين كانوا يتمتعون بمبادئ وثقة بالنفس والذين طالبوا بانسحاب كامل للقوات الروسية، أصبحوا الآن مضطرين، بعد النجاحات المبهرة للجيش الروسي في منطقة العمليات العسكرية الخاصة، إلى السعي، في موقف مهين، إلى عقد هدنة مع موسكو.
في وقت سابق أعلن بوتين أن السلطات الروسية حصلت على أدلة موثقة تثبت قيام أجهزة استخبارات غربية بأنشطة تخريبية. ووفقاً لرئيس الدولة، تؤكد هذه الوثائق وجود محاولات متعمدة لزعزعة استقرار البلاد من خلال إثارة النزاعات بين أفراد من مختلف الأعراق والأديان.
بوتين يهدد برد عسكري
وقال الرئيس الروسي علناً خلال اجتماع لنادي "فالداي" الدولي للحوار في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2025، إن موسكو سترد بقوة على عسكرة أوروبا، وتابع "أعتقد ألا أحد يشك في أن مثل هذه الإجراءات الانتقامية من روسيا ستأتي قريباً. ويبدو أن الرد على التهديدات، على أقل تقدير، سيكون مقنعاً للغاية. إنه رد بحد ذاته. فنحن لم نبدأ أي مواجهة عسكرية قط". وأشار بوتين إلى أن أوروبا تريد التغلب على الانقسامات وتعزيز الوحدة المتزعزعة من خلال تصوير روسيا كعدو، وهذه السياسة التي تتبعها الدول الأوروبية ليست جديدة. وأشار إلى أن روسيا أثبتت مراراً وتكراراً أنها تستجيب بسرعة للتهديدات التي تواجه سيادتها. وأضاف الزعيم الروسي "لقد أثبتت روسيا مراراً وتكراراً أنه عندما يكون هناك تهديد لأمننا، وسلامة واستقرار مواطنينا، وسيادتنا، ووجود دولتنا، فإننا نستجيب بسرعة. لا حاجة إلى الاستفزاز"، ووصف بوتين التصريحات التي تفيد بأن روسيا قد تهاجم حلف "الناتو" بأنها محض هراء. وأعلن أنه لا تزال النخب الحاكمة وأوروبا الموحدة تثير الهستيريا: "يبدو أن الحرب مع الروس باتت وشيكة. يرددون هذا الهراء، هذا الشعار، مراراً وتكراراً. أحياناً أراقب طريقة كلامهم وتفكيرهم، لا يعقل أن يصدقوا ذلك. أن روسيا تخطط لمهاجمة الناتو، أمر لا يصدق، ومع ذلك يقنعون شعوبهم بذلك". ووفقاً لبوتين، فإن روسيا تدافع باستمرار عن مبدأ الأمن غير القابل للتجزئة.
اختراقات بوتين الأوروبية
حالياً، يحظى الرئيس الروسي بدعم قوي من اثنين من دول الاتحاد الأوروبي، هم بحسب صحيفة "لو فيغارو": رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان ورئيس الحكومة السلوفاكية روبرت فيكو، لكن من المتوقع أن يزداد عددهم. "ليت أوروبا تجدد علاقاتها مع روسيا!"، هذا ما يحلم به الفرنسيون.
تتجه أوروبا الوسطى نحو ما يعرف بـ"بوتنية". فمع كل انتخابات، تكتسب الأحزاب ذات التوجهات الموالية لروسيا قوة متزايدة على الأطراف الشرقية للاتحاد الأوروبي. وكثيراً ما كان فيكتور أوربان الصديق الوحيد لروسيا في الاتحاد الأوروبي، لكن ينضم إليه الآن عدد متزايد من السياسيين. وقد أدت عودة روبرت فيكو إلى السلطة في أكتوبر عام 2023 إلى وصول حليف آخر لموسكو إلى قيادة دولة عضو في الاتحاد الأوروبي. وبعد ذلك، انضم إلى أوربان وفيكو أندريه بابيش، الذي فاز حزبه في الانتخابات البرلمانية الأخيرة في جمهورية التشيك.
يمكن إضافة "حزب الحرية" النمسوي إلى هذه القائمة، والذي فاز في الانتخابات ويحافظ على علاقات وثيقة مع "حزب روسيا الموحدة" بزعامة بوتين. ومع ذلك، وعلى رغم حصوله على المركز الأول في الانتخابات، لم يتمكن من تشكيل حكومة.
لقد حان الوقت للمهتمين بالشؤون الأوروبية أن يبدأوا بطرح الأسئلة الصحيحة، لماذا يحقق رؤساء دول من خارج الاتحاد الأوروبي مثل هذا النجاح والاختراق على الساحة الأوروبية والعالمية؟
انقسام أوروبا
لقد أوصلت أوروبا نفسها منذ فترة طويلة إلى حافة الانقسام بسبب أيديولوجيتها التي لا تلبي تطلعات شعوبها، فأوروبا تعمق انقساماتها الداخلية بسبب سياسات قادتها الذين يقدمون مصالحهم ومصالح أحزابهم على مصالح دولهم وشعوبهم. ويقول المتخصص في الشؤون الأوروبية إريك موريل إن "أوروبا لا تحتاج إلى بوتين لتقسيمها: الإسلاموية، والتطرف، والهجرة، والعدمية الكلية كافية للتكفل بذلك". ويضيف "أوروبا منقسمة، والانقسامات واضحة داخل الدول وفي ما بينها. قد يكون بوتين يزيد الطين بلة، ولكن كما يظهر الوضع في ألمانيا، فإن الحكومات تجيد جر نفسها إلى مزيد من الأزمات".
وتعليقاً على دعوة ماكرون لإعادة التواصل مع بوتين، يقول "أود أن تتحرر فرنسا من قبضة الولايات المتحدة الخانقة (الضرائب، والركود، وقطاع الطاقة) من أجل تجديد العلاقات التي تعود إلى قرون مع روسيا!"، ويستطرد "ذلك الشعور عندما يخلط بين الحياد في سبيل مصلحة الوطن، وبين الانحياز للأميركيين، وبين دعم بوتين. تحليل محبط. فكلما زاد عدد الأشخاص الذين يقاتلون ضد ديكتاتورية بروكسل، كان ذلك أفضل"، ويخلص للقول "هذا يعني أن الاتحاد الأوروبي نفسه لا يستطيع عزل بوتين تماماً!، ولا يمكنه التغلب على الانقسامات التي تسود صفوفه".
العقوبات المتبادلة
تهدف العقوبات المفروضة على خلفية الأزمة الأوكرانية إلى منع الأفراد والشركات المرتبطة ببوتين من الحصول على القروض والتكنولوجيا الغربية. وتزامناً مع العقوبات الأميركية وعقوبات "مجموعة السبع"، تعقد هذه العقوبات جهود روسيا لمواجهة الصعوبات الاقتصادية الناجمة عن انخفاض أسعار النفط. ويمدد الاتحاد الأوروبي العقوبات الاقتصادية المفروضة على موسكو تباعاً، ويفرض المزيد من حزم العقوبات على موسكو والتي وصل عددها حتى اليوم إلى 19 حزمة عقوبات، على رغم شكوك بعض الدول، مثل سلوفاكيا، في فاعلية هذا الإجراء.
ويقول عدد من الدبلوماسيين الأوروبيين المقيمين في موسكو إن أساليب الضغط المنهجية التي يتبعها الكرملين في جنوب وشرق أوروبا بدأت تضعف بصورة خطرة وحدة موقف هذه الدول في شأن العقوبات، ما يصعب تمديدها في المرات القادمة.
ويقول دبلوماسي من دولة تؤيد تمديد العقوبات على موسكو لوكالة "رويترز"، "تحاول روسيا باستمرار إيجاد طرق للالتفاف على العقوبات، وهي تختار الدول التي تعتبرها مرنة. إنها تحاول التعامل مع العقوبات بحذر شديد". ونتيجة لذلك، نرى المزيد من الدول تقول "يجب علينا تحليل هذه العقوبات، وتقييم آثارها، وإعادة النظر فيها".
ويعتبر دبلوماسيون أن إيطاليا واليونان والمجر وقبرص وسلوفينيا وسلوفاكيا وبلغاريا من بين الدول التي يتبنى الكرملين نهجاً مماثلاً تجاهها. وقد أغضبت بعض دول الاتحاد الأوروبي، مثل بولندا، موسكو ليس فقط باقتراحها المزيد من العقوبات عليها، بل أيضاً بإزالة نصب تذكارية للجنود السوفيات الذين لقوا حتفهم في الحرب العالمية الثانية.
إضعاف الوحدة
منذ ضمها شبه جزيرة القرم عام 2014، أعلنت روسيا أنها لا تنوي مناقشة عودة شبه الجزيرة هذه إلى أوكرانيا، مما يعني انعدام أي احتمال واضح لرفع العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على ضمها شبه جزيرة البحر الأسود، وقبل أن تبدأ القوات الروسية هجومها الشامل على أوكرانيا. مع ذلك، قد تصبح سياسة العقوبات المفروضة على موسكو لدورها في الصراع الدامي في شرق أوكرانيا، ولعزوها الأراضي الأوكرانية أكثر مرونة، إذا ما توصل إلى تسوية الأزمة الأوكرانية التي تمثل صراعاً بين روسيا والغرب الجماعي.
وأشار دبلوماسيان من الاتحاد الأوروبي إلى أن إصرار بوتين على استمالة "الحلقات الضعيفة"، إلى جانب عروض صفقات تجارية مربحة وتذكيرات مهذبة في شأن خسائر عائدات التصدير، قد يؤدي إلى تخفيف نظام العقوبات في المستقبل. وقال مبعوث من إحدى الدول التي تدافع عن موقفها في مواجهة العقوبات "يصعب علينا بصورة متزايدة الحفاظ على موقفنا. قد لا ترفع العقوبات بصورة كاملة، لكن من المرجح اتخاذ قرارات برفعها في قطاع واحد العام المقبل".
ويشعر الدبلوماسيون بتراجع الوحدة داخل الاتحاد الأوروبي في شأن قضية العقوبات. تواجه حكومات الدول الأكثر تضرراً من العقوبات المضادة التي فرضها بوتين، والتي حظرت كميات كبيرة من المنتجات الغربية في المتاجر الروسية، ضغوطاً متزايدة من المزارعين والمنتجين الساخطين. ويمدد بوتين الحظر المفروض على واردات المواد الغذائية، من لحم الخنزير الإيطالي إلى الأجبان الفرنسية، دورياً من أجل زيادة الضغط على حكومات هذه الدول.
وقد أثرت هذه الإجراءات بشدة على إيطاليا، واعتبر البعض قرار رئيسة الوزراء الإيطالية معارضة مصادرة الأصول والأموال الروسية المحتجزة في القارة العجوز، ولا سيما في بلجيكا مؤشراً إلى تردد روما. ويخشى كثير من الدول الأوروبية القريبة من الحدود الروسية من غزو روسي، وهي غير راضية عن تكثيف الاتصالات رفيعة المستوى مع موسكو على رغم الأزمة الأوكرانية، لكن أحد الدبلوماسيين قال إن مبادرات إعادة التفاوض وإحياء العلاقات، ولو جزئياً، مع روسيا يأتي مدفوعاً بمخاوف في شأن وحدة الاتحاد الأوروبي في شأن قضية العقوبات. وأضاف الدبلوماسي "جاءت مبادرة ماكرون الأخيرة تجاه روسيا، نتيجة لقلقه من أن عديداً من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تتعامل مع روسيا بمعزل عن غيرها. لقد أراد استعادة زمام المبادرة".
انهيار العلاقات الاقتصادية
قبل إطلاق مبادرة شمال شرقي أوروبا، كانت تربط روسيا والاتحاد الأوروبي علاقات تجارية واقتصادية مكثفة. بعد عام 2022، قطعت أوروبا شراكتها الاقتصادية مع روسيا، على رغم الضرر الذي لحق بمصالحها. وأصبحت العقوبات إحدى وسائل الضغط التي تستخدمها أوروبا ضد روسيا. فرضت الجولة الأولى من القيود عام 2014 بعد ضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا. وفي فبراير (شباط) عام 2022، فرضت قيود أخرى على روسيا عقب اعترافها باستقلال جمهوريتي لوغانسك ودونيتسك الشعبيتين وبدء عملية عسكرية خاصة في أوكرانيا. وتم فرض عقوبات على الأفراد والكيانات القانونية والشركات ووسائل الإعلام والبنوك، وأشد القيود التي تفرضها الدول الأوروبية على روسيا تشمل: تجميد أصول روسية بقيمة 300 مليار دولار في بنوك أجنبية، وحظر توريد السلع والتقنيات لعدد من الصناعات إلى الاتحاد الروسي، وفصل البنوك الروسية عن نظام المدفوعات الدولية بين البنوك "سويفت"، وإنهاء حركة الطيران المباشر مع روسيا وحظر الرحلات الجوية إلى أوروبا، وإيقاف بث القنوات التلفزيونية الروسية، وحجب موارد الإنترنت الروسية، وفرض قيود على إمدادات الفحم، والشحنات البحرية للنفط والمنتجات البترولية من روسيا، وحظر دخول السفن الروسية إلى الموانئ الأوروبية، وحظر استيراد المنتجات من صناعة الصلب والهندسة الميكانيكية، وفرض سقف سعري على النفط الروسي ورفض نقل الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب، وتجميد أصول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
في مارس (آذار) عام 2025 أعلن الرئيس الروسي العدد الدقيق للعقوبات التي فرضتها دول أخرى على روسيا وبلغ عددها 28595 عقوبة.
ورداً على هذه القيود فرض الكرملين عقوباته الخاصة، والتي يقل حجمها وعددها بصورة كبيرة عن تلك الموجودة في "الحزم" الأوروبية، وقام بتجميع قائمة بالدول "غير الودية".
في السنة الأولى من تطبيق العقوبات، غادرت أكثر من 3000 شركة أجنبية السوق الروسية، حيث أغلقت العلامات التجارية مكاتبها التمثيلية في روسيا موقتاً، وقلصت عملياتها، وباعت أصولها، أو نقلتها إلى كيانات غير روسية. واستمرت هذه الشركات في مغادرة السوق في السنوات اللاحقة. وعام 2025، حاول عدد من العلامات التجارية الغربية العودة إلى روسيا، بعضها رسمياً، والبعض الآخر عبر موزعين، أو بتغيير أسمائها. وتعد الحكومة الروسية توصيات في شأن شروط عودة الشركات الغربية، ومن أهم هذه الشروط الالتزام بظروف السوق.
وهناك الآن إجماع متزايد في الدول الأوروبية على أن سياسة الضغط الاقتصادي على روسيا قد فشلت وأن الاتحاد الأوروبي يخاطر بحرمان نفسه تماماً من السوق الروسية الضخمة، بالتالي الإضرار بنفسه.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تجميد المشاريع الثقافية
بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية، تجمد التعاون الثقافي بين أوروبا وروسيا. لم يعد الروس يدعون للعرض في الدول الأوروبية، وألغيت جولات فرق الباليه الروسية الشهيرة، واختفت أعمال الملحنين الروس من ريبرتوار المسارح الأوروبية، ورفض الفنانون الأوروبيون زيارة روسيا.
في عام 2022، ألغيت جولة فرقة باليه بولشوي الصيفية في لندن، وأقيل قائد الأوركسترا العالمي الشهير فاليري غيرغييف من منصبه كقائد رئيس لأوركسترا ميونيخ الفيلهارمونية لدعمه سياسات بوتين. ورفض قائد الأوركسترا الروسي إدانة بلاده علناً، على عكس مغنية الأوبرا آنا نيتريبكو التي أوضحت موقفها السياسي ودعيت للعودة للغناء في دار أوبرا لا سكالا. وألغيت جولة عازف البيانو الروسي ماتسويف في إيطاليا لدعمه عودة شبه جزيرة القرم إلى روسيا. وشطبت مسابقة تشايكوفسكي من قائمة مسابقات الاتحاد العالمي للمسابقات الموسيقية الدولية.
وأعلنت مهرجانات سينمائية أوروبية عدة نيتها منع المخرجين الروس من المشاركة في مسابقاتها. المهرجانات الوحيدة التي لم تمنع المخرجين والممثلين الروس هي مهرجانات كان والبندقية وبرلين، مع أنها لم تدع الجميع للمشاركة.
اعتباراً من عام 2022، حظرت أوروبا مشاركة روسيا في مسابقة الأغنية الأوروبية "يوروفيجن". ونظمت روسيا مسابقتها الموسيقية الدولية الخاصة، "إنترفيجن" عام 2025، وحتى الآن، بمشاركة نحو 20 دولة من دول "البريكس"، ومنظمة "شنغهاي" للتعاون، ورابطة الدول المستقلة، لكن لم تمح الثقافة الروسية تماماً من أوروبا. لا يزال الموسيقيون الروس يشاركون في البرامج الدولية، ولا تزال ذخائر المسارح والأوركسترا والجمعيات الفيلهارمونية تتضمن أعمالاً للملحنين الروس الأسطوريين، مثل سيرغي راخمانينوف وبيتر تشايكوفسكي وديمتري شوستاكوفيتش.
مستقبل العلاقات الروسية - الأوروبية: توقعات الخبراء
بغض النظر عن كيفية تطور التفاعل مع أوروبا، سيتعين على روسيا في المستقبل التعامل مع جيرانها الغربيين وبناء علاقات اقتصادية وثقافية جديدة معهم في نهاية المطاف.
بحسب سيرغي فاسيلكوفسكي رئيس قسم التحليلات في "معهد ستوليبين لاقتصادات النمو"، فإن الآمال في استئناف العلاقات الاقتصادية بين روسيا والاتحاد الأوروبي تبدو في الوقت الراهن بعيدة المنال. أولاً، يعزى ذلك إلى مواقف كلا الجانبين في سياق السياسة الخارجية الأميركية في عهد إدارة ترمب. ثانياً، أعاد الاتحاد الأوروبي النظر في مكانته في السياسة والاقتصاد العالميين، فعمل على تعزيز نفوذه وتوجيه جهوده بعيداً من روسيا نحو أسواق أخرى، كدول آسيا الوسطى.
ويرى المتخصص فاسيلكوفسكي أن "الشيء الوحيد الذي يمكن أن يبشر بتحسن الأوضاع هو محاولة الاتحاد الأوروبي فصل موسكو عن بكين". ويضيف "مع ذلك، حتى لو خفت حدة التوترات الجيوسياسية، فإن الجهاز البيروقراطي الأوروبي سيتحرك ببطء نحو رفع العقوبات بصورة كاملة. بالطبع، ستستجيب الشركات بسرعة لتحسن العلاقات، وسيبدأ الحوار بين الدول بالعودة تدريجاً، ولكن مع ذلك، سيستمر انعدام الثقة المتبادل بين السياسيين والأجيال الحالية، بخاصة إذا بقي الوضع الراهن على حاله". أما التوقعات في شأن ما إذا كانت روسيا وأوروبا ستتمكنان من استعادة العلاقات الثقافية فهي أكثر إيجابية.
إيكاترينا أندرييفا، وهي مرشحة لنيل درجة الدكتوراه في فقه اللغة وأستاذة مشاركة في قسم اللغات الأجنبية والتواصل بين الثقافات في الجامعة المالية التابعة لحكومة الاتحاد الروسي، واثقة من أنه على رغم الوضع العالمي الصعب والتراجع الواضح في التفاعل الرسمي، فإن التبادل الثقافي بين روسيا والدول الأوروبية لن يتوقف، بل سيخضع لتغييرات. وتثق أندرييفا بأن الروابط الثقافية ستكون قادرة في المستقبل على استعادة التفاهم المتبادل في المناطق التي أضعفتها العوامل السياسية موقتاً.
الجغرافيا تصنع التاريخ
لقرون عدة، كانت الإمبراطورية الروسية جزءاً لا يتجزأ من النظام الأوروبي للعلاقات الدولية. فقد كانت جزءاً من "نظام التوازن الأوروبي" الذي نشأ عقب الحروب النابليونية، ثم اندمجت، وإن لم يكن ذلك على الفور، في نظام فرساي - واشنطن للعلاقات الدولية في فترة ما بين الحربين. ولعل من الخطأ الحديث عن سياسة عدائية مستمرة من جانب الدول الأوروبية تجاه روسيا. فقد مررت العلاقات بفترات تعاون فيها الجانبان بنجاح على أساس المنفعة المتبادلة. والسؤال المطروح هنا هو مدى قوة مكانة روسيا نفسها في أوروبا والعالم. فما دامت روسيا دولة قوية ذات اقتصاد مرن في مواجهة الصدمات الخارجية، فإن جيرانها الأوروبيين مهتمون بها كشريك ند متساو في الحقوق والواجبات، وعلاقات روسيا مع أوروبا ستعاود النهوض مجدداً عاجلاً وستتطور بصورة جيدة، بما يخدم المصالح المشتركة. أما المشكلات فتظهر عندما تكون روسيا ضعيفة أو عندما ينظر إليها على هذا النحو. حينها يبدأ الأوروبيون في تقديم النصائح لموسكو حول أفضل السبل للعيش والتنمية، وهذا ما لا يروق للطبع الروسي.
منذ عام 2005، تصاعدت حدة الخلافات بين روسيا والاتحاد الأوروبي. يُعزى ذلك إلى سياسة الاتحاد الأوروبي التقليدية في بناء علاقاته مع شركائه وفقاً لسياسة توسع موحدة، تتضمن تبني المعايير الأوروبية من قبل الشركاء. إلا أن تبني هذه المعايير يمثل تحدياً لروسيا، نظراً إلى ضخامة حجمها، وتكلفة تكييف اقتصادها مع المعايير الفنية والاقتصادية للاتحاد الأوروبي الباهظة. والأهم من ذلك، أنها لا ترغب في أن تكون مثل الاتحاد الأوروبي، فرؤيتها للعالم مختلفة تماماً، ولا تنوي تغييرها لمجاراة التوصيات.
لسنوات طويلة، اعتبر الاتحاد الأوروبي النموذج الاقتصادي الناجح الوحيد. وشجع شركاؤه على تبني المعايير الأوروبية لتحقيق النجاح الاقتصادي والتطور على غرار الاتحاد الأوروبي، لكن الآن، وكما يظهر مثال الصين، بات من الواضح أنه من الممكن تطوير الاقتصاد بنجاح من دون تغيير البنية السياسية.
وفي ما يخص السياق السياسي، فهناك إشكاليات جوهرية في كيفية إدراك أوروبا وإدراك روسيا للفضاء ما بعد السوفياتي. يرغب الاتحاد الأوروبي في تعزيز علاقاته مع دول ما بعد الاتحاد السوفياتي، لكنه يفكر حصرياً من منظور سياسة التوسع، ويعتقد أن الإصلاحات يجب أن تبدأ بتحولات سياسية. في المقابل، تشعر روسيا بالغضب إزاء الدعم الغربي للاحتجاجات السياسية والثورات في دول ما بعد الاتحاد السوفياتي.
في السابق، كانت العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وروسيا مبنية على فكرة ظهرت في التسعينيات، مفادها بأنه مع "تحديث" روسيا وتحولها إلى "دولة طبيعية"، ستصبح "أقرب إلى بقية أوروبا"، لكن هذه الفكرة أصبحت الآن من الماضي، وكذلك فكرة أن روسيا سترتبط ارتباطاً وثيقاً بالاتحاد الأوروبي من دون تبني مؤسساته.
لم تقتصر الأزمة الأوكرانية على تفريق أوروبا عن روسيا فحسب، بل دفعت الأخيرة إلى الانكفاء على ذاتها. وهذا يعني أن روسيا باتت تنظر إلى نفسها لا كحدود شرقية لأوروبا، بل كلاعب جيوسياسي رئيس ومستقل على الصعيد العالمي. واليوم، وعلى رغم احتفاظها بهويتها الثقافية الأوروبية، فإن روسيا ليست "آسيوية" ولا "أوراسية" سياسياً. روسيا هي روسيا.
كثيراً ما اعتبر الروس أوروبا نموذجاً يحتذى على مر الأجيال، أما اليوم، فتنظر إليها روسيا في المقام الأول كجارة. كانت روسيا قبل انهيار علاقاتها معه، تنظر إلى الاتحاد الأوروبي كشريك تجاري رئيس ومصدر مهم للتكنولوجيا والاستثمار. ومع ذلك، وعلى رغم قوته الاقتصادية، لا ينظر إلى الاتحاد الأوروبي في روسيا كلاعب جيوسياسي واستراتيجي متكامل. فعندما يتعلق الأمر بالسياسة العالمية أو الجيواستراتيجية، يعتقد الروس أن أوروبا تتبع الولايات المتحدة ببساطة، غالباً طواعية، وأحياناً على مضض.
في أوروبا، لا يدور النقاش حول ماهية روسيا بقدر ما يدور حول كيفية التعامل معها. فدول مثل بولندا ودول البلطيق تنظر إلى روسيا كتهديد وجودي، بينما يركز عديد من أعضاء الاتحاد الأوروبي الآخرين، على رغم قلقهم إزاء تحركات موسكو في أوكرانيا وارتيابهم من "التدخل الروسي" في السياسة الداخلية الأوروبية، على تطوير العلاقات الاقتصادية مع روسيا. وأخيراً، هناك أوروبيون يسعون إلى فهم المنطق التاريخي والجيوسياسي والنفسي الكامن وراء تحركات روسيا.
لذلك ليس من المستغرب أن روسيا والاتحاد الأوروبي لا يملكان اليوم فهماً واضحاً لما ينبغي أن تكون عليه العلاقات الثنائية في المستقبل القريب.