ملخص
على رغم كل الجهود التي تبذلها حكومة بزشكيان للعبور بإيران من دائرة السقوط والانهيار، فإن هاجس الحرب والاستعداد لها لعب دوراً في تعطيل سياسات المعالجة، مما فتح الطريق واسعاً أمام القوى المتشددة للضغط على هذه الحكومة بهدف إخضاعها لتوجهاتها أو إعادتها إلى حظيرة سياساتها وإراداتها.
على رغم بساطة الكلمات التي قالها علي أقامحمدي عن مسؤول المكتب الاقتصادي في "بيت" مرشد للنظام وعضو مجمع تشخيص مصلحة النظام، بأنه "سواء أردنا ذلك أم لا، فإن بعضاً سيغادرنا بسبب العمر، وبالنتيجة عليه أن ينقل الأمر إلى غيره، من الجيد أن يبذل المرء الجهد حتى آخر عمره، لكن في النهاية من الجيد أن يرى خليفته وأن يستمتع بهذا الخليفة، وأن يشعر بأن الذي يحبه يتولى الأمور"، هذا الكلام كشف عن أن القيادة الإيرانية وعلى رأسها المرشد قطعت الخطوات الأخيرة لاختيار خليفة خامنئي. وأنه بدأ بإشراك خليفته في آليات القرارات وإدارة الملفات الأساس والاستراتيجية للنظام.
هذا الانتقال الذي كشف عنه كلام أقامحمدي يعني أن المرشد ومعه الدولة العميقة تشعر بجدية الاستحقاقات التي قد تواجهها خلال المرحلة المقبلة، وأن دقة هذه المرحلة تفرض عليهم حسم عدد من المسائل في مقدمها اختيار الشخصية المناسبة لتولي القيادة بعد المرشد الحالي، خوفاً من أن تذهب الأمور إلى مسارات بعيدة عما يُخطط له في دوائر القرار العليا، نتيجة صراعات داخل المؤسسة الدينية، وبخاصة مجلس خبراء القيادة وإمكانية أن تفرض شخصية تقليدية تنسجم مع هويتها العقائدية والدينية وغير قادرة على التعامل مع المستجدات السياسية وعاجزة عن فهم طبيعة التحديات والضرورات التي تحكم مصالح إيران القومية والاستراتيجية.
أن تكون قيادة النظام بإشراف من المرشد توصلت إلى اختيار القائد الثالث للثورة والنظام، أو على طريق حسم خياراتها بمن سيتولى هذه المهمة. فهذا يعني أن الدوافع في حسم هذا الملف قد تكون نتيجة عاملين مترابطين، واحد يتعلق بتصاعد حدة الخلافات الداخلية بين القوى السياسية التي تسعى لحسم اتجاهات المرحلة المقبلة لقطع الطريق على أية مفاجآت قد تحصل، والثاني تنامي الشعور لدى قيادة النظام بأن البلاد والمنطقة تتجه نحو مرحلة من التصعيد الأمني والعسكري تهدف إلى إحداث تغييرات جوهرية في طبيعة الحكم والسلطة في إيران، وكلا العاملين لا يسقط من اعتباراته أن طبيعة اليوم التالي والصورة التي ستكون عليها إيران ونظام الحكم فيها متلازم مع غياب المرشد من المشهد السياسي، إما بسبب عامل العمر أو عملية استهدف عسكرية جديدة بعدما استطاع النجاة من الاستهداف الأول خلال الهجوم الإسرائيلي الأميركي في يونيو (حزيران) الماضي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مؤشرات مختلفة، تحمل على الاعتقاد بصورة واضحة بأن اهتمامات القيادة الإيرانية تتمحور حول مسألتين، ترتيب البيت الداخلي من جهة وترميم ما لحق بقدراتها الدفاعية والقتالية والسياسية من أضرار داخلياً وإقليمياً من جهة أخرى. فالإجراء الذي يدور الحديث عنه خلف الكواليس اتخذه المرشد بإعادة ترتيب الأجهزة الأمنية والاستخباراتية المتعددة، يأتي بعد الفضائح الكبيرة التي كشفت عنها الخروق الإسرائيلية للأمن الإيراني وسمحت بتوجيه ضربات موجعة للمؤسسة العسكرية والبرنامجين النووي والصاروخي، مما يعني بالتالي إعادة هيكلة عمل وزارة الاستخبارات والجهازين التابعين لمؤسستي الجيش وحرس الثورة، ووضعها تحت إشراف مباشر من المرشد وبقيادة شخصية لا تنتمي إلى المؤسسة الدينية "رجل دين" بعد سحب هذه الصلاحيات من رئيس الجمهورية، بالتالي تحويل الجهاز الأمني التابع لبيت المرشد والذي كان يتولاه رجل الدين المتشدد حسين طائب المقرب من نجل المرشد مجتبى، إلى السلطة الأمنية الأعلى وإنشاء مركزية أمنية واستخباراتية.
وفي ظل استراتيجية "لا حرب ولا سلم" التي رسمها المرشد للسلوك الإيراني وتعاطيه مع تداعيات انهيار المفاوضات النووية مع واشنطن، إضافة إلى ما ترتب على الضربة الإسرائيلية، يتعامل النظام مع العقوبات الاقتصادية المتشددة والخانقة التي فرضتها الإدارة الأميركية على أنها أمر واقع لا بد من التعايش معه، من دون بذل الجهود لإيجاد مخرج أو نافذة تساعد على كسر هذه الحلقة. وهذه الاستراتيجية انعكست بصورة واضحة على إدارة الملف الدبلوماسي في وزارة الخارجية، إذ تخلى وزيرها عباس عراقجي عن المبادرة ملتزماً بالسقف الذي ترسمه له القيادة العليا التي تمسك بالسياسات الاستراتيجية والخارجية والداخلية لإيران، الدولة والنظام.
المراوحة الدبلوماسية في التمسك بالآليات التي وضعها النظام لإعادة إحياء عملية التفاوض والتفاهم مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي ومؤسساته المعنية بالملف النووي، جعلت هذه الدبلوماسية تصطف خلف الموقف العسكري وحال الاستنفار الدائم التي تعيشها المؤسسة العسكرية ومعها دائرة القرار في النظام. وهذا الاستنفار انعكس بصورة واضحة تأزماً كبيراً في الجانب الاقتصادي، وارتفاعاً كبيراً في نسب التضخم، وانهياراً غير مسبوق في قيمة العملة الوطنية أمام الدولار الأميركي، مما شكل مزيداً من الضغط على الحياة اليومية والمعيشية للمواطن الإيراني، والتي تُضاف إلى أزمات العجز المتراكمة في المياه والكهرباء والغاز والزراعة نتيجة الآثار السلبية للعقوبات وسوء إدارة هذه الملفات، التي ورثتها حكومة الرئيس مسعود بزشكيان.
وعلى رغم كل الجهود التي تبذلها حكومة بزشكيان للعبور بإيران من دائرة السقوط والانهيار، فإن هاجس الحرب والاستعداد لها لعب دوراً في تعطيل سياسات المعالجة، مما فتح الطريق واسعاً أمام القوى المتشددة للضغط على هذه الحكومة بهدف إخضاعها لتوجهاتها أو إعادتها إلى حظيرة سياساتها وإراداتها.
هجوم المتشددين على الحكومة، والذي بلغ ذروته بالتهديد الذي صدر عن رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف الذي وضع بزشكيان أمام خيارين، إما تغيير بعض الوزراء أو الذهاب إلى طرح الثقة بالحكومة، وهو موقف يتعارض مع كل التوصيات التي صدرت عن المرشد الذي دعا جميع القوى والبرلمان لدعم الرئيس وحكومته، إلا أنه يعبر عن وجود قناعة لدى هذه القوى بأن إيران مقبلة على أحداث وتغييرات دراماتيكية، سواء أمنية نتيجة عسكرة الأجواء الإقليمية والدولية ضد طهران، أو سياسية قد تؤدي إلى تسوية كبيرة تعيد فتح قنوات التواصل والحوار بين هذه الحكومة والمجتمع الدولي من البوابة الأميركية، بالتالي وبغض النظر عن أي من الحالتين، إضافة إلى ما يمكن أن تكون عليه صورة النظام في حال دخل ضمن مرحلة انتقالية بين المرشد الحالي وخليفته، فإن المتشددين يحاولون تكريس وجودهم السياسي والعقائدي داخل أي من المعادلات التي قد تنتج نتيجة هذه التغييرات. وهذا يستلزم منها استنفار كامل قوتها وقدراتها لإضعاف الطرف الآخر، بعيداً من أي اعتبار للآثار السلبية التي قد تلحق بإيران وموقعها.