ملخص
لا يقتصر الأمر على زيادة إنتاج أميركا والدول من خارج "أوبك"، بل إن الولايات المتحدة تتلاعب في أسواق الطاقة من خلال ما يمكن وصفه حالياً بأنه "حرب ناقلات" من الكاريبي إلى بحر قزوين.
لطالما اتهم الغرب عموماً، والولايات المتحدة خصوصاً، منظمة الدول المصدّرة للبترول "أوبك" بالتحكم في أسعار النفط والتلاعب بأسواق الطاقة من خلال تحديد سقف الإنتاج لأعضاء المنظمة.
وتصرّ "أوبك" منذ إنشائها على أن دورها هو الحفاظ على استقرار أسواق الطاقة عبر ضبط معادلة العرض والطلب وضمان كفاية الإنتاج لتلبية الطلب العالمي على النفط، وهو ما يحدث بالفعل باستمرار.
ربما كانت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، خصوصاً في فترة ولايته الأولى السابقة، الأكثر هجوماً على "أوبك"، ومنذ ذلك الحين، وخلال فترة رئاسة جو بايدن حتى الآن، أصبحت الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط في العالم، ومن بين أكبر المصدّرين للخام، بل وتزيد من إنتاجها وتصديرها للغاز الطبيعي المسال، خصوصاً إلى أوروبا.
وتتوالى الزيادة في إنتاج الولايات المتحدة من النفط، ليقترب إنتاجها اليومي حالياً من 14 مليون برميل يومياً، ومع سياسات إدارة ترمب التي انقلبت على التحول في مجال الطاقة بعيداً من الوقود الأحفوري، يُتوقع أن تستمر الزيادة في إنتاج النفط والغاز في أميركا حتى مع انخفاض الأسعار، هكذا، أصبح من الصعب على أميركا والغرب لوم "أوبك" أو غيرها على أي اضطراب في أسواق الطاقة.
ولا يقتصر الأمر على زيادة إنتاج أميركا والدول من خارج "أوبك"، بل إن الولايات المتحدة تتلاعب في أسواق الطاقة من خلال ما يمكن وصفه حالياً بأنه "حرب ناقلات" من الكاريبي إلى بحر قزوين.
حرب الناقلات
أوضح الرئيس ترمب في سياق تصريحاته المتتالية أن الهدف من الحملة على فنزويلا هو الحصول على نفطها وثرواتها المعدنية، متهماً الحكومة الفنزويلية بأنها تحرم الشركات الأميركية من تلك الثروات.
ومع ذلك، تظل شركة "شيفرون" الأميركية العملاقة تعمل في فنزويلا، وقد استثنتها إدارة ترمب من الحصار النفطي المفروض على البلاد.
واستولت الولايات المتحدة حتى الآن على ثلاث سفن فنزويلية، من بينها الناقلة العملاقة "سكيبر"، وقالت أميركا إنها ستحتفظ بالنفط الفنزويلي على متن تلك السفن.
وفي الوقت ذاته، هناك أكثر من 10 ناقلات نفط في فنزويلا متوقفة بانتظار قرار مُلّاكها بالتحرك، وسط مخاوف من استيلاء القوات الأميركية عليها.
وبالتزامن مع ذلك الحصار النفطي على فنزويلا واستيلاء أميركا على الناقلات في البحر الكاريبي، يجري استهداف ناقلات النفط في بحر قزوين، التي غالباً ما تنقل النفط الروسي، من قبل القوات الأوكرانية.
صحيح أن أوكرانيا بدأت منذ فترة استهداف منشآت النفط الروسية بالقصف والتفجير، معطّلة الإنتاج والتكرير والشحن، لكن الجديد هو استهداف الناقلات في بحر قزوين.
ومع أن أوروبا قد تكون الداعم الأكبر لأوكرانيا في استهدافها قطاع النفط الروسي، إلا أن الحكومة الأوكرانية ما كانت لتتمادى في ذلك من دون غضّ طرف من قبل الولايات المتحدة على الأقل.
ونتيجة الهجمات الأوكرانية على المنشآت النفطية الروسية، انخفض شحن النفط عبر خط أنابيب بحر قزوين في ديسمبر (كانون الأول) الجاري بمقدار الثلث، إلى أدنى مستوى له منذ أكثر من عام، بحسب تقرير لوكالة "رويترز" اليوم الخميس.
كل ذلك يذكّرنا بما حدث خلال الحرب العراقية–الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، والذي عُرف بوصفه "حرب الناقلات"، وأدى وقتها إلى ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية نتيجة زيادة المخاوف من تراجع الإمدادات.
صحيح أن الوضع الحالي لم يصل بعد إلى مستوى الهجمات على الناقلات في الخليج قبل نحو نصف قرن، لكنه كان من المفترض أن يكون له تأثير مماثل في سوق النفط، خصوصاً في الأسعار.
لماذا لا ترتفع أسعار النفط؟
وعلى رغم كل تلك التطورات التي تهدد جانب العرض في السوق النفطية، تظل أسعار النفط منخفضة وتدور حول 60 دولاراً للبرميل، فلماذا إذاً لا ترتفع أسعار النفط، على رغم المخاوف على الإمدادات من روسيا وفنزويلا من ناحية، وعلى رغم استمرار هبوط قيمة الدولار الأميركي من ناحية أخرى؟ ومن المعروف أن أسعار السلع المقومة بالدولار ترتفع مع انخفاض سعر صرفه، أي كلما هبطت قيمة الدولار زاد سعر النفط.
هناك عوامل عدة تحافظ على الأسعار منخفضة، وأغلبها في النهاية يتعلق بالولايات المتحدة وسياساتها في مجال الطاقة وغيرها.
لذا، لا يذكر أحد "أوبك"، ولا تحالفها مع المنتجين من خارجها ضمن "أوبك+"، وفي مقدمتهم روسيا، لكن في المقابل، لا نجد تحليلات أو تعليقات تحمل "الطرف الفاعل"، أي الولايات المتحدة، مسؤولية اضطراب أسواق الطاقة.
من الأسباب التقنية الآنية أن المخزونات الأميركية من النفط والمشتقات لم تنخفض كما كان متوقعاً، بل على العكس زادت، إذ ارتفعت المخزونات الأميركية الأسبوع الماضي بنحو 2.39 مليون برميل، على رغم توقعات السوق انخفاضها بأكثر من ذلك.
كذلك أدى تخفيف تحالف "أوبك+" قيود سقف الإنتاج في الأشهر الأخيرة إلى ضخ مزيد من النفط في السوق، مما جعل المعروض يكفي لتلبية الطلب وزيادة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
إلا أن العامل الأهم هو استمرار الزيادة في الإنتاج الأميركي، حتى مع التقارير عن ضعف إنتاج الغاز والنفط الصخري بسبب هبوط الأسعار وتراجع هامش الربح.
وبحسب أحدث البيانات من إدارة معلومات الطاقة الأميركية، ارتفع الإنتاج النفطي للولايات المتحدة في سبتمبر (أيلول) الماضي بمقدار 44 ألف برميل يومياً، ليصل إلى مستوى قياسي جديد عند 13.84 مليون برميل يومياً.
وعلى رغم أن البيانات لم تتضمن تحديثاً لأرقام التصدير، فإن آخر بيانات رسمية عن الصادرات الأميركية كانت عند مستوى يزيد على 4 ملايين برميل يومياً.
من الواضح أن انخفاض الأسعار لم يحدّ من إنتاج الشركات الأميركية الكبرى، خصوصاً مع توقف أوروبا تماماً عن استيراد النفط الروسي، وبالتالي اعتمادها أكثر على الاستيراد من الولايات المتحدة.
وفي ظل وجود هذا الطلب الأوروبي الكبير على الخام الأميركي، لا يُتوقع أن تتوقف الشركات الأميركية عن زيادة الإنتاج، وربما بما يتجاوز حاجز 14 مليون برميل يومياً.
التحكم في السوق
قد لا يمثل إنتاج فنزويلا من النفط سوى أقل من 1 في المئة من الإنتاج العالمي، لكنه في النهاية قادر، في حال توقفه، على التأثير في السوق.
وفي حال استيلاء أميركا عليه، سيُضاف ذلك الإنتاج إلى إنتاج الشركات الأميركية، ويعزز كل ذلك الهدف الأبعد لإدارة الرئيس دونالد ترمب، وهو التحكم في سوق الطاقة العالمية: (حصة أكبر للإنتاج والتصدير الأميركي)، وفي الوقت نفسه الحفاظ على أسعار الوقود في محطات البنزين الأميركية منخفضة، لضمان ثقة الناخبين الأميركيين.
ولا يمكن أيضاً إغفال الأهداف الاستراتيجية الأبعد، وفي مقدمتها تثبيت اعتماد أوروبا على استيراد النفط الأميركي والغاز الطبيعي المسال، فمن ناحية، يعزز ذلك الدور الأميركي في التحالف الغربي، ومن ناحية أخرى يزيد من عائدات وأرباح الشركات الأميركية.
ويرى بعض المحللين أن الإدارة الأميركية ربما أدركت أن برامج الإدارة السابقة للرئيس جو بايدن في تشجيع التحول نحو الطاقة المتجددة لم تحقق ريادة أميركية، إذ تظل الصين متقدمة على أميركا والغرب في سبل إنتاج الطاقة الخضراء، من توربينات الرياح إلى ألواح الطاقة الشمسية.
وبالتالي، تريد واشنطن في المقابل أن تحافظ على ريادة في مجال الطاقة من الوقود الأحفوري، الذي تفتقر إليه الصين وتعتمد في تأمينه على استيراد النفط من روسيا وغيرها.
وفي هذا السياق، تسعى الولايات المتحدة إلى حصة أكبر من أسواق الطاقة، واستخدام قدراتها العسكرية ونفوذها السياسي لإعادة تشكيل أسواق الطاقة بما يضمن تحكم واشنطن فيها، ولو كان ذلك على حساب "أوبك" وتحالفها مع المنتجين الآخرين.