ملخص
عام 2015، أعلن المدير العام لتكنولوجيا المعلومات في الجمارك علي بعيدي، أنه جرى استيراد 700 سيارة "بورشه" باستخدام بطاقة تجارية باسم امرأة ريفية من المناطق الحدودية
تحول الغموض المحيط بملف عودة عائدات الصادرات إلى إحدى أكثر القضايا الاقتصادية إثارة للجدل في البلاد خلال عام 2025، وهذه المرة ظهر الخلاف إلى العلن بين وزير الشؤون الاقتصادية والمالية في حكومة الرئيس مسعود بزشكيان، علي مدني زادة، ونائب محافظ البنك المركزي للشؤون النقدية أصغر أبو الحسني، وتزداد أهمية هذا الملف عند الإشارة إلى أن إجمال عائدات الصادرات التي لم تعد إلى البلاد منذ مطلع عام 2024 وحتى اليوم بلغ 27 مليار دولار، وهو رقم فرض، في ظل أزمة شح العملات الأجنبية، ضغوطاً إضافية على السوق واستيراد السلع الأساسية وميزان المدفوعات.
وخلال اجتماع مجلس معاوني البورصة، وجه وزير الاقتصاد أصابع الاتهام إلى الشركات الحكومية والشركات التي توصف بالخاصة ظاهرياً والمرتبطة بمؤسسات حكومية وسيادية، قائلاً إنه "للأسف، امتنعت بعض الشركات التابعة للدولة أو الشركات الخاصة وشبه الحكومية عن إعادة العملات الأجنبية، لكن وبإجراءات من وزارة الاقتصاد والحكومة، ووفقاً للقوانين، ستلزم بإعادة عائدات التصدير، إذ إن الضمانات التنفيذية لذلك تتمثل في الالتزامات الضريبية والأدوات القضائية.
وتأتي هذه التصريحات في وقت يقدم فيه نائب محافظ البنك المركزي رواية مغايرة، ساعياً إلى إبعاد المسؤولية الرئيسة عن كاهل الشركات الحكومية الكبرى.
المتهمون: الشركات الحكومية أم القطاع الخاص؟
ونفى نائب محافظ البنك المركزي للشؤون النقدية ادعاءات وجود مديونية واسعة على عاتق الشركات الحكومية الكبرى، مؤكداً أن الصناعات الكبيرة وشركات البتروكيماويات، خلافاً للتصور السائد، تتحمل حصة محدودة من عدم إعادة العملات الأجنبية.
وبحسب قوله، فإن نحو 95 في المئة من عائدات الصادرات في الصناعات الكبرى قد أعيدت، فيما يعود أكثر من 50 في المئة من العملات غير المعادة إلى القطاع الخاص.
ويعيد هذا الموقف إلى الواجهة أحد أقدم أعناق الزجاجات في فساد العملات داخل الاقتصاد الإيراني، بطاقات الاستيراد والتصدير المؤجرة، إذ وفقاً إلى ما أعلنه علي رضا كجبز زادة، جرى حتى الآن تحديد نحو 900 بطاقة مؤجرة لم تنفذ التزاماتها من العملات الأجنبية بإجمال 15 مليار دولار، وهو رقم صادم، يضاف إليه الكشف عن وجود 15 بطاقة فقط تتحمل التزامات غير معادة بقيمة 6 مليارات دولار، بما يسلط الضوء أكثر على الطابع الشبكي لهذه المخالفة.
وتظهر مراجعة العناوين المسجلة لحاملي هذه البطاقات أن كثراً منهم يقيمون في قرى نائية أو مناطق حدودية، وهي عناوين تدل بوضوح على استغلال أشخاص يفتقرون إلى القدرة الاقتصادية والتجارية.
غير أن السؤال الجوهري الذي ما زال بلا إجابة هو: أي تيار اقتصادي نافذ داخل بنية الحكم يقف خلف هذه الشبكة المنظمة؟
وتزداد خطورة الأزمة عند النظر إلى أرقام إصدار بطاقات الاستيراد والتصدير عام 2024، فبحسب البيانات الرسمية، صدر خلال هذا العام وحده 34 ألف بطاقة جديدة، في حين تراوح المتوسط السنوي في الأعوام السابقة ما بين 7 و8 آلاف بطاقة.
ويمكن قراءة هذه الزيادة بأكثر من أربعة أضعاف، قبل أي شيء، بوصفها توفيراً لبيئة مواتية لتشكيل شبكات تحصيل عائدات التصدير وعدم إعادتها.
وبالاستناد إلى الأرقام نفسها تعود ما لا يقل عن 1086 بطاقة إلى مصدرين بلا أي سجل تصديري سابق.
ومع ذلك، وفي وقت لا تزال فيه كثير من السلع الأساسية تنتظر تخصيص العملة، أسهمت هذه البطاقات في توليد التزامات بالعملة الأجنبية بلغت 7.5 مليار يورو، لم يعد منها إلى البلاد سوى نحو 500 مليون يورو.
فريق عمل إعادة العملات الأجنبية: جهة رقابية أم غطاء للمخالفات؟
تحول فريق عمل إعادة العملات الأجنبية، الذي كان من المفترض أن يعمل كذراع رقابية للحكومة، وفقاً لما يقوله كثير من المتخصصين الاقتصاديين، إلى إحدى أبرز مشكلات هذا الملف، ففي سبتمبر (أيلول) الماضي أعلن أن هذا الفريق أقر قرارات مخالفة للقانون، استند إليها مصدرون مخالفون لتصدير سلع مثل النحاس والصلب والقير والبروفيلات، من دون إعادة عائداتها من العملات الأجنبية إلى البلاد.
وقد أشار إلى هذه المسألة نائب طهران في البرلمان الإيراني حسين صمصامي، في رسالة وجهها إلى الرئيس مسعود بزشكيان.
وشرح صمصامي في رسالته أن فريقاً يضم 10 أعضاء، من بينهم نائب محافظ البنك المركزي للشؤون النقدية ورئيس منظمة تنمية التجارة ونواب وزارات الصناعة والاقتصاد والجهاد الزراعي والصحة والاستخبارات والنفط ورئيس الجمارك وممثل عن القطاع الخاص، تولى اتخاذ قرارات تتعلق بالإعفاءات وتمديد مهل إعادة العملات وتحديد الالتزامات وإحالة المخالفين إلى السلطة القضائية.
غير أن صمصامي يؤكد أن هذا الفريق، وعلى رغم عقده أكثر من 30 اجتماعاً وإقراره قرارات عدة، لم يعلن رسمياً سوى قرار واحد فحسب، وحتى هذا القرار، القاضي بفرض غرامة تعادل 550 توماناً عن كل يورو على المصدرين الذين لم يفوا بالتزاماتهم عام 2018، اعتبره منتقدون إجراء داعماً للمخالفين لا سياسة رقابية، إذ مكنهم فعلياً من الامتناع عن إعادة عائدات صادراتهم لمدة ستة أعوام حتى عام 2024.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتظهر مراجعة السوابق أن هذا النمط من الفساد ليس جديداً، ففي عام 2015، أعلن المدير العام لتكنولوجيا المعلومات في الجمارك علي بعيدي، أنه جرى استيراد 700 سيارة "بورشه" باستخدام بطاقة تجارية باسم امرأة ريفية من المناطق الحدودية مقابل 100 ألف تومان فقط.
وكشف محافظ البنك المركزي آنذاك، عبدالناصر همتي، عام 2020، عن إصدار بطاقات تجارية أحادية الاستخدام بأسماء أشخاص ضعفاء وحتى مشردين، مما أدى خلال الأعوام 2016–2018 إلى عدم عودة أكثر من 27 مليار دولار من العملات الأجنبية إلى البلاد عبر هذا المسار.
وخلال الأسابيع الأخيرة، كشف محمد مهدي نهاوندي عن ظاهرة التحصيل الوهمي في بعض شركات ومكاتب الصرافة المعتمدة، مدعياً أن عائدات بيع شحنات نفطية تسجل شكلياً على أنها محصلة، بينما لا يعود إلى البلاد فعلياً أي مبلغ.
فجوة سعر الصرف… المحرك الرئيس لعدم إعادة العائدات
في تحليل الجذور الاقتصادية لهذه الأزمة، يشير الأمين السابق لاتحاد الصرافين كامران سلطاني زادة، إلى الفجوة العميقة بين سعر الصرف في مركز المبادلة والسوق الحرة.
ووفقاً له، ففي ظل الارتفاع المستمر لأسعار العملات، تقدم المنشآت الاقتصادية مصالحها المالية أولاً، لتتحول المحافظة على عائدات التصدير أو بيعها في السوق الحرة إلى خيار منطقي من منظور الربحية.
وتتحول هذه المقاربة إلى فساد بنيوي عندما تمتنع الشركات الحكومية الكبرى وشبه الحكومية عن إعادة العملات الأجنبية، على رغم استفادتها من حصص رسمية من النقد الأجنبي.
وقد أتاح الارتفاع الذي قارب 100 في المئة في سعر الدولار خلال عام 2024 فرصة غير مسبوقة لهذه الكيانات لتعويض خسائرها المتراكمة عبر فارق الأسعار، إذ يقول منتقدون إن جزءاً منها أرباح يدور في شكل ريع ورشى داخل الدورة الاقتصادية للصناعات الحكومية.
وفي المحصلة، يطرح المتخصصون سؤالاً جوهرياً: لماذا تضغط الحكومة على القطاع الخاص، الذي أمضى أشهراً في انتظار تخصيص العملة، بدل الشروع في شفافية حقيقية في شأن الأداء المالي لشركاتها التابعة؟ ويرى كثر أن الجواب يكمن في تلوث بنيوي للشبكة السياسية والمالية لمديري المؤسسات السيادية، وهي شبكة ارتبطت مصالحها باستمرار عدم إعادة عائدات الصادرات، ولا تظهر إرادة لوقف هذا النمط من الفساد.
نقلاً عن "اندبندنت فارسية"