ملخص
على رغم من أن الرسام الفرنسي أنطوان واتو لم يزر إيطاليا، فإنه عرف كيف يجمع في لوحته "نوطة الحب"، كما في بعض لوحاته الأخرى، بين مناخات ذات علاقة مع الطبيعة والحب، ولا سيما في خلفيات اللوحات التي تبدو منتمية مباشرة إلى أعمال جورجيوني وغيره من رسامي النهضة الإيطالية
قبل بول كلي، الرسام الذي أراد أن يجعل من الموسيقى والرسم في القرن الـ20، شيئاً واحداً، عرف الفنان الفرنسي أنطوان واتو، قبله بما يقرب من ثلاثة قرون، ذلك المزج الخلاق الذي أقامه في كثير من لوحاته الكبيرة، بين الموسيقى والطبيعة. فالحال أن هذين العنصرين يشكلان، ليس فقط ديكور ما يزيد على 10 لوحات تحمل توقيع واتو، بل كذلك جوهر تلك اللوحات وموضوعها.
وفن أنطوان واتو يمثل عند بداية القرن الـ18، على أية حال، أول محاولة ناجحة وجريئة لتحرير الفن من تبعيته المتزايدة تجاه البلاط بعدما كان البلاط نفسه أعطى الفن الفرنسي شيئاً من الانعتاق تجاه الفن ذي المواضيع الدينية.
ومن هنا قيل دائماً إن واتو يحتل في فنون ذلك الزمن مكانة فريدة بفضل المناخ الذاتي والحميم الذي يلف لوحاته، حتى وإن كان معظم تلك اللوحات يصور مشاهد خارجية تدور في الطبيعة، وليس داخل البيوت كما كانت الحال مع الرسامين الهولنديين الذين كانوا من أوائل الذين اتجهوا في أعمالهم إلى المشاهد الحميمة والعائلية وإلى مشاهد الحياة اليومية.
ولنضف إلى هذا أن كثيراً من لوحات واتو يضيف إلى العنصرين الرئيسين، عنصر الموسيقى وعنصر الطبيعة، عنصراً آخر يتحدر من اتحادهما غالباً، هو عنصر الحب... وفي شكل أكثر تحديداً، سيكولوجية الحب. ولعل اللوحة التي تمثل هذا، أكثر من أي عمل آخر لواتو هي لوحة "نوطة الحب" التي من الصعب تحديد تاريخ رسمها بدقة، إذ إنها لم تكتشف إلا في عام 1875، أي بعد أكثر من قرن ونصف القرن من تاريخ رحيل واتو، حتى وإن كانت عرفت من طريق نسخة محفورة تماثلها صنعت في عام 1729.
تأثيرات إيطالية
على رغم من أن أنطوان واتو لم يزر إيطاليا، فإنه عرف كيف يجمع في هذه اللوحة، كما في بعض لوحاته الأخرى، بين مناخات ذات علاقة مع الطبيعة والحب، ولا سيما في خلفيات اللوحات التي تبدو منتمية مباشرة إلى أعمال جورجيوني وغيره من رسامي النهضة الإيطالية الذين كانوا أول من أعطى الطبيعة مكانة أولى في رسم المناخ النفسي للوحة، وبين أسلوب روبنز، الفلامندي الذي كان يركز على التفاصيل في الثياب وإكسسوارات اللوحة، كما على توزيع الشخصيات ورسم علاقات بعضها ببعض.
وبالنسبة إلى روبنز لم يكن غريباً من أنطوان واتو أن تحيل لوحاته إليه، فهو على رغم انتمائه الفرنسي واعتباره ضمن إطار المدرسة الفرنسية، كان فلامنكي الأصل، وكانت لوحات روبنز وأسلوبه أول ما تأثر به في حياته الفنية.
من هنا لم يكن غريباً أن يقول المؤرخون عن واتو إنه "روبنز جديد في حجم مصغر"، بل هناك لوحات كثيرة لواتو منها "محاكمة باريس" تستعيد مواضيع كان سبق لروبنز أن رسمها. وقد لاحظ نقاد كثيرون كيف أن الكلب الذي رسمه واتو في لوحته الشهيرة "الحفلة الموسيقية" كان هو نفسه الكلب، الذي رسمه روبنز في لوحته "تتويج ماريا دي مديسي".
مقارنة غير متكافئة
على أية حال لا بد من الإشارة منذ البدء هنا إلى أن لوحة "نوطة الحب" لأنطوان واتو، لا تكاد تمثل شيئاً، من ناحية الحجم، إذا ما قارناها بلوحات لروبنز مشابهة لها موضوعاً وأسلوباً، إذ إن عرضها لا يصل إلى ستين سنتيمتراً، أما طولها فيقل عن ذلك.
ومع هذا تمكن الرسام من أن يحمّلها شحنة كبيرة من مسرات الحياة، وإكسير الحب، عبر تلك العلاقة التي أوجدها بين شخصيتي اللوحة الرئيستين: عازف القيثارة، والفتاة التي تحمل له دفتر "النوطة".
والحال أن هذا التزاوج بين آلة الموسيقى، ودفتر نوطاتها، ليس أمراً تقنياً هنا. فهذان الإكسسواران إذ يتوسطان اللوحة تماماً ويتماسان، إنما يعبران بقوة عن ذلك الاتحاد القائم بين الشاب والفتاة. وهو اتحاد يقترحه علينا كون هذا الثنائي يجلس، وسط الاحتفال، في مكان على حدة، يتبادلان النظرات. إن كل شيء في هذه اللوحة يحيل إلى الحب: نظرات العيون الطبيعية الحاضنة، والموسيقى، والحميمية، وهذا الثنائي المختلي بنفسه بعيداً من عيون الحاضرين اللاهية عنه، يبدو واضحاً أنه إنما اكتشف الوله لتوه.
وفي هذه اللوحة من الواضح أن واتو يستخدم البيئة العامة كما يستخدم الموسيقى، عنصراً يحيلنا إلى الطبيعة والحرية التي تعبر عنها. في الطبيعة، لدى واتو - كما كان الحال لدى سلفه الإيطالي جورجيوني - ليس ثمة مكان إلا للتناسق والاتحاد، ومن دون احتفالية مغالية.
أما من ناحية الملابس التي يرتديها العاشقان، فمن الواضح ها هنا أنها اكثر ارتباطاً بحرية الحركة من الملابس التي كان يرتديها الناس في ذلك العصر. إنها فضفاضة ذات كيان مستقل، مما يوحي بأن الرسام إنما أراد أن يضيف عنصراً جديداً يعكس رفض لوحته المواثيق المتعارف عليها. وهذا الرفض كان، شكلاً ومضموناً، واحداً من الأبعاد الأساسية التي تميز فن أنطوان واتو في شكل عام. وهكذا نرى كيف أن شخصياته، الأساسية - التي يطلب منها أن تكون ناطقة باسمه - تحب أن تجلس كما يحلو لها من دون ضغوطات، ومن دون أي تضييق، حتى في الحدائق العامة.
عالم الحب والموسيقى
إنه عالم متناسق مملوء بالحب وبالموسيقى. فهل هذا كل شيء؟ أبداً، لأن ثمة في هذه اللوحة، كما في كثير من لوحات واتو الأخرى المشابهة، عنصراً يبدو للوهلة الأولى تزيينياً، غير أن الحاح واتو على وضعه في اللوحات المشابهة، ولا سيما منها تلك التي تصور الاحتفال بالحب والطبيعة، يجعل من الضروري التوقف عنده: هذا العنصر هو التمثال الحجري القابع صلباً قاسياً خلف العاشقين تماماً.
والحال أن تمثالاً من هذا النوع يمكننا أن نلاحظه كلازمة في لوحات أخرى ومتنوعة لواتو، مثل "الحج إلى جزيرة سيتير" و"تحت ثياب موزيتان" و"اعترافات آرليكان" و"الحفلة الموسيقية" و"الحب في المسرح الفرنسي"... وهذا الوجود المتكرر لمثل هذا التمثال من الصعب أن يقول لنا غير أمر واحد: الزمن الهارب من بين يدينا، فالحب لن يدوم إلى الأبد. والتمثال هذا يذكرنا - ويذكر العاشقين - بأن الحجر وحده يبقى بعدما تختفي الكائنات البشرية وتزول هياماتها. إن وظيفة التمثال هنا تذكر بوظيفة الجمجمة التي وضعها هولباين في لوحته الشهيرة "السفيران": الموت هو الخالد الوحيد والأبدية الوحيدة. ولم يكن من الغريب لمثل هذا العنصر التشاؤمي التحذيري، أن يظهر في أعمال أنطوان واتو، ولا سيما خلال السنوات الأخيرة من عمره القصير.
فهو لم يعش سوى 35 سنة (بين 1684 و1721)، وكان يعرف منذ سنوات شبابه الأولى أنه محكوم بالمرض (داء السل) الذي ضربه باكراً وبدا أن لا برء منه وأنه لا محالة سيموت عما قريب.
ومن هنا، كما يرى مؤرخو حياته، كان يعكس ذلك الإحساس بالنهاية الوشيكة وبقصر العمر وحتمية الفناء، عبر ذلك العنصر الذي كان يمكنه أن يبدو دخيلاً، أو تزيينياً أول الأمر.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
غير صالح للنجارة
ولد أنطوان واتو في بلدة فالنسيان، وكان يفترض به أن يصبح نجاراً كأبيه، لكنه بدا غير صالح لمثل ذلك العمل، فتوجه إلى باريس في عام 1702، إذ راح يقلد اللوحات التي يشاهدها في الكنائس ويرسم مشاهد لكنيسة "نوتردام" الباريسية من فوق جسر قريب منها.
وهو في عام 1704 التقى مهندس ديكور يدعى كلود جيلو ارتبط معه بصداقة، فوجهه هذا نحو الرسم وعرفه إلى علية القوم. غير أن نجاح واتو السريع أدى إلى انفصام عرى الصداقة.
وبعد ذلك تعرف واتو إلى مدير متحف قصر اللوكسمبورغ، مما أتاح له أن يدرس لوحات روبنز الموجودة هناك، عن كثب، وراح يرسم لوحات كثيرة تمثل مشاهد جعل من حدائق اللوكسمبورغ خلفية لها. ومنذ تلك اللحظة راحت أعماله تشتهر وحصل مرتين على جائزة روما، وانتخب عضواً في الأكاديمية، غير أن الموت فاجأه وهو في ذروة ذلك النجاح، وقضى عليه في ما كان يحضر للعودة للبلدة التي ولد فيها، فالنسيان.