ملخص
أثبتت الحروب الحديثة في أوكرانيا وإسرائيل أن المسيرات سلاح استراتيجي مؤثر وفاعل. لمواجهة هذا التهديد المتصاعد، تحتاج واشنطن إلى منظومة دفاع وطنية متكاملة تشمل رصد الطائرات وتحديد التهديدات بدقة، ونشر أنظمة اعتراض متقدمة متعددة الطبقات، وتعزيز التشريعات لتوضيح الصلاحيات، وتنسيق الجهود مع الحلفاء، مع تقليل الاعتماد على السوق الصينية للطائرات المسيرة، بهدف حماية المطارات، والتجمعات الكبرى، ومراكز البيانات الحيوية قبل أن يفرض الأعداء خيارات مأسوية على البلاد.
في الأول من يونيو (حزيران) الماضي، نفذت أجهزة الأمن الأوكرانية ضربة سرية طاولت خمس قواعد جوية داخل روسيا. أكثر من 100 طائرة مسيرة هجومية جرى تهريبها إلى الأراضي الروسية داخل كبائن خشبية محمولة على شاحنات يقودها روس لا علم لهم بالمهمة، دمرت قاذفات كانت جاثمة على مدارج الطيران، وصولاً إلى قاعدة بيلايا الجوية في سيبيريا، على بعد نحو 3 آلاف ميل من كييف. ووفق مصادر حكومية أوكرانية، أسفرت الضربات عن تحييد قرابة ثلث أسطول روسيا من القاذفات البعيدة المدى، وألحقت بموسكو خسائر تقدر بنحو 7 مليارات دولار. العملية، التي أطلق عليها اسم "شبكة العنكبوت"، كانت واحدة من أكثر هجمات الحرب الأوكرانية جرأة وإبهاراً حتى الآن، وحملت في الوقت نفسه إنذاراً صارخاً بتهديد آخذ في التوسع قد يصل إلى الأراضي الأميركية.
في مقال نشرته مجلة "فورين أفيرز" في يناير (كانون الثاني) 2022، حذر أحد كاتبي هذا المقال (دونيلون) من هذا الخطر. آنذاك، بدت هشاشة أميركا أمام مثل هذا السيناريو أقرب إلى "الفشل في التخيل" أي العجز عن تصور تهديد جديد قبل وقوعه، في استعادة لتوصيف لجنة تحقيق هجمات الـ11 من سبتمبر (أيلول) لإخفاق الولايات المتحدة في توقع ضربات عام 2001 على مركز التجارة العالمي. اليوم، لم يعد تهديد الطائرات المسيرة مسألة يصعب تصورها. فالدول قادرة على استخدامها لزعزعة الاقتصاد أو للتجسس على مواقع حساسة، ويمكن لفاعلين منفردين توظيفها في أعمال عنف سياسي، فيما قد يتسبب هواة، عن غير قصد، بحوادث تصطدم فيها هذه الطائرات ببنى تحتية حيوية.
اتخذت إدارتا بايدن وترمب خطوات لحماية البلاد من هذا الخطر، من بينها تحديد أدوار ومسؤوليات الجهات الفيدرالية، وحظر تحليق الطائرات المسيرة فوق مواقع حساسة ومناسبات خاصة، والاستثمار في تقنيات التصدي لها ونشرها. وذهبت تشريعات حديثة أبعد من ذلك لسد ثغرات الاختصاص. ومع ذلك، لا تزال الولايات المتحدة متأخرة عن مواكبة طبيعة التهديد. فمواطن الضعف قائمة، بما في ذلك قصور أنظمة رصد الطائرات المسيرة وتقييدها في الأجواء الأميركية، وضآلة التمويل المخصص لمنظومات متقدمة قادرة على حماية البنية التحتية الحساسة والتجمعات البشرية الكبرى، إضافة إلى أخطار في سلاسل الإمداد ناجمة عن هيمنة الصين على سوق الطائرات المسيرة عالمياً.
بكلمات أخرى، تفتقر الولايات المتحدة حتى الآن إلى منظومة دفاع شاملة ضد الطائرات المسيرة. غير أن الخبر الجيد يتمثل في أن البلاد، بالتعاون مع شركائها، تمتلك الوسائل والقدرات اللازمة للحد من هذا التهديد الداخلي، وهناك توافق بين الحزبين في واشنطن على ضرورة القيام بالأمر. مما ينقص فقط هو الإرادة البيروقراطية والسياسية للتحرك قبل أن تفرض أزمة كبرى نفسها.
إغراق السماء بالأسراب
تغيرت طبيعة الأخطار المرتبطة بالطائرات المسيرة بصورة جذرية منذ عام 2022. فقد كشفت الحرب الروسية على أوكرانيا مدى فتك هذه التكنولوجيا، إذ تشير تقديرات الحكومة الأوكرانية إلى أن الطائرات المسيرة باتت مسؤولة عن نحو 70 في المئة من إجمال الخسائر البشرية. كذلك تحولت الحرب إلى ساحة اختبار وتسريع للابتكار في أنظمة الطائرات غير المأهولة، من الإنتاج الكثيف لطائرات الرؤية من منظور الشخص الأول، إلى تطوير طائرات تعمل بالألياف الضوئية قادرة على التحليق لمسافات طويلة ولا تتأثر بالتشويش الراديوي، وصولاً إلى طائرات هجومية بعيدة المدى باتت أكثر قدرة على ضرب أهداف مثل منشآت الطاقة والبنى التحتية المدنية. ويستطيع طيارون مهرة توجيه حمولاتهم بدقة إلى فتحات دبابات مكشوفة، وقد وثقوا هذه الهجمات في تسجيلات استخدمت لأغراض دعائية سواء في كييف أو موسكو. وتنتج أوكرانيا نحو 4 ملايين طائرة مسيرة سنوياً، وهو رقم يفوق، بحسب بعض التقديرات، إنتاج جميع دول حلف شمال الأطلسي مجتمعة، فيما تصنع روسيا قرابة مليوني طائرة سنوياً. وفي المقابل، ثبتت صعوبة بناء دفاع فعال، إذ لم تنجح لا روسيا ولا أوكرانيا في إيجاد وسائل مضادة واسعة النطاق وقابلة للتوسع لمواجهة هذا السيل من الهجمات.
وخلال هذه الفترة، باتت الطائرات المسيرة أكثر حضوراً في أجواء الولايات المتحدة أيضاً. فبحسب إدارة الطيران الفيدرالية، يوجد أكثر من 800 ألف مشغل طائرات مسيرة مسجلين في البلاد. لكن العدد الفعلي للطائرات أكبر بكثير، نظراً إلى كثرة الهواة الذين يستخدمون طائرات صغيرة من دون عتبة التسجيل، ولأن التسجيل الواحد يتيح تشغيل طائرات عدة. واليوم، تستخدم الطائرات المسيرة في مجالات تمتد من مراقبة صحة المحاصيل إلى دعم جهود الإطفاء وإنفاذ القانون. وقد لا يكون اليوم الذي تتولى فيه الطائرات توصيل الطرود إلى أبواب المنازل بعيداً، إذ حصلت خدمة "برايم إير" التابعة لأمازون عام 2024 على موافقة تسمح لطائراتها بالتحليق خارج مجال الرؤية المباشرة للمشغل، مما مهد الطريق لتوسيع هذه العمليات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
غير أن هذا الانتشار، على رغم فوائده الاقتصادية الكبيرة، يرفع أخطار الحوادث ويعقد مهمة أجهزة إنفاذ القانون في التمييز بين الاستخدام المشروع والتهديد المحتمل. وقد شهدت الولايات المتحدة بالفعل سلسلة من الوقائع الغامضة المرتبطة بالطائرات المسيرة. ففي ديسمبر (كانون الأول) 2023، تعرضت قاعدة لانغلي الجوية في فرجينيا لـ17 ليلة متتالية من عمليات تحليق مسيرة مجهولة، مما اضطر إلى نقل طائرات "أف-22 رابتور" موقتاً وتعليق أنشطة التدريب. ووصف شهود عيان تشكيلات يصل طولها إلى نحو ستة أمتار وتتحرك بسرعة 100 ميل في الساعة. ومع ذلك، لم تتمكن السلطات، على رغم أسابيع من التحقيق، من تحديد الجهة المشغلة. وخلال العام التالي، رصد أكثر من 350 توغلاً للطائرات المسيرة في 100 منشأة عسكرية أميركية مختلفة.
وفي ديسمبر 2024، أثارت موجة من مشاهدات الطائرات المسيرة في ولاية نيوجيرسي ضجة إعلامية واسعة. وأفاد الحاكم بتسجيل نحو 50 مشاهدة في ليلة واحدة، بينما فرضت إدارة الطيران الفيدرالية قيوداً على التحليق حول البنى التحتية الحيوية. ومرة أخرى، عجزت السلطات عن تحديد مصدر الطائرات، أو حتى التحقق من صحة بعض البلاغات. وتبرز هذه الوقائع صعوبة معرفة المسؤول عن أنظمة طائرات غير مأهولة مجهولة، وبالقدر نفسه تحديد الجهة المخولة التعامل معها.
ويكمن جزء من المشكلة في سهولة وصول هذه التكنولوجيا إلى أطراف خطرة ومتنوعة، من فاعلين منفردين إلى شبكات إجرامية ودول معادية. ففي أيدي الأفراد، يمكن للطائرات الرخيصة أن تتحول إلى أدوات لارتكاب أعمال إرهابية. ففي يوليو (تموز) 2024، استخدم شاب يبلغ 20 عاماً طائرة مسيرة لاستطلاع موقع تجمع انتخابي في باتلر بولاية بنسلفانيا، قبل أن يطلق النار على دونالد ترمب خلال فعالية انتخابية. أما الدول، فيمكنها توظيف الطائرات المسيرة لإحداث اضطراب اقتصادي، كما في الهجمات الهجينة الأخيرة في أوروبا التي يعزوها مسؤولون أوروبيون إلى الاستخبارات الروسية. ففي سبتمبر، أدت أنشطة مسيرة غير اعتيادية إلى إغلاق موقت للمطارين الرئيسين في كوبنهاغن وأوسلو، وفي الشهر التالي تسببت حوادث مماثلة قرب مطار ميونيخ في تعطيل رحلات لأكثر من 3 آلاف مسافر. وعلى رغم نفي موسكو أي ضلوع لها، كلفت هذه الوقائع ملايين الدولارات. وتظهر مثل هذه الأمثلة كيف يمكن لجهات معادية، في لحظة توتر مقبلة، أن تستخدم الطائرات المسيرة لمراقبة مواقع حساسة، أو تدمير أهداف تجارية أو عسكرية، أو تنفيذ اضطرابات اقتصادية يصعب نسبها بشكل قاطع داخل الولايات المتحدة.
صديق أم عدو؟
اتخذ صناع السياسات في أميركا خطوات عدة للتعامل مع تحدي الطائرات المسيرة. ففي عام 2022، أصدرت إدارة بايدن خطة أوصت، من دون أن تطبقها بصورة شاملة، بإجراءات شملت إنشاء قاعدة بيانات وطنية لتتبع الحوادث، وتدريب مشغلي أنظمة مكافحة الطائرات المسيرة، وإشراك أجهزة إنفاذ القانون على مستوى الولايات والمناطق في هذه الجهود، والاستثمار في تقنيات جديدة، وسن تشريعات توضح حدود الصلاحيات والمسؤوليات. وفي يونيو الماضي، أصدر ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان "استعادة سيادة المجال الجوي الأميركي"، وجّه فيه إدارة الطيران الفيدرالية إلى تشديد القيود على تحليق الطائرات المسيرة فوق المواقع الحساسة، ووسع صلاحيات أجهزة إنفاذ القانون ومخصصاتها المالية للتصدي للنشاط غير المصرح به.
وفي ديسمبر الجاري، أقر الكونغرس تشريعاً حظي بدعم من إدارتي بايدن وترمب، يعزز ويمدد صلاحيات الوكالات الفيدرالية لاستخدام إجراءات دفاعية ضد الطائرات المسيرة. كذلك يمنح سلطات جديدة لأجهزة إنفاذ القانون على مستوى الولايات والبلديات والقبائل والأقاليم لحماية مواقع محددة، من بينها الملاعب الرياضية وقاعات الحفلات، شريطة تدريب موظفيها واعتمادهم من وزارة العدل. وتستحق هذه الخطوات التقدير، إذ ستسهم في سد بعض ثغرات الاختصاص التي أعاقت الاستجابة الفعالة للتهديد. ومع ذلك، لا تزال تحديات عدة قائمة وتتطلب تحركاً إضافياً وسريعاً.
الأولوية القصوى تتمثل في حاجة الولايات المتحدة إلى نظام وطني متكامل لرصد الطائرات المسيرة، وتحديد التهديدات المحتملة ونسبها إلى جهاتها، وتنفيذ استجابة فورية في الزمن الحقيقي. وقد حاولت إدارة الطيران الفيدرالية معالجة جانب من هذه المشكلة عبر قاعدة "التعريف عن بُعد"، التي دخلت حيز التنفيذ الكامل في مارس (آذار) 2024، وتلزم الطائرات المسيرة المسجلة التحليق مع ما يشبه "لوحة ترخيص رقمية" تبث بيانات الهوية والموقع. غير أن الامتثال جاء بطيئاً، وكان تطبيق القاعدة فاتراً، إذ خلص تقرير لديوان المحاسبة الحكومي إلى أن أجهزة إنفاذ القانون في ولايات ومناطق كثيرة لم تكن على دراية بهذا الإلزام من الأساس. وينبغي للحكومة الفيدرالية أن توفر موارد أكبر لإدارة الطيران الفيدرالية لتيسير التطبيق الكامل. ومع ذلك، وبالنظر إلى محدودية تقنية التعريف عن بُعد وصعوبات دمجها مع أنظمة الولايات والبلديات، قد يكون المسار الأجدى هو استبدال البرنامج كلياً بتقنية جديدة أكثر مرونة، تُطوَّر بالتعاون مع القطاع الصناعي.
ولتعزيز جهود التعرف، ينبغي لإدارة الطيران الفيدرالية، بالشراكة مع وزارة الأمن الداخلي، إنشاء سجل موحد للمجالات الجوية المقيدة، وفرض متطلبات "سياج جغرافي صارم"، أي حواجز برمجية مدمجة في كل طائرة مسيرة تمنعها تلقائياً من التحليق فوق هذه المناطق الحساسة. ويُلزم الاتحاد الأوروبي مصنعي الطائرات المسيرة بإدماج أنظمة وعي جغرافي تحذر المشغلين أو تمنعهم من دخول المناطق المحظورة، بينما تظل هذه الإجراءات في الولايات المتحدة طوعية وتعتمد على قرار الشركة المصنعة. بل إن شركة "دي جي آي" الصينية، أكبر منتج للطائرات المسيرة في العالم، تراجعت في يناير 2025 عن برمجيات السياج الجغرافي التي كانت تمنع طائراتها من التحليق في مناطق مقيدة من قبل إدارة الطيران الفيدرالية. ومن خلال تسهيل التعرف إلى الطائرات المسيرة المخصصة للهواة والاستخدام التجاري، ومنعها من دخول المناطق الحساسة، ستتمكن السلطات من التمييز بسرعة أكبر بين الاضطرابات غير المقصودة والتهديدات الخبيثة.
الدفاع ضد المسيرات
تحتاج الولايات المتحدة أيضاً إلى مضاعفة جهودها في مجال التصدي للطائرات المسيرة. فاليوم، تعتمد أكثر الأنظمة تقدماً على أسلحة الطاقة الموجهة، مثل الليزر العالي القدرة والموجات الدقيقة، القادرة على تعطيل الطائرات المسيرة أو تدميرها، مكملة أدوات الحرب الإلكترونية القائمة، بما في ذلك خداع إشارات نظام تحديد المواقع، والتشويش على الترددات الراديوية، وتقنيات الاستيلاء عن بُعد التي يمكنها تحييد أسراب كاملة من الطائرات. غير أن كلفة هذه الأنظمة قد تصل إلى عشرات ملايين الدولارات، في حين لا يتجاوز ثمن الطائرات المسيرة التي تواجهها في كثير من الأحيان بضع مئات من الدولارات، وهو اختلال غير قابل للاستدامة.
ولهذا، ينبغي لوزارة الدفاع زيادة التمويل والاستثمار في البحث والتطوير لإنتاج تقنيات مرنة ومبتكرة لمكافحة الطائرات المسيرة. وقد خصص البنتاغون بالفعل موارد مهمة لهذا الغرض، وأمر الكونغرس أخيراً بتشكيل فريق عمل مشترك بين الوكالات لتحسين تنسيق الشراء والنشر. إلا أن الحكومة تحتاج إلى رصد مليارات الدولارات الإضافية لجعل هذه الجهود قابلة للتوسع. وبما أن الأعداد الكبيرة من الطائرات المسيرة قادرة على إرباك حتى أكثر أنظمة الدفاع الجوي تطوراً، فإن الاستراتيجية الفعالة لن تقوم على جهاز واحد أو نظام منفرد، بل على دفاعات متعددة الطبقات تُدمج فيها وسائل مادية وإلكترونية وحركية للتصدي لهذا التهديد.
بعد ذلك، يتعين على الولايات المتحدة التركيز على نشر هذه الأنظمة حيث تكون الحاجة إليها أشد، ولا سيما حول البنى التحتية الحيوية. فالمطارات هدف واضح، إذ سجلت إدارة الطيران الفيدرالية 411 توغلاً غير قانوني لطائرات مسيرة في المطارات خلال الربع الأول من عام 2025 وحده، بزيادة تتجاوز 25 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024. كذلك تحتاج مواقع التجمعات الكبرى، مثل الملاعب وقاعات الحفلات، إلى دفاعات معززة خاصة بها، ولا سيما مع اقتراب كأس العالم 2026 واحتفالات الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة في الرابع من يوليو 2026. وقد أفاد مكتب التحقيقات الفيدرالي بأنه لا يستطيع تأمين سوى نحو 0.05 في المئة من أكثر من 240 ألف فعالية تقع ضمن نطاق إشرافه، وهو فراغ غير مقبول يعرض الجمهور الأميركي للخطر.
أما مراكز البيانات، فقد باتت الجبهة الجديدة في هذا المجال. فمع استثمار الشركات مئات مليارات الدولارات في توسيع قدرات الذكاء الاصطناعي، تتحول هذه المواقع تدريجاً إلى أصول ذات أهمية للأمن القومي. ومع اقتراب خطط إنشاء مراكز بيانات جديدة للذكاء الاصطناعي من أحجام تعادل مساحة مانهاتن، ستحتاج شركات التكنولوجيا الكبرى، التي ركزت تقليدياً على الدفاعات السيبرانية، إلى حوافز قوية على مستوى السياسات ودعم مباشر لحماية هذه المنشآت من الهجمات التي تطاول بنيتها المادية، بما في ذلك الهجمات بالطائرات المسيرة.
فرصة للتحرك
في الوقت الذي تعمل فيه الولايات المتحدة على تعزيز دفاعاتها ضد الطائرات المسيرة، يتعين عليها أيضاً الانتقال إلى الهجوم وصياغة استراتيجية شاملة على مستوى الحكومة لمعالجة أخطار سلاسل الإمداد الناجمة عن هيمنة الصين على سوق الطائرات المسيرة. فاليوم، تستحوذ شركة صينية واحدة على نحو 80 في المئة من سوق الطائرات المسيرة الاستهلاكية في الولايات المتحدة. وتفتح هذه الهيمنة الباب أمام أخطار نقل معلومات حساسة إلى بكين، فضلاً عن احتمال اختراق هذه الطائرات عن بُعد لاستخدامها في إحداث اضطرابات. وفي أواخر ديسمبر، أدرجت لجنة الاتصالات الفيدرالية جميع شركات الطائرات المسيرة الأجنبية على "قائمة المراقبة"، مما يعني عملياً حظر الطرازات الأجنبية الجديدة في السوق الأميركية. وستسهم هذه الخطوة في الحد من الأخطار المرتبطة بالطائرات الصينية الجديدة في الأجواء الأميركية، لكنها لن تؤثر في الطائرات الأجنبية المنتشرة على نطاق واسع حالياً، ولن تقيد استيراد وبيع الطائرات التي سبق اعتمادها للسوق الأميركية. وحتى مع هذا الحظر، سيستغرق تنويع السوق بعيداً من الطائرات المصنّعة في الصين وقتاً. وإذا أرادت الولايات المتحدة بناء سوق تنافسية للطائرات المسيرة، فستحتاج إلى حوافز أقوى لتشجيع التصنيع المحلي واستخدام طائرات غير صينية.
كذلك ينبغي للولايات المتحدة أن تستثمر فرصة التعلم من شركائها الموجودين على خطوط المواجهة في حروب الطائرات المسيرة، وفي مقدمهم أوكرانيا وإسرائيل، وعدد من حلفائها الأوروبيين في حلف شمال الأطلسي. فقد كانت أوكرانيا في طليعة الدول التي طورت وسائل منخفضة الكلفة للتصدي للطائرات المسيرة، مثل طائرات الاعتراض التي تصدم نظيراتها المعادية، في إطار دفاعها ضد الهجمات الروسية المتواصلة. أما إسرائيل، التي واجهت خلال الأعوام الماضية هجمات متكررة بالطائرات المسيرة من إيران ووكلائها، فقد استثمرت في أنظمة متقدمة لرصد التهديدات وتتبعها واعتراضها في أجواء مكتظة. واقترح "الناتو" أخيراً إقامة "جدار المسيرات" لرصد واعتراض التهديدات على جناحه الشرقي. وعلى الولايات المتحدة أن تنسق مع الحلف في مبادرات مكافحة الطائرات المسيرة، وأن تنشئ مجموعات عمل مع أوكرانيا وإسرائيل لتبادل التكنولوجيا وأفضل الممارسات، على أن تشمل هذه الجهود ليس فقط ممثلي الجيش الأميركي، بل أيضاً وزارة الأمن الداخلي، وإدارة الطيران الفيدرالية، ومكتب التحقيقات الفيدرالي، وسواها من الجهات المعنية.
ونظراً إلى إلحاح التهديد وضخامة التحديات المطروحة القانونية والتقنية وعلى مستوى السياسات، يتعين على قادة الكونغرس كذلك تشكيل لجنة وطنية رفيعة المستوى لدراسة الحوادث الداخلية والدولية الأخيرة، وتطوير نظام متكامل لتحديد وتتبع وتخفيف تهديدات الطائرات المسيرة، يغطي الاستخدامات المدنية والعسكرية، ووضع آلية لتمويل تطوير ونشر تقنيات الرصد والتصدي على نحو كافٍ، ومعالجة نقاط الضعف الحرجة في سلاسل الإمداد الأميركية للطائرات المسيرة. وينبغي أن تكون اللجنة صغيرة، لا يزيد عدد أعضائها على خمسة، وأن تحظى بطاقم مدعوم بالموارد يعمل في إطارين سري وعلني، وأن تُكلَّف بتقديم توصيات عملية خلال 12 شهراً لتعزيز جاهزية الولايات المتحدة في مواجهة الطائرات المسيرة على مستوى الحكومة ككل. وغالباً ما تُنشأ مثل هذه اللجان بعد هجوم أو كارثة كبرى، لكن الولايات المتحدة قادرة على اغتنام اللحظة الآن.
لم يعد تهديد الطائرات المسيرة افتراضياً. إنه حاضر، ويتسارع، وسيزداد تعقيداً. ولا تزال لدى الولايات المتحدة الوسائل لتشكيل المشهد قبل أن تفرض أزمة كبرى خياراتها، لكن نافذة التحرك تضيق. وعلى الحكومة الفيدرالية أن تتحرك سريعاً لسد الثغرات التنظيمية، وبناء دفاعات متعددة الطبقات، وتوفير الإرادة السياسية لتمويل ونشر أنظمة التصدي على نطاق واسع. وإذا لم تُقدِم على هذه الخطوات طوعاً، فستُجبَر على اتخاذها، وأكثر منها، في أعقاب مأساة كان يمكن تفاديها.
ثيودور بونزل، هو المدير التنفيذي ورئيس قسم الاستشارات الجيوسياسية في شركة لازارد. وقد عمل سابقاً في القسم السياسي بالسفارة الأميركية في موسكو، وكذلك في وزارة الخزانة الأميركية.
توم دونيلون، شغل منصب مستشار الأمن القومي الأميركي للرئيس باراك أوباما، وهو عضو في مجلس إدارة مجلس العلاقات الخارجية.
مترجم عن "فورين أفيرز"، 26 ديسمبر (كانون الأول) 2025