Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مرارة الزمن الجميل

تخفي العبارة التي تتردد على كل لسان أننا مجتمع لم يتخلص الفرد فيه بعد ولا الجماعة من ثقل البكاء على الأطلال

تقويم قديم يعود تاريخه إلى عام 1967 على طاولة في الكنيسة الإثيوبية بقصر اليهود في الضفة الغربية (أ ف ب)

ملخص

ألم يكن هذا الزمن الجميل زمن القمع السياسي؟ ألم يُرم آلاف المناضلين والمعارضين في السجون؟ ألم يغتل كثير منهم مثل المهدي بن بركة وأحمد بن بلة وعبداللطيف اللعبي ومحمود أمين العالم وبشير حاج علي وأنطوان سعادة وعبدالحكيم عامر ونوال السعداوي؟ ألم تكن الأنظمة السياسية في هذا الزمن الجميل تحكم بالسلاح والسحل وقطع الرؤوس والشنق في الساحات العمومية؟

أستغرب كثيراً هذه العبارة التي على كل الأفواه: الزمن الجميل، إنها تحيرني و تربكني، فعبارة الزمن الجميل تحمل سورة لأزمتنا العميقة والمركبة في فهم فلسفة الزمن في كليته، وفي فهم العلاقة المعقدة ما بين الماضي والحاضر، وتكشف في الوقت نفسه أننا مجتمعات نوستالجية بامتياز وتحن إلى زمن القسوة وتتلذذ بمرارتها.

تخفي عبارة الزمن الجميل التي تتردد على كل لسان أننا مجتمع لم يتمكن الفرد فيه بعد ولا الجماعة من التخلص من ثقل ثقافة البكاء على الأطلال، تلك الثقافة التي ظلت ملتصقة بتقاليد الشعر العريقة، هذا الشعر الذي يعد مركز الثقافة والفكر والفلسفة واللغة في عرف الإنسان العربي، فللشعر سلطة لا تضاهيها سلطة معرفية أخرى على مدى 15 قرناً أو يزيد.

تطلق عبارة الزمن الجميل هنا أو هناك متبوعة بأسى وأحاسيس الحسرة على الماضي، ويحدث هذا كلما جاء استذكار أحداث منتقاة من الماضي القاسي، وتعد أعوام الخمسينيات والستينيات وحتى نهاية السبعينيات ومطلع الثمانينيات الفترة التي تحرك فينا عبارة الزمن الجميل، بل هي المقصودة في أكثر الأحيان بهذا الوصف المتحسر عليه، وينتهي هذا الذي نطلق عليه اسم الزمن الجميل برحيل مجموعة من الرموز في السياسة والثقافة والأدب والموسيقى والسينما وكرة القدم، من أمثال جمال عبدالناصر ونهرو والملك فيصل وهواري بومدين والحبيب بورقيبة وتيتو وشي غيفارا وجون كينيدي وماو تسي تونغ وديغول وأسطورة كرة القدم بيلي والملاكم محمد علي ومحمد عبدالوهاب وعبدالحليم حافظ وأم كلثوم وأسمهان وفريد الأطرش وطه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم وميخائيل نعيمة ونجيب محفوظ وإحسان عبدالقدوس والعقاد ومالك بن نبي والشابي ومولود فرعون ومولود معمري وكاتب ياسين.

قريباً من قسوة الزمن الجميل

حين أسمع عبارة الزمن الجميل يتبادر إلى ذهني وكأننا مصابون بمرض الماضي، وأعتقد أن المجتمع الذي يعيش على النوستالجيا مجتمع لا يحلم ولا يفهم ماضيه ولا يفكك واقعه ولا يتطلع للمستقبل، ففي كل مرحلة هناك لحظات بهاء وهناك أخرى للبؤس والظلام، وكلما سمعت هذه العبارة الزمن الجميل أقول: أي زمن جميل هذا الذي نتحسر عليه؟

ألم تكن أعوام الخمسينيات أعوام حروب بما فيها من موت وتشريد ورعب ودموع؟ ألم تكن أعوام الستينيات والسبعينيات أعوام نكسات وهزائم حقيقية ومؤلمة حتى ولو أن الأنظمة العربية حولتها في خطبها إلى انتصارات واهمة وواهية؟ ألم يكن ذاك الزمن الجميل الذي نتأسف على فقدانه هو زمن سلطة الإقطاع المتوحش الذي حول الفلاحين والعمال الزراعيين وأبناءهم ونساءهم إلى ملكية خاصة أو إلى قطيع بشري من دون قيمة تاريخية ولا إنسانية؟

ألم يكن هذا الزمن الجميل الذي نبكيه أو نتأسف على رحيله هو زمن الفقر المدقع، فرواياتنا وشعرنا وسينمانا ومسرحنا وفننا التشكيلي يدل على ذلك؟

ألم يكن ذاك الزمن الجميل الذي نحنّ إليه هو زمن الأمراض المستشرية والأوبئة التي لا ترحم وتحصد في طريقها آلاف البشر، وقوافل الجراد الزاحفة على الأخضر واليابس؟

كأننا نعيش بلا ذاكرة

ألم يكن ذاك الزمن الجميل زمناً لا تجد فيه الأمهات عيادة توليد فتتولى عجوز في الدشرة أو القرية مهمة القابلة، وجراء مثل هذه العمليات ماتت آلاف الأمهات ومعهن مئات آلاف المواليد؟  

ألم يكن هذا الزمن الجميل زمن الأمية المعممة حين كانت قلة قليلة هي من تصل إلى مقاعد المدارس، وكمشة نادرة منهم تصل إلى مدرجات الجامعة؟ ألم تكن المدارس عبارة عن بنايات بائسة سقوف قاعاتها تقطر شتاء وتتحول إلى فرن صيفاً؟ ألم يكن التلاميذ يقطعون المسافات الطويلة مشياً على الأقدام الحافية أيام الحر كما أيام الثلج والمطر للوصول إلى الأقسام، وكثير منهم جرفته الوديان في أيام الهطول؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ألم يكن هذا الزمن الجميل زمن القمع السياسي؟ ألم يُرم آلاف المناضلين والمعارضين في السجون؟ ألم يُغتل كثير منهم مثل المهدي بن بركة وأحمد بن بلة وعبداللطيف اللعبي ومحمود أمين العالم وبشير حاج علي وأنطوان سعادة وعبدالحكيم عامر ونوال السعداوي؟ ألم تكن الأنظمة السياسية في هذا الزمن الجميل تحكم بالسلاح والسحل وقطع الرؤوس والشنق في الساحات العمومية؟

ألم يكن هذا الزمن الجميل الذي نتأسف فيه على بعض المنابر الإعلامية هو زمن تكميم الصحافة ومراقبة كل مكتوب وقطع كل لسان خارج عن الطاعة؟

ألم يكن هذا الزمن الجميل الذي يحرك فينا الشجن هو زمن طغيان أيديولوجيا الذكورة واستعباد المرأة تحت يافطات أيديولوجية دينية أو أخلاقية أو باسم الشرف؟ ألم يكن هذا الزمن الجميل هو زمن كان فيه وصول البنت إلى المدرسة معجزة كبرى؟

ألم يكن هذا الزمن الجميل الذي يحرك فينا مشاعر الرومانسية هو زمن عناء السفر وقلة وسائل النقل بل ندرتها، حين يصرف الإنسان نصف عمره على الطرقات ما بين المدن أو في اتجاه العمل، وحتى الحج كان أداؤه يتطلب شهوراً يقطع فيها الحاج مسافات بعضها على الدواب، وبعضها على سفن ومراكب غير آمنة، فيموت نصف الحجاج في الطريق؟

ألم يكن ذاك الزمن الجميل زمن الانقلابات العسكرية، ينقلب وزير الدفاع على الرئيس الذي كان وزير دفاع سابقاً، وينقلب العسكر على الملوك، وينقلب المناضل على صديق دربه في النضال، وفي ثقافة الانقلابات جرى تكريس ثقافة الديكتاتور باسم الوطنية تارة وباسم القومية تارة أخرى، وباسم الاشتراكية تارة ثالثة وباسم الديمقراطية، وباسم الدين والدفاع عن الله، وباسم الدفاع عن فلسطين؟

أهو مرض الفقد أم غياب الوعي التاريخي؟

اليوم في المطارات الكبرى والطائرات المنطلقة إلى أطراف الدنيا كلها، أو النازلة القادمة من أقاصي العالم حاملة البشر ومتاع الدنيا، والمستشفيات الجامعية المجهزة حيث جميع التخصصات وآلاف الأطباء والطبيبات والجراحات المعقدة تجرى فيها عن بعد، وملاعب كرة القدم المكيفة، والطرق السيارة التي تسير فيها السيارات الفارهة، والجامعات في كل المدن بكل التخصصات وملايين الطلاب والطالبات، بل عدد الطالبات أكبر من عدد الطلاب الذكور، وآلاف قنوات التليفزيون، والمطاعم الفارهة والشعبية بأنواع الأكل المختلف الأجنبي والبلدي، والمثلجات والمقاهي والحدائق والعمارات الشاهقة والفلل والقصور، والروايات الكثيرة بالعربية والمترجمة، ودور النشر الكثيرة الجيدة والرديئة، والموسيقى والهواتف الذكية التي لا تتوقف شاشاتها عن بث ثقافات السخافة والقليل من المعرفة الجادة، وشركات الأسفار تتنافس في بيع المقاعد المريحة على درجة رجال الأعمال أو السياحية، والحج إلى البقاع المقدسة لم يعد فيه السفر قطعة من جمر بل أصبح بسيطاً وهيناً حيث يقضي الحاج أيامه الشرعية ويعود ببعض ليترات من ماء زمزم معلبة، وبعض السلع والهدايا، والأسواق الكثيرة والكبيرة تحاصرنا من كل الجهات فائضة بسلع الصين والهند واليابان وتركيا، والزراعة أضحت بالذكاء الاصطناعي واختفت معها الصورة النمطية للفلاح الرث، ونبتت المدارس العمومية والخاصة في كل حي في القرى والمداشر والمدن، والخضراوات والفواكه من التفاح والخيار والطماطم والرمان والبطيخ والبرتقال معروضة في كل المواسم على مدار العام، ومع ذلك يقول الواحد وهو يركب الطائرة أو يزور مريضاً في المستشفى أو يحضر مناقشة أطروحة دكتوراه في الذكاء الاصطناعي أو يطلب وجبة أكل إلى البيت من هاتفه الذكي أو يتحدث إلى قريب له بالصوت والصورة وهو في أقصى العالم: آه أيها الزمن الجميل!

اقرأ المزيد

المزيد من آراء