ملخص
أشار مراقبون عسكريون إلى أن ما يجري في مسارح العمليات بإقليم كردفان، وبخاصة المحور الشمالي، مؤشر واضح وملاحظ لتراجع الزخم القتالي لقوات "الدعم السريع"، وذلك بسبب تآكل قدرتها على الصمود الميداني، نتيجة للاستنزاف المنهجي من خلال استهداف سلاح الجو التابع للجيش خطوط الإمداد والقدرات التشغيلية لهذه القوات.
على رغم عمليات الكر والفر التي تشهدها المعارك الدائرة حالياً بين الجيش السوداني وقوات "الدعم السريع" في إقليم كردفان، فضلاً عن عمليات التحشيد والتحشيد المضاد، واصل الجيش توغله في محور شمال كردفان، حيث تمكن أمس الخميس من استعادة سيطرته على بلدة كازقيل التي تبادل الطرفان السيطرة عليها أول من أمس الأربعاء، وذلك بعد معارك ضارية بين القوتين، تراجعت على إثرها قوات "الدعم السريع" باتجاه بلدة الحمادي بولاية جنوب كردفان.
وبحسب مصادر عسكرية، فإن قوات الجيش مسنودة بالقوات المشتركة التابعة للحركات المسلحة تقدمت في محور جنوب الرهد بولاية شمال كردفان (تبعد 30 كيلومتراً من الأبيض عاصمة شمال كردفان) بعد عمليات تمشيط واسعة في مناطق علوبة وكويكيا وانجمينا أسفرت عن خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، فضلاً عن فرار أعداد كبيرة من عناصر "الدعم السريع".
استعادة هبيلا
في المقابل، أكدت عناصر تابعة لـ"الدعم السريع" أمس الخميس في مقاطع فيديو مصورة سيطرتهم على بلدة هبيلا بجنوب كردفان، وذلك من خلال وجودهم أمام قيادة اللواء 53 مشاة، معلنين استعدادهم لصد أي هجوم على البلدة. وكان الجيش شن أول أمس الأربعاء هجوماً واسعاً على هذه البلدة، ودارت اشتباكات عنيفة بينه و"الدعم السريع" تمكن خلالها الجيش من التفوق في المعركة واقتحام منطقة هبيلا والسيطرة عليها، وفق مصادر عسكرية.
في الوقت نفسه أعلنت "الدعم السريع" أمس سيطرتها على بلدة الكويك، التي تبعد نحو 18 كيلومتراً شمال مدينة كادوقلي عاصمة ولاية جنوب كردفان، بعد مواجهات ضارية مع قوات الجيش.
ووفقاً لمصادر ميدانية تابعة لـ"الدعم السريع"، فإن قوة من الجيش المتمركزة في منطقة الكويك، بمساندة قوة من الفرقة 14 مشاة بكادقلي، شنت هجوماً على مواقعها في منطقة التقاطع الواقعة على الطريق بين كادوقلي والدلنج، إلا أن قواتها بمساندة من قوات الحركة الشعبية - شمال تصدت للهجوم وطاردت القوة المهاجمة إلى خارج حدود المنطقة بعد سيطرتها عليها بالكامل.
تعزيزات ضخمة
كذلك أفادت مصادر عسكرية بأن "الدعم السريع" أرسل تعزيزات عسكرية ضخمة إلى بلدة أم صميمة (تبعد 60 كيلومتراً غرب مدينة الأبيض)، تحسباً لأي هجوم يشنه الجيش الذي بدأ عمليات هجوم واسع في محور شمال كردفان.
وتكتسب أم صميمة أهمية استراتيجية لربطها طريق الأبيض بمدينة الخوي، الواقعة على حدود ولاية غرب كردفان. وظلت هذه البلدة منذ مايو (أيار) 2025 مسرحاً لتقلبات عسكرية متسارعة بين طرفي الحرب، في سياق أحد أكثر الفصول دموية في الحرب المشتعلة منذ أبريل (نيسان) 2023.
تقع أم صميمة في موقع حيوي يربط بين شمال كردفان وغربها، وتعد ممراً استراتيجياً للقوات المتحركة بين الأبيض والخوي، مما جعلها هدفاً متكرراً لطرفي النزاع. ففي الـ11 من مايو الماضي تمكن الجيش من استعادة السيطرة على هذه البلدة بعد معارك ضارية ضد قوات "الدعم السريع"، لكن سرعان ما عادت الأمور للاشتعال مجدداً باندلاع مواجهات عنيفة بين القوتين انتهت باستعادة الأخيرة (الدعم السريع) قبضتها على البلدة في الـ13 من يوليو (تموز).
استراتيجية قتالية
بالنظر للتقدم العملياتي الذي أحرزه الجيش السوداني في محور شمال كردفان، فإنه بحسب مصادر عسكرية، يعكس قوة وتخطيط القيادة العسكرية للجيش، إذ "نفذت وحداتها استراتيجية قتالية عالية الدقة بدأت بعمليات تمشيط منهجية حول محيط الدنكوج، قبل أن تتقدم تدريجاً نحو تخوم مدينة بارا، في خطوة تهدف إلى فرض السيطرة على محاور حيوية وضمان تفكيك صفوف الدعم السريع، فضلاً عن تضييق الخناق وقطع مسارات الإمداد، مما أتاح للجيش تثبيت السيطرة وتأمين المناطق المحررة، مع منع أي ارتداد محتمل من القوات المعادية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في حين، أشار مراقبون عسكريون إلى أن ما يجري في مسارح العمليات بإقليم كردفان وبخاصة المحور الشمالي مؤشر واضح وملاحظ لتراجع الزخم القتالي لقوات "الدعم السريع"، وذلك بسبب تآكل قدرتها على الصمود الميداني، نتيجة للاستنزاف المنهجي من خلال استهداف سلاح الجو التابع للجيش خطوط الإمداد والقدرات التشغيلية لهذه القوات.
وبحسب هؤلاء المراقبين، فإن التحكم في المجال الجوي واستخدام الوسائط الحديثة لعب دوراً محورياً في فرض معادلة ضغط متواصل لقوات "الدعم السريع"، مؤكدين أن المرحلة الحالية تمثل تحولاً تكتيكياً حاسماً، مع دخول العمليات طور الحصاد الميداني، في ظل تراجع المخزون القتالي وفقدان التوازن العملياتي لهذه القوات، مما يضعها أمام خيارات محدودة مع استمرار الضغط المتصاعد.
وتوقع المراقبون استمرار الجيش في تنفيذ استراتيجيته العملياتية بثبات، مع التركيز على استكمال الأهداف المرسومة، ومنع أية محاولات لإعادة تنظيم القوات المعادية (الدعم السريع) أو استعادة مبادرتها على الأرض.
يأتي هذا التقدم بعد فترة من الهدوء النسبي في جبهات القتال بولايتي شمال كردفان وجنوبها، منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2025.
تصاعد النزوح
على الصعيد الإنساني، تصاعدت موجات النزوح مع اشتداد المعارك التي تدور هذه الأيام بمحاور القتال المختلفة بخاصة بولايتي شمال كردفان وجنوبها، في ظل تفاقم أزمة الغذاء في البلاد وتحذير منظمات الإغاثة الدولية والإقليمية من تفشي المجاعة في مناطق عدة.
ووفقاً لمصادر ميدانية، فإن حركة نزوح كبيرة تشهدها المناطق التي يدور فيها القتال حالياً بمحور شمال كردفان، إذ يتجه غالبيتهم إلى مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان، وآخرون باتجاه ولاية النيل الأبيض.
فيما أشارت المصادر نفسها إلى استمرار حركة نزوح سكان مدينة كادوقلي عاصمة ولاية جنوب كردفان، نحو المناطق الخاضعة لسيطرة الحركة الشعبية - شمال غرب المدينة.
وأوضحت المصادر أن حركة النزوح تتم عبر البوابات الغربية باتجاه مناطق البرام الواقعة تحت سيطرة الحركة الشعبية، ومنها إلى معسكرات إيدا المخصصة للاجئين السودانيين في دولة جنوب السودان.
دعوة إلى المصالحة
في الأثناء، دعا رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للجيش السوداني عبدالفتاح البرهان إلى المصالحة الوطنية، مؤكداً أن أبوابها لا تزال مفتوحة، وأن السودان يتسع لجميع أبنائه من دون إقصاء.
وأوضح البرهان، في خطاب بمناسبة الذكرى الـ70 لاستقلال البلاد، أن ما يمر به السودان يمثل معركة وجودية، مشيراً إلى أن النصر قادم لا محالة وسيكون حليف الشعب السوداني.
وشدد على التزام الجيش والقوات المساندة بالوقوف إلى جانب الشعب والعمل على تحقيق تطلعاته في الحرية والسلام والعدالة، لافتاً إلى أن استقلال السودان تحقق بتضحيات جسيمة قدمها الأجداد في محطات تاريخية فارقة.
ونوه بأن الشعب السوداني يعيد اليوم صناعة تاريخه من جديد، كما فعل في محطات سابقة أبرزها خلال عامي 1885 و1956، مؤكداً أن السودانيين سيتوحدون مجدداً لطرد التمرد، كما توحدوا من قبل لطرد الاستعمار، وأن أوهام التقسيم لن تجد طريقها إلى أرض السودان.
وأكد قائد الجيش بأن كل من خان وطنه أو راهن على تقسيمه لن يحقق أي نجاح، معتبراً أن الأحاديث عن تفتيت السودان مجرد أوهام لا أساس لها من الواقع.