ملخص
على رغم أن السوق الأميركية تعد منفذاً مهماً لصادرات الحديد والصلب سجلت تراجعاً ملحوظاً خلال الفترة الأخيرة، قبل فرض الرسوم، مما يجعل رسوم واشنطن المفروضة من دون تأثير كبير على مداخيل الجزائر، غير أنه يعرقل المنحى التصاعدي الذي باشرته البلاد فيما تعلق بترقية التصدير خارج المحروقات.
أثار إعلان وزارة التجارة الأميركية فرض رسم لمكافحة الإغراق على حديد التسليح الجزائري نقاشات حول مدى تأثير القرار على الاقتصاد، بخاصة أنه يأتي في وقت انطلقت البلاد في استغلال ثالث أكبر منجم للحديد في العالم باحتياطات تقدر بـ3.5 مليار طن، مما فتح أبواب التأويلات على مصراعيها بين من اعتبر خطوة واشنطن غير مؤثرة وآخر يرى أنها تندرج في سياق محاصرة محاولات الجزائر دخول سوق الحديد العالمية بقوة.
واشنطن قالت في بيانها إن المنتج الجزائري يباع في السوق الأميركية بأسعار أدنى من قيمته العادية، وهو ما دفعها إلى فرض رسم بنسبة 127.32 في المئة يسري تطبيقه فوراً على جميع الواردات، موضحة أن هذا المعدل يستهدف مباشرة شركة "توسيالي" لصناعة الحديد والصلب، أكبر منتج ومصدر جزائري، ويشمل جميع المنتجين الآخرين في البلاد.
وزارة التجارة الأميركية أشارت في الوقت نفسه إلى اعتمادها منهجاً عقابياً في حساب هامش الإغراق، يقوم على الوقائع المتاحة مع استنتاجات سلبية، وهو ما أدى تلقائياً إلى رفع نسبة الإغراق المحتسبة، وبموجب هذا القرار أصبح على المستوردين الأميركيين إيداع ضمانات مالية تعادل قيمة هذا الرسم عند إدخال أي شحنة من المنتج الجزائري من حديد التسليح، على أن يصدر قرار نهائي في هذا الشأن خلال مارس (آذار) المقبل.
شكوى منتجي الصلب الأميركيين
بحسب وسائل إعلام أميركية فإن القرار جاء عقب شكوى تقدم بها عدد من منتجي الصلب الأميركيين إلى وزارة التجارة ولجنة التجارة الدولية، شددوا خلالها على أن الواردات القادمة من عدة دول، من بينها الجزائر وبلغاريا ومصر وفيتنام، تسببت في اضطراب السوق المحلية من خلال الضغط على الأسعار نحو الانخفاض، موضحين أن تطبيق الرسم خطوة ضرورية لحماية الصناعة المحلية.
وقالت المذكرة إن المنتجين في الدول المذكورة يستفيدون من إعانات الحكومية، ويبيعون حديد التسليح في الولايات المتحدة بأسعار منخفضة وأقل من القيمة العادلة، إذ استحوذت الدول الأربع على 53.6 في المئة من إجمال حجم واردات الحديد للولايات المتحدة خلال الربع الأول من عام 2025 بإجمالي حجم واردات بلغ 175.8 ألف طن.
وطالبت الشكوى بأن تبلغ قيمة رسوم الإغراق في حالة فرضها 166.3 في المئة على واردات حديد التسليح من الجزائر، على أن تشمل حديد التسليح بكل أنواعه، سواء جرى تصنيعه بالكامل في البلاد أو تم إجراء أي معالجة عليه خارجها.
اختلاف حول جدوى الخطوة
وعلى رغم أن السوق الأميركية تعد منفذاً مهماَ لصادرات الحديد والصلب، سجلت تراجعاً ملحوظاً خلال الفترة الأخيرة، قبل فرض الرسوم، مما يجعل رسوم واشنطن المفروضة من دون تأثير كبير على مداخيل البلاد، غير أنه يعرقل المنحى التصاعدي الذي باشرته الجزائر فيما تعلق بترقية التصدير خارج المحروقات.
ولكن مراقبين يرون أن هذا التطور يمثل انتكاسة لصناعة الحديد والصلب في الجزائر التي برزت خلال الأعوام الأخيرة كفاعل إقليمي مهم في إنتاج وتصدير حديد التسليح، بخاصة مع الاستثمارات الكبيرة التي ضختها مجمعات صناعية مثل "توسيالي"، والشركة الجزائرية القطرية للصلب من أجل تطوير إنتاج تنافسي موجه للتصدير.
أسواق بديلة
دفعت القرارات الأميركية الأخيرة الجزائر إلى تسريع تنويع وجهاتها التصديرية وتعزيز حضورها في أسواق أفريقيا والشرق الأوسط وبعض الدول الأوروبية، وإن كانت بدورها تعرف منافسة حادة، لا سيما في ظل الانتعاش الذي يشهده القطاع مع بداية استغلال "غار جبيلات" ثالث أكبر منجم في العالم.
وبلغت صادرات حديد التسليح من الجزائر إلى الولايات المتحدة ذروتها عام 2023 عند نحو 485 ألف طن، قبل أن تنخفض في عام 2024 إلى نحو 100 ألف طن.
ولمواجهة "ضياع" السوق الأميركية شرعت الجزائر في تنفيذ بنود صفقات كانت قد عقدتها مع دول أوروبية وعربية، إذ جرى مع بداية شهر يناير (كانون الثاني) الجاري، إطلاق أولى عمليات تصدير تتمثل في شحن 22 ألف طن من المنتجات الحديدية، عبر أربع بواخر نحو بولندا وليتونيا وإيطاليا وتونس، بعائدات مالية تقدر بـ13.5 مليون دولار أميركي.
وأعلنت شركة "توسيالي" الجزائر أن عائدات التصدير لعام 2025 تصل مليار دولار على أن تتجاوز 1.5 مليار دولار خلال 2026، إذ صدرت 1.5 مليون طن من منتجات الصلب المتمثلة على وجه الخصوص في حديد التسليح ولفائف الأسلاك والكريات الحديدية والأنابيب الحلزونية المقاومة للتآكل، وأنابيب أخرى من مختلف الأنواع والأحجام نحو دول الاتحاد الأوروبي على غرار إيطاليا وإسبانيا.
صادرات متذبذبة
وفي السياق قال أستاذ الاقتصاد سليمان ناصر في حديثه لـ"اندبندنت عربية" إن صادرات الجزائر من الحديد والصلب باتجاه أميركا متقلبة متذبذبة وليست ثابتة، وعرفت في الأعوام الأخيرة تراجعاً واضحاً حتى قبل فرض الرسوم، بالتالي فإن حجم الصادرات في عام 2026 سيكون ضعيفاً.
وأوضح أن صادرات الحديد الجزائري باتجاه دول العالم بلغت في حدود 700 مليون دولار في عام 2024 مقابل 3.8 مليار دولار من صادرات البلاد خارج المحروقات، وهي ليست كبيرة ولا تعبر سوى عن 18 في المئة، وعليه فالجزائر بإمكانها التأقلم مع الوضع الجديد.
وأشار ناصر إلى أن الرسوم الأميركية لا تضر الجزائر، لكن البحث عن أسواق جديدة بات ضرورياً، مبرزاً أن المصدرين الكبار هم من يتضرر بشكل لافت. وقال "صحيح أن السوق الأميركية واعدة لعدة اعتبارات، لكن الولوج إلى الأسواق العالمية لا سيما في أفريقيا وآسيا مهم لتجاوز إجراءات الولايات المتحدة".
تأثير محدود
من جانبه رأى الإعلامي عبدالقادر بوماتع أنه لا تأثير لفرض رسوم أميركية ثقيلة على الاقتصاد الجزائري لأسباب ترتبط بطبيعة السوق والخيارات الاقتصادية المعتمدة. وقال إن الجزائر لا تعد من الممونين الرئيسين للسوق الأميركية بهذه المادة، مما يجعل الإقصاء التجاري إجراء محدود الانعكاس على الصادرات الوطنية، إضافة إلى أن إنتاج الحديد في الجزائر موجه أساساً لتلبية الطلب الداخلي المتنامي، خصوصاً في قطاعات السكن والأشغال العمومية والصناعة التحويلية، وهو ما يقلص الاعتماد على التصدير كرافعة أساسية للقطاع في الوقت الراهن.
وتنطلق عمليات التصدير الكبرى للحديد الجزائري بشكل ملموس، مع بلوغ منجم غار جبيلات طاقته الإنتاجية القصوى خلال الأعوام المقبلة. وهنا أكد بوماتع أن الجزائر تتمتع بمرونة في توجيه صادراتها نحو أسواق بديلة كثيرة، سواء في أفريقيا أو أوروبا أو في مناطق أخرى، ما يمنح المنتج الوطني خيارات واسعة للتسويق ويقلل من المخاطر المرتبطة بالسياسات الحمائية الموقتة في أي سوق محددة.
ولفت الانتباه إلى أن الاقتصاد الجزائري بات يمتلك قدرة على امتصاص أية صدمات خارجية محدودة في هذا المجال، بفضل توجه الإنتاج نحو تلبية الطلب الداخلي وتوفر بدائل تصديرية، والتخطيط الاستراتيجي لزيادة الإنتاج مستقبلاً، وهو ما يجعل التأثير الأميركي محدوداً وغير جوهري على التوازنات الاقتصادية الوطنية.
ضربة لـ "غار جبيلات"
في المقابل يعتقد الباحث في الدراسات التاريخية بريك الله حبيب أن الرسوم المفروضة على واردات الحديد من الجزائر، أمر ليس اعتباطياً، وإنما جاء بعد مجموعة من القرارات غير البريئة والمدروسة بإحكام من واشنطن، الأمر الذي سوف يؤدي نوعاً ما إلى إقصاء شبه كلي للمنتج الجزائري من السوق الأميركية.
وأوضح أن القرار الأميركي الذي يهدد بشكل أو بآخر الصادرات الجزائرية ويثقل كاهل قطاع الصلب يلزم الدولة البحث عن حلول أخرى لتعويض الخسائر المتوقعة، مشدداً على أنها ضربة موجعة لقطاع الصلب الجزائري.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأشار حبيب إلى أن الخطوة الأميركية ستخلق فائضاً في السوق المحلية وتقلل العوائد من العملة الصعبة، مبرزاً أنها ضربة لمشروع منجم "غار جبيلات" الذي تسعى البلاد من خلاله إلى تأسيس بدائل خارج قطاع المحروقات ومدخل إلى تنويع الاقتصاد.
ولفت الانتباه إلى أن الجزائر تعمل على زيادة إنتاجها من الحديد لتغطية الحاجات المحلية وتصدير الفائض، لكن القرارات الأميركية جاءت لتشكل تحدياً كبيراً أمام الاستراتيجية الوطنية لتعزيز صناعة الصلب والحديد.
أكبر مستورد للصلب
تشير بيانات "بلومبيرغ" إلى أن الولايات المتحدة تعتمد بشكل كبير على الواردات لسد حاجتها من الصلب والألمنيوم، حيث تمثل الواردات أكثر من 80 في المئة من إجمال استهلاكها من الألمنيوم، وما يقارب 17 في المئة من حاجاتها من الصلب، وبالتالي فإن الدول الموردة لهذه المعادن ستتأثر بشكل مباشر بالرسوم الجديدة، فبالنسبة للصلب، تتصدر كندا قائمة الموردين بـ23 في المئة، تليها البرازيل بـ 16 في المئة، ثم المكسيك 12 في المئة، وكوريا الجنوبية 10 في المئة.
وتعد الولايات المتحدة أكبر مستورد للصلب في العالم، إذ تؤكد وزارة التجارة أن إجمالي واردات البلاد من الصلب بلغت 26.2 مليون طن في عام 2024، الأمر الذي يجعل الرسوم الجمركية الجديدة تتسبب في زيادة أسعار هذه المادة على نطاق واسع، مما يؤثر سلباً على الصناعة والمستهلكين معاً.
كيف تنظر واشنطن إلى "غار جبيلات"؟
بالعودة إلى "غار جبيلات" ثالث أكبر منجم للحديد في العالم، والذي انطلقت عملية استغلاله بعد نجاح التجارب التقنية لخط السكة الحديد، فإن التقارير الأميركية تصفه بالعملاق النائم الذي ظل خامداً لـ70 عاماً. وتعتبر واشنطن أن نجاح الجزائر في ربط المنجم بالسكة الحديد هو "أجرأ خطوة اقتصادية" لكسر لعنة النفط. وقالت إن الجزائر لم تعد مجرد محطة وقود لأوروبا، بل إنها تتحول إلى عملاق منجمي صاعد، وتدشين خط السكة الحديد هو تغيير لقواعد اللعبة في شمال أفريقيا، حيث سيمكن البلاد من تصدير فائض الإنتاج من الحديد الصلب.
وفي حين ينصب تركيز العالم على تحول الطاقة، تعمل الجزائر على إعادة تشكيل سوق الحديد العالمية، حيث تتحدث التقارير الأمريكية أن مشروع غار جبيلات يمنح الجزائر ميزة تنافسية كبرى تجاه أوروبا بفضل القرب الجغرافي وكلف الشحن المنخفضة، وهو ما قد يزاحم الموردين التقليديين من أمريكا الجنوبية. وأضافت أن الجزائر لا تبني مجرد خط سكة حديد، بل تضع نفسها كمركز صناعي حيوي للمتوسط وأفريقيا، متحدية سلاسل التوريد التقليدية للحديد عبر استغلال واحد من أكبر احتياطات العالم.
وأشارت التقارير إلى أنه واحد من أكثر المشاريع طموحاً في القارة للقرن الـ21، وهو يمثل الاستثمار السيادي الذكي الذي يحول الأصول الطبيعية الراكدة إلى تدفقات نقدية مستدامة، مما يقلل من أخطار تقلبات أسعار النفط، مضيفة أن خط السكة الحديد يمثل العمود الفقري لمستقبل الجزائر خارج المحروقات، وهو المحرك الأساس الذي سيحول الصحراء الكبرى إلى قطب لوجيستي قاري.