Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"عين الصقر" تبرز أهمية شراكة التحالف الدولي مع "قسد"

كوبر شدد على "مواصلة ملاحقة الإرهابيين الذين يسعون إلى إلحاق الأذى بالأميركيين في المنطقة بلا هوادة"

تسير القوات الأميركية أيضاً دوريات مشتركة في مناطق مختلفة لا سيما بأرياف دير الزور والرقة مع حلفائها في "قسد" (اندبندنت عربية)

ملخص

خلال عملية "عين الصقر"، التي جاءت رداً أميركياً على مقتل جنديين في مدينة تدمر الأثرية السورية، برزت حملة عسكرية غير مسبوقة، من خلال شن غارات وقصف واسع وكثيف عبر طائرات حربية ومروحيات قتالية وقذائف صاروخية انطلقت من القواعد الأميركية في شمال شرقي البلاد، لتبرز معها أهمية هذه القواعد والقوى المحلية المتحالفة معها، متمثلة بـ"قوات سوريا الديمقراطية" كخيار استراتيجي، في مقابل عدم وضوح الوضع الأمني في مناطق سيطرة الحكومة السورية.

لا يكاد يمر يوم من دون أن تسجل في شمال وشرق سوريا عمليات أمنية مشتركة بين "قوات سوريا الديمقراطية"، من خلال وحدات خاصة بمكافحة الإرهاب، والتحالف الدولي ضد خلايا تنظيم "داعش"، في أماكن مختلفة من هذه المنطقة، في وقت تتدفق القوافل العسكرية عبر الحدود مع كردستان - العراق بعشرات المركبات التي تنقل المؤن والمعدات إلى قواعد التحالف الدولي الموزعة في ريف الحسكة ودير الزور والرقة، إلى جانب هبوط متكرر لطائرات الشحن العسكري في بعض هذه القواعد المجهزة بمدارج ومهابط لمروحيات النقل العسكرية والهجومية على حد سواء.

وتسير القوات الأميركية أيضاً دوريات مشتركة في مناطق مختلفة، لا سيما في أرياف دير الزور والرقة مع حلفائها في "قوات سوريا الديمقراطية"، وتراقب معها السجون التي تأوي أكثر من 10 آلاف عنصر من تنظيم "داعش"، فضلاً عن متابعة الأوضاع في مخيمي الهول وروج الخاص بعائلات التنظيم الإرهابي.

 

والبارز أخيراً شن العملية العسكرية الواسعة ضد "داعش"، التي عرفت بـ"عين الصقر"، رداً على حادثة تدمر التي راح ضحيتها جنديان أميركيان ومترجم مرافق. وكان انطلاق الصواريخ والقذائف المدفعية من قواعد هذه القوات في شمال شرقي سوريا تحولاً جديداً للتعاطي العسكري الأميركي مع مناطق داخل سوريا، انطلاقاً من شمال شرقي البلاد. وجاء بيان القيادة المركزية للقوات الأميركية التي أعلنت العملية في الـ20 من ديسمبر (كانون الأول) الجاري باستهداف نحو 70 نقطة ومخبئاً ومخزناً للأسلحة تابعة لتنظيم "داعش" في البادية السورية، بمشاركة طائرات مقاتلة ومروحيات ومدفعية طويلة المدى ملقية بنحو 100 صاروخ وقذيفة على هذه الأماكن، وخرج بعضها بالفعل من قاعدة "الشدادي" بالريف الجنوبي لمدينة الحسكة، وفق مصادر محلية.

الأدميرال براد كوبر قائد "سنتكوم" (القيادة العسكرية الأميركية الوسطى) قال في بيان "هذه العملية بالغة الأهمية لمنع تنظيم داعش من تحريض مخططات إرهابية وشن هجمات على الأراضي الأميركية، سنواصل ملاحقة الإرهابيين الذين يسعون إلى إلحاق الأذى بالأميركيين وشركائنا في مختلف أنحاء المنطقة بلا هوادة". وأضاف البيان أن القوات الأميركية والقوات الشريكة في سوريا نفذت أكثر من 80 عملية خلال الأشهر الستة الماضية، "للقضاء على الإرهابيين الذين يشكلون تهديداً مباشراً للولايات المتحدة والأمن الإقليمي".

ارتياح "قسد"

عملية "عين الصقر" لاقت ارتياحاً واضحاً لدى "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، التي أصدرت قيادتها العامة بياناً متقدمة "بخالص التقدير للقوات الأميركية وقوات التحالف الدولي على الضربات الجوية والصاروخية الدقيقة التي استهدفت أوكار تنظيم داعش الإرهابي في سوريا خلال الساعات الماضية"، مضيفة أن هذا الدعم الجوي المتواصل يمثل عاملاً حاسماً في منع التنظيم من إعادة تجميع خلاياه أو استعادة نشاطه التخريبي، وأن التجربة أثبتت أن الحرب على الإرهاب لا يمكن أن تتوقف أو تتباطأ، "فداعش ما يزال يشكل تهديداً مباشراً لأمن واستقرار المنطقة، ويعمل على استثمار أي فراغ أو تراخ في الجهود العسكرية والأمنية"، وأشارت القيادة العامة لـ"قسد" إلى أنه خلال العام الحالي، نفذت قواتها مئات العمليات الأمنية والعسكرية ضد خلايا "داعش"، وتمكنت من اعتقال قيادات خطرة وتفكيك مجموعات نشطة بدعم مباشر من التحالف الدولي، سواء عبر الإسناد الجوي أم المعلومات الاستخبارية. وأن "هذا التنسيق المشترك وتبادل المعلومات أثبت فعاليته وأظهر أن الشراكة الفعالة هي الطريق الوحيد لإزالة التهديد"، وشددت "قوات سوريا الديمقراطية" على التزامها الكامل بمواصلة الحرب على "داعش"، والدفاع عن الاستقرار وحماية المدنيين، وتطوير التعاون مع كل الأطراف التي تحارب الإرهاب في كل ما يخدم أمن المنطقة والعالم.

أبعاد إضافية

يتفق الخبراء والمراقبون على أهمية عملية "عين الصقر" من حيث الشكل والمكان المستهدف وساحة عملياتها، في السياق قال الباحث في مركز "الفرات" للدراسات لازكين إبراهيم "إن العملية تشكل نقطة تحول لافتة في مقاربة الولايات المتحدة لملف مكافحة الإرهاب في سوريا، ليس فقط من حيث التوقيت، بل من حيث الحجم والرسائل السياسية والأمنية التي حملتها في لحظة انتقالية شديدة الحساسية بعد سقوط نظام الأسد (الرئيس المخلوع بشار الأسد)"، معتبراً أن هذه العملية تتجاوز كونها رداً عسكرياً مباشراً على هجوم دموي، لتلامس إعادة ضبط شاملة لقواعد الاشتباك في سوريا الجديدة، ووفق تقدير إبراهيم فإن العملية تحمل بعداً سياسياً لا يقل وزناً عن بعدها العسكري، موضحاً "أن قتل جنود أميركيين في تدمر شكل تجاوزاً لخط أحمر في الحسابات الأميركية، وأن ما جرى لم يقرأ في واشنطن كهجوم معزول، بل كاختبار مبكر لمدى قدرة سوريا ما بعد الأسد على ضبط أمنها، ومنع الاختراقات داخل أجهزتها، لذلك جاء الرد واسعاً ومفرطاً في القوة نسبياً، ليبعث برسالة مزدوجة: إلى تنظيم داعش بأن مرحلة التحرش منخفض الكلفة انتهت، وإلى السلطة السورية الجديدة بأن الشرعية الدولية تمر أولاً عبر بوابة الأمن ومكافحة الإرهاب".

ومن حيث حجم الرد على مقتل جنديين أميركيين وفي سوريا التي لم تشهد عملية مماثلة على رغم وجود القوات الأميركية فيها منذ أكثر من 10 سنوات، أي منذ تحالفها مع "قوات سوريا الديمقراطية"، وبهذه الصورة تابع الباحث في مركز "الفرات"، "أن السياق كان ينذر برد قاس بسبب نزف دم أميركي في منطقة رمزية كتدمر، ومن خلال فراغ أمني واضح، لكن حجم الاستهداف بعشرات الأهداف خلال وقت قصير، يعكس قراراً سياسياً بفرض الهيمنة الجوية والاستخبارية الأميركية على مسرح البادية السورية بعد أن كانت طوال سنوات الحرب السورية تحت الهيمنة الروسية والإيرانية"، وأضاف "أن ما فاجأ المتابعين ليس قرار الضربة، بل تحويلها إلى حملة مركزة، أشبه بعملية إعادة تذكير بأن واشنطن ما زالت اللاعب القادر على قلب الطاولة خلال ساعات".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

قواعد شمال شرقي سوريا

يظهر اعتماد الولايات المتحدة على قواعدها في شمال شرقي سوريا كنقطة انطلاق لعملية "عين الصقر" أن هذه الجغرافيا باتت تمثل مركز الثقل الفعلي للحرب على تنظيم "داعش"، لا مجرد ساحة مساندة بخاصة بعد انسحاب القوات الأميركية من قواعدها الرئيسة في العراق، فالأمر لا يقتصر على إقلاع طائرات أو إطلاق ضربات، بل يتعلق ببيئة عمليات متكاملة تضم القيادة والسيطرة والاستخبارات واللوجستيات، مما أتاح تنفيذ حملة واسعة ومتزامنة خلال وقت قصير، وبحسب الباحث الكردي فإنه في المقياس العسكري الأعمق، "يعكس هذا الخيار ثقة أميركية عالية بالبنية الأمنية والعسكرية القائمة في شمال شرقي سوريا، وأن الولايات المتحدة لا تطلق عمليات كبرى من مناطق تشكك في قدرتها على حماية القواعد أو منع الاختراقات، كما أن استخدام هذه القواعد يؤكد أن مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية تعد اليوم المساحة السورية الأكثر جاهزية لاستضافة عمليات تحالفية معقدة، سواء من حيث ضبط الأرض أم توفير شريك محلي قادر على المتابعة بعد الضربة، عبر ملاحقة الخلايا ومنع إعادة التموضع وقطع خطوط الحركة بين البادية وشرق الفرات"، وخلص إبراهيم إلى أن "شمال شرقي سوريا لم يعد مجرد منطقة نفوذ، بل أصبح قاعدة انطلاق استراتيجية للحرب على داعش في المرحلة الانتقالية بعد سقوط الأسد"، وتابع "في تقديري، ما دام بقي خطر التنظيم قائماً، وما دام ظلت قسد تمسك الأرض وتوفر الاستقرار النسبي، فإن هذه الجغرافيا ستبقى في المدى المنظور الركيزة الأساسية لأية عمليات أميركية أو تحالفية تهدف إلى منع عودة الإرهاب بصورة منظمة ومستدامة".

الوجود الأميركي والاندماج

أما الوجود العسكري الأميركي في شمال شرقي سوريا فمن وجهة نظر الباحث في مركز "الفرات" فإنه لا يفهم بوصفه انتشاراً عسكرياً تقليدياً بقدر ما هو أداة ضبط سياسية - أمنية، و"أن هذا الوجود يوفر مظلة تدريب وتسليح ونقل خبرات لا تملكها الحكومة الجديدة بعد، ويمنح التحالف قدرة على التأثير في شكل أي ترتيبات اندماج عسكري محتملة"، وأكد أن الحديث عن اندماج قوات شمال شرقي سوريا مع مؤسسات الدولة في دمشق يصطدم دائماً بسؤال الضمانات "من يضمن ألا يتحول الاندماج إلى تفكيك قدرات قائمة ثم ترك فراغ أمني؟"، لافتاً إلى أن الوجود الأميركي يلعب دور "الضامن غير المعلن"، إذ يربط أي مسار اندماج بمعايير مكافحة الإرهاب والاستقرار، لا باعتبارات سياسية مجردة وفق تعبير إبراهيم الذي رجح بقاء المنطقة كقاعدة انطلاق للقوات الأميركية في المدى المنظور في الأقل، "وأن عملية عين الصقر بحد ذاتها مؤشر إلى أن أولوية واشنطن في سوريا حالياً هي منع عودة داعش، لا تقليص الانتشار، وأنه ما دام بقيت هذه الأولوية قائمة، فإن شمال شرقي سوريا سيظل العقدة الأكثر أماناً وفاعلية لعمليات التحالف، مهما تبدلت التفاهمات السياسية في دمشق".

تعاون دمشق و"قسد"؟

ومع وجود حليف كبير مشترك كالولايات المتحدة بين دمشق و"قوات سوريا الديمقراطية" يبرز سؤال حول حجم أو صورة التعاون الحالي بين القوتين السوريتين في مجال مكافحة الإرهاب، "فالتعاون القائم ما يزال في منطقة رمادية"، موضحاً أنه لا يمكن إنكار وجود قنوات تواصل وتنسيق محدودة، ولا يمكن أيضاً الحديث عن شراكة عملياتية متكاملة، "ما يجري هو تقاطع مصالح أكثر منه اندماج غرف عمليات، فدمشق تدرك أن ملف داعش هو بوابتها الأساسية إلى الشرعية الدولية، وقوات سوريا الديمقراطية تدرك أن تحويل هذا الملف إلى شأن وطني جامع قد يحمي مناطقها من الابتزاز السياسي"، مستدركاً أن العائق الحقيقي لا يكمن في تعريف العدو، بل في تعريف القيادة والقرار والسلاح. من يقود العمليات؟ من يملك المعلومات الحساسة؟ ومن يضمن عدم اختراق الأجهزة؟ هذه الأسئلة ما تزال بلا إجابات حاسمة، "ومع ذلك يبقى الثابت أن قوات سوريا الديمقراطية تمثل اليوم العمود الفقري العملي لأية استراتيجية فعالة ضد داعش، ليس فقط لأنها قاتلت التنظيم وخبرته ميدانياً، بل لأنها تمسك الأرض وتملك بنية أمنية تراكمية أثبتت فعاليتها".

ورأى الباحث لازكين إبراهيم أن عملية "عين الصقر" أعادت رسم خطوط واضحة في المشهد السوري، "وهو أن واشنطن لن تسمح بعودة داعش تحت أية ذريعة انتقالية، وقسد ستظل رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه في أية معادلة أمنية أو سياسية جادة، سواء أرادت دمشق ذلك أم حاولت الالتفاف عليه".

المزيد من الشرق الأوسط