ملخص
كشف الاعتراف الإسرائيلي باستقلال "أرض الصومال" عن تباين واضح في مواقف الفاعلين الإقليميين والدوليين، وعكس اختلاف حساباتهم تجاه القرن الأفريقي وحدود إعادة رسم الخرائط السياسية فيه.
دخلت الصومال طوراً سياسياً جديداً مع إعلان إسرائيل في الـ26 من ديسمبر (كانون الأول) الماضي، اعترافها الرسمي بجمهورية "أرض الصومال" دولة مستقلة، في خطوة غير مسبوقة منذ إعلان الإقليم انفصاله عن الصومال عام 1991. وجاء الإعلان ليضع ملف "أرض الصومال" الذي ظل لعقود حبيس التداول الدبلوماسي غير المعلن، في صدارة المشهد الإقليمي والدولي، بوصفه تطوراً سيادياً يحمل أبعاداً تتجاوز نطاق العلاقات الثنائية.
ووفق البيان الصادر عن الحكومة الإسرائيلية، فإن الاعتراف جاء في إطار تبادل رسمي يفتح مسارات تعاون متعددة تشمل الزراعة والصحة والتكنولوجيا والاقتصاد، مع تأكيد العمل على إدماج هرجيسا ضمن شبكة اتفاقات إقليمية أوسع للسلام. وتعهد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالدفاع عن ملف "أرض الصومال" أمام الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وبالتحرك دبلوماسياً لكسب دعم دولي للاعتراف بها، في مسعى يمنح الخطوة زخماً يتجاوز طابعها الرمزي.
وخلال أيام فقط من الإعلان، برزت هرجيسا في واجهة الاهتمام الدبلوماسي بوصفها طرفاً مباشراً في خطوة اعتراف سيادي للمرة الأولى منذ مطلع التسعينيات، ورحبت سلطات "أرض الصومال" بالقرار الإسرائيلي، واعتبرته اختراقاً نوعياً لمسار ظل مغلقاً لعقود، مؤكدة أنه ثمرة اتصالات سياسية طويلة وبناء شراكات هادئة مع أطراف دولية. وترافق الترحيب الرسمي مع تحركات داخل الإقليم لإبراز الجاهزية المؤسساتية والاقتصادية للدخول في تعاون معلن، شمل الحديث عن مذكرات تفاهم في مجالات الأمن البحري والاستثمار والبنية التحتية، فضلاً عن توسيع قنوات التواصل مع عواصم غربية وإقليمية. وعليه، بدا الاعتراف كحدث كاشف عن انتقال "أرض الصومال" من موقع السعي الصامت إلى موقع الفاعل المعلن في معركة الاعتراف، مستندة إلى خطاب سيادي يربط الخطوة بسياق إقليمي ودولي يشهد إعادة تعريف للشرعية والشراكات.
في المقابل، قوبل الإعلان الإسرائيلي برفض واضح من الحكومة الفيدرالية في مقديشو التي جددت تمسكها بوحدة الأراضي الصومالية واعتبرت الاعتراف انتهاكاً للسيادة الوطنية. وأعلنت دول إقليمية فاعلة من بينها مصر وتركيا معارضتها العلنية لأية خطوة نحو الاعتراف، انطلاقاً من اعتبارات تتصل بوحدة الصومال وبحسابات الاستقرار في القرن الأفريقي. وبينما قدم الاعتراف الإسرائيلي بوصفه حدثاً سيادياً يفتح فصلاً جديداً في علاقة هرجيسا بالعالم، فإنه أعاد ملف "ارض الصومال" لواجهة النقاش الدولي، بعد أعوام من الجمود، ليصبح تطوراً دبلوماسياً مسجلاً في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية، عند تقاطع السياسة مع الجغرافيا والتاريخ مع الواقع القائم.
جذور متشابكة
تمثل قضية "أرض الصومال" إحدى أكثر معضلات الدولة والشرعية تعقيداً في أفريقيا المعاصرة، إذ تتشابك جذورها مع البنية الاستعمارية التي تشكلت منها الصومال الحديثة منتصف القرن الـ20، فخضعت مناطق الشمال، المعروفة تاريخياً بـ"صوماليلاند" للحكم البريطاني منذ أواخر القرن الـ19، بينما خضع الجنوب للإدارة الإيطالية، مما أفرز تجربتين إداريتين واقتصاديتين مختلفتين في أنماط الحكم وبناء المؤسسات. وفي الـ26 من يونيو (حزيران) عام 1960، نالت "دولة أرض الصومال" استقلالها عن المملكة المتحدة، وحظيت في تلك اللحظة القصيرة باعتراف نحو 33 دولة، في سابقة سيادية مكتملة الأركان سرعان ما غابت عن الذاكرة الدولية.
بعد خمسة أيام فقط، وفي الأول من يوليو (تموز) عام 1960، اتخذ قادة الإقليم قرار الاتحاد مع الصومال الجنوبي لتشكيل "الجمهورية الصومالية"، في خطوة حملت طموحاً قومياً واسعاً بتوحيد الأقاليم الصومالية، غير أن الاندماج السريع تجاوز الفوارق المؤسساتية والإدارية بين المنطقتين، وأنتج لاحقاً اختلالات بنيوية في توزيع السلطة والثروة. ومع انقلاب محمد سياد بري عام 1969، عقب اغتيال الرئيس عبدالرشيد علي شرماركي، دخلت الدولة مرحلة حكم مركزي صارم، تركزت فيها مفاصل القرار السياسي والعسكري في مقديشو، وتراجعت مكانة الأقاليم الشمالية في معادلة النفوذ والموارد.
وخلال ثمانينيات القرن الماضي، تحول هذا التفاوت إلى صراع مفتوح مع اندلاع تمرد الحركة الوطنية الصومالية في الشمال، أعقبه رد عسكري واسع النطاق خلف دماراً كبيراً في مدن رئيسة مثل هرجيسا وبربرة بين عامي 1988 و1989، وأسس لقطيعة سياسية ونفسية عميقة مع الدولة المركزية. ومع انهيار نظام بري في يناير (كانون الثاني) 1991 ودخول الصومال في حرب أهلية شاملة، أعلنت القيادات السياسية والاجتماعية في الشمال في مايو (أيار) من العام نفسه، قيام "أرض الصومال" ضمن حدودها الاستعمارية السابقة.
ومنذ ذلك التاريخ، سلكت "أرض الصومال" مساراً سياسياً خاصاً، توج بدستور أقر عبر استفتاء عام 2001، وانتخابات رئاسية وبرلمانية متعاقبة وبناء مؤسسات إدارية وأمنية واعتماد عملة وطنية وإدارة موانئ استراتيجية على خليج عدن، أبرزها ميناء بربرة. وعلى رغم هذا التراكم المؤسساتي، بقي الكيان خارج دائرة الاعتراف الدولي، محكوماً بمعادلة إقليمية دقيقة تربط وحدة الصومال بالاستقرار العام. ومع الاعتراف الإسرائيلي الأخير، عاد ملف "أرض الصومال" للواجهة باعتباره امتداداً لمسار تاريخي طويل، تختلط فيه ذاكرة السيادة المبكرة مع رهانات الجغرافيا السياسية المعاصرة.
استثمار سياسي
يحمل الاعتراف الإسرائيلي بـ"أرض الصومال" دلالات تتجاوز حدود القرار الدبلوماسي التقليدي، ليغدو جزءاً من رؤية أوسع لإعادة تشكيل المجال الحيوي لإسرائيل في بيئات جيوسياسية سريعة التحول، فتل أبيب تتعامل مع هذا الاعتراف باعتباره استثماراً سياسياً مركباً، يجمع بين توسيع شبكة العلاقات ضمن الفضاءات المسلمة وتعميق الحضور في القرن الأفريقي وبناء أوراق نفوذ جديدة على مقربة من أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
ومنذ عام 2020، دشنت "اتفاقات أبراهام" مساراً علنياً للسلام مع دول عربية، مما أسس لنهج يقوم على كسر الحواجز الرمزية وتفكيك العزلة الإقليمية عبر خطوات محسوبة تتدرج من الاعتراف السياسي إلى الشراكات الاقتصادية والأمنية.
في هذا الإطار، يبدو الاعتراف بـ"أرض الصومال" مكسباً دبلوماسياً نوعياً، يختلف عما سبقه من ناحية السياق والتبعات. فالخطوة تسجل في فضاء أفريقي تحكمه حساسية عالية تجاه قضايا الانفصال وترتبط فيه الشرعية بوحدة الدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي، ومع ذلك فإنها تتيح لإسرائيل فرصة التمركز في معادلة ناشئة، إذ تتقاطع هشاشة الكيانات مع الحاجة إلى شركاء دوليين قادرين على توفير الاعتراف والدعم. وبالنسبة إلى تل أبيب، فإن التعامل مع كيان يسعى إلى الشرعية يمنحها هامشاً أوسع للتأثير وصياغة شروط العلاقة منذ بدايتها.
ويتعزز هذا المنطق مع الموقع الجغرافي لـ"أرض الصومال" على خليج عدن، بمحاذاة باب المندب، حيث تمر نسبة معتبرة من التجارة العالمية وإمدادات الطاقة. وخلال الأعوام الأخيرة، تحول هذا الشريط البحري إلى ساحة تنافس محتدم، تتداخل فيها حسابات أمن الملاحة مع صراعات النفوذ الإقليمي. ومن هذا المنظور يمثل الاعتراف مدخلاً لبناء شراكات بحرية وتجارية وأمنية، تتيح لإسرائيل الاقتراب من نقاط الاختناق الاستراتيجية وتوسيع نطاق مراقبة حركة الملاحة وتأمين خطوط الإمداد التي باتت جزءاً من معادلة الأمن القومي.
وتكتسب هذه الحسابات وزناً إضافياً مع تصاعد التوترات في البحر الأحمر، وما رافقها من تهديدات متكررة للسفن التجارية، فصانع القرار الإسرائيلي ينظر إلى الجبهة البحرية على أنها امتداد لمسرح مواجهة أوسع مع إيران وشبكة حلفائها، حيث تتقاطع الحاجة إلى الإنذار المبكر وتبادل المعلومات وتعزيز الردع. وضمن هذا السياق شديد السيولة، يمنح هذا الاعتراف إسرائيل ورقة جديدة تجمع بين السياسة والأمن والاقتصاد، وتتيح لها التحرك بمرونة أكبر في فضاء إقليمي يعاد رسم خرائطه على إيقاع الأزمات المتلاحقة.
تباين المواقف
كذلك كشف الاعتراف الإسرائيلي عن تباين واضح في مواقف الفاعلين الإقليميين والدوليين، وعكس اختلاف حساباتهم تجاه القرن الأفريقي وحدود إعادة رسم الخرائط السياسية فيه، فعلى المستوى الإقليمي جاء الرفض سريعاً ومنسقاً، تقوده مصر وتركيا وجيبوتي، مدعوماً بموقف الاتحاد الأفريقي. وتنطلق هذه الدول من اعتبارات متداخلة، فالقاهرة ترى في أي تغيير أحادي على شواطئ البحر الأحمر وخليج عدن مساساً مباشراً بأمنها البحري وبسلامة الممرات المؤدية إلى قناة السويس، فضلاً عن التزامها مبدأ وحدة الدول الوطنية. أما أنقرة، فتنظر إلى الملف من زاوية نفوذها المتنامي في الصومال وعلاقاتها العسكرية والاقتصادية مع مقديشو، حيث يمثل استقرار الدولة الصومالية ركناً أساساً في حضورها بالقرن الأفريقي، فيما تتقاطع حسابات جيبوتي مع موقعها الحرج على باب المندب وخشيتها من اختلال توازن منطقة تعج بالقواعد العسكرية والمصالح المتنافسة.
وفي واشنطن، اتسم الموقف بالحذر المحسوب، إذ أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن الولايات المتحدة غير مستعدة في المرحلة الراهنة للاعتراف بـ"أرض الصومال"، ووضع القرار ضمن مسار دراسة أوسع. ويعكس هذا التريث إدراكاً أميركياً لتشابك الملف، فالاعتراف يمنح مكسباً جيوسياسياً محدوداً في التموقع البحري، مقابل كلفة سياسية أعلى تتعلق بعلاقات واشنطن مع الحكومة الفيدرالية في مقديشو ومع شركاء إقليميين محوريين مثل مصر وتركيا، إضافة إلى حساسية سابقة الانفصال في أفريقيا. وفي الوقت نفسه، تكشف زيارات قيادات عسكرية أميركية إلى هرجيسا ومشاريع قوانين طرحت داخل الكونغرس عن اهتمام مؤسساتي لا يرقى إلى قرار سيادي جامع، مما يدفع واشنطن إلى إبقاء "أرض الصومال" في منطقة رمادية تضمن لها هامش مناورة واسعاً.
وجاء موقف الصين حازماً وسريعاً في رفض الاعتراف، فأكدت دعمها الكامل لوحدة الصومال وسلامة أراضيه، في إطار حسابات سيادية مباشرة تمس بنية الدولة الصينية نفسها. وتنظر بكين إلى قضايا الانفصال من خلال عدسة داخلية دقيقة، تتقاطع مع ملفات تايوان والتبت وشينغيانغ، حيث أي تساهل دولي مع كيانات انفصالية خارج الأطر التوافقية قد يوفر سوابق سياسية وأخلاقية يمكن أن تستدعى لاحقاً لمواجهة هذه الملفات.
وتتمسك الصين بمبدأ صارم يستند إلى دعم الدول القائمة وحدودها المعترف بها دولياً، وتجنب شرعنة كيان ناشئ خارج الإجماع الدولي، وينسجم الموقف أيضاً مع مصالحها الاقتصادية والأمنية في القرن الأفريقي، حيث تستثمر بكثافة في بنى تحتية وممرات تجارية تحتاج إلى شريك سيادي مستقر ومعترف به، لا كيان ضعيف أو محل نزاع. ويعكس الموقف الصيني خياراً استراتيجياً متماسكاً يربط بين السياسة الخارجية والأمن الداخلي، ويضع ملف "أرض الصومال" ضمن سلسلة من القضايا التي تفرض على بكين ضبطها وفق منطق السيادة الصارمة وعدم قابلية إعادة تشكيل الحدود بقرارات أحادية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مفترق طرق
يمثل اعتراف إسرائيل مفترق طرق دبلوماسياً وسياسياً دقيقاً، يفتح أمام هرجيسا أفقاً محدوداً من المكاسب، بينما يطرح تحديات متشابكة على المستويين الإقليمي والدولي. والمكسب الأبرز يتمثل في كسر العزلة الرمزية، فالاعتراف من إسرائيل ذات الحضور السياسي والعلاقات الغربية الممتدة، يمنح هرجيسا قدرة على إعادة طرح ملفها على الساحة الدولية كبند قابل للنقاش، ويوفر غطاء لتوسيع اتفاقات التعاون في الأمن والموانئ والاستثمار، ويمهد لبناء روابط وظيفية مع أسواق وشركاء دوليين كان الوصول إليهما عسيراً من دون سند دبلوماسي.
لكن المكاسب تتقاطع مع كلف سياسية وأمنية ملموسة، إذ أدى الاعتراف إلى تصعيد التوتر مع مقديشو التي تعد الإقليم جزءاً لا يتجزأ من الصومال، وفتح باب الاحتجاجات والمقاومة من قوى إقليمية وجماعات مسلحة مثل "حركة الشباب" الصومالية و"الحوثيين" في اليمن، مما يعيد الصراع إلى بؤر ساخنة مثل لاسعانود ذات الأهمية الاستراتيجية وأكثر المناطق حساسية وجدلاً بين "أرض الصومال" والصومال الفيدرالي، ويزيد الأخطار على المدنيين والبنية التحتية. وهذا التوتر يعكس هشاشة المؤسسات في الداخل ويضعف قدرة هرجيسا على تحويل المكاسب الخارجية إلى استقرار حقيقي، على غرار تجارب جنوب السودان والسودان، حيث لم تنجح الاختراقات الدبلوماسية في احتواء الانقسامات البنيوية أو العنف المستمر.
الاعتراف الإسرائيلي يشي بكسر حاجز صمت دبلوماسي أكثر مما يشير إلى تحول في الشرعية الدولية، فهو يمنح هرجيسا شرعية وظيفية موقتة لكنه لا ينشئ دولة مكتملة الاعتراف. والتداعيات الإقليمية تمتد إلى الأخطار على الأمن البحري في البحر الأحمر وخليج عدن وإعادة صياغة التوازنات بين القوى الإقليمية، بخاصة مع رفض مصر وتركيا والاتحاد الأفريقي، وموقف الصين الحاسم الداعم لوحدة الصومال، مما يضع الإدارة الأميركية أمام خيار حساس بين مجاراة إسرائيل أو الاحتفاظ بهامش مناورة يحمي الاستقرار الإقليمي.
في الأفق، أية خطوة على طريق الاعتراف الدولي المتسلسل أو أية تسوية تفاوضية مع مقديشو، ستحدد ما إذا كانت "أرض الصومال" ستتمكن من تحويل مكاسبها الرمزية إلى قوة حقيقية، أو ستظل محاصرة بين التطلعات الخارجية ومحدودية الشرعية الداخلية، في مشهد إقليمي مضطرب يعيد اختبار حدود السيادة واستدامة الدولة وحسابات النفوذ في القرن الأفريقي.