ملخص
تقريبات الوجوه تُعطي نتائج جيدة في تكوين صور واضحة، فقد خلّف أناسٌ من الماضي وراءهم كنزاً دفيناً من الأدلة على حياتهم، من آثارٍ ضخمة إلى شظايا من متعلقات شخصية، إضافة إلى عظامهم، لكن من تركوا هذه الأدلة غالباً ما يكونون لغزاً، والآن بفضل التقنيات العلمية الحديثة، يستطيع الباحثون إعادة بناء شكل هؤلاء الأشخاص بدقة، مما يُسهم في إعادة إحياء أناسٍ ماتوا منذ زمن بعيد.
على مدى عقود من الزمن، ابتكر الباحثون تقريبات وجوه لأشخاص من الماضي، بدءاً من الشخصيات التاريخية الشهيرة، مثل الملك توت عنخ آمون والملك الإنجليزي هنري السابع، إلى الأفراد العاديين الذين ضاعوا في غياهب الزمن، مثل امرأة مجهولة الاسم من العصر الحجري ورجل من إنسان نياندرتال.
تشير الدراسات التي أُجريت على أشخاص حقيقيين إلى أن تقريبات الوجوه تُعطي نتائج جيدة في تكوين صور واضحة، فقد خلّف أناسٌ من الماضي وراءهم كنزاً دفيناً من الأدلة على حياتهم، من آثارٍ ضخمة إلى شظايا من متعلقات شخصية، إضافة إلى عظامهم، لكن من تركوا هذه الأدلة غالباً ما يكونون لغزاً، والآن بفضل التقنيات العلمية الحديثة، يستطيع الباحثون إعادة بناء شكل هؤلاء الأشخاص بدقة، مما يُسهم في إعادة إحياء أناسٍ ماتوا منذ زمن بعيد.
طرق بناء الوجوه
"الحمض النووي كان وسيظل، عامل تغيير في إعادة بناء الوجوه"، هذا ما قاله أوسكار نيلسون، وهو فنان متخصص في الطب الشرعي ونحات وعالم آثار مقيم في استوكهولم، متابعاً قوله "التصوير المقطعي المحوسب هو بمثابة السقالة التي أستخدمها لبناء تقريب للوجه".
وتُحسن الأدوات الجديدة دقة عمليات إعادة بناء ملامح الوجه أكثر من أي وقت مضى، لذا يقول نيلسون إنه من الممكن التنبؤ ليس فقط بلون الشعر والعينين والبشرة من الحمض النووي، بل أيضاً بعدد من تفاصيل الوجه، مثل الاستعداد الوراثي للصلع وانتفاخات الجفون وغيرها، حتى الشكل العام للوجه يُمكن تقديره بهذه الطريقة.
على سبيل المثال، غيّر تحليل الحمض النووي الصورة النهائية التي رسمها الخبير الغرافيكي الإسباني سيسرون مورايس لآفا جذرياً وهي امرأة من العصر البرونزي عاشت في اسكتلندا قبل 3800 عام، كانت جمجمتها تفتقر إلى فك سفلي، وفي عام 2016، رسم فنانو الطب الشرعي صورةً لآفا ببشرة فاتحة وعينين زرقاوين، لكن الحمض النووي المُستخرج من رفاتها كشف أنها على الأرجح كانت ذات عيون بنية وشعر أسود، وأن بشرتها كانت أغمق قليلاً من بشرة الاسكتلنديين اليوم، وفقاً لما كتبه باحثون في دراسة عام 2017.
وفي عملية إعادة بناء آفا عام 2018، استخدم مورايس الذي يتعاون بانتظام مع الشرطة المحلية لإنشاء تقريبات لوجوه ضحايا الجرائم، إضافة إلى إعادة بناء وجوه تاريخية، بيانات من فحوصات التصوير المقطعي المحوسب لمتبرعين أحياء لمنحها فكاً جديداً، وهي إحدى الطرق التي يتبعها علماء الآثار والباحثون وخبراء الطب الشرعي لحصر بحثهم في أشخاص محددين من جنس وعمر وعرق معينين وينشؤون التقريب النهائي باستخدام برامج حاسوبية.
أقدم الوجوه
واليوم هناك 50 عملية لإعادة بناء للوجوه، من الشامان في العصر الحجري إلى الملك توت عنخ آمون، فعلى مر السنين أُجريت عدة تقريبات لوجه الفرعون المصري القديم توت عنخ آمون، إلا أن أحدث نسخة تُقدم رؤية جديدة لملامح وجه هذه الشخصية التاريخية الفريدة.
استخدم الباحثون فحوصات التصوير المقطعي المحوسب CT والأشعة السينية لجمجمة الملك الشاب، ومن خلال التحليل حددوا أن جمجمته لم تكن أطول بقليل من المتوسط فحسب، بل كان لديه أيضاً حجم دماغ كبير كان حجم دماغ توت 87 بوصة مكعبة (1432 سنتيمتراً مكعباً).
وتمكن باحثون من إعادة بناء نموذج لامرأة من إنسان نياندرتال، على رغم أن جمجمتها سحقت إلى مئات القطع قبل نحو 75 ألف عام، أطلق الباحثون على المرأة لقب "شانيدارز"، استناداً إلى بقاياها التي عُثر عليها داخل كهف شانيدار في كردستان العراق، ويُرجّح أنها توفيت في منتصف الأربعينيات من عمرها، وكان طولها نحو 1.5 متر، وفقاً لتحليل عظامها. وعُرضت هذه النسخة في مسلسل "أسرار إنسان نياندرتال" على "نتفليكس".
ومثلها زلاتي كو، أقدم إنسان حديث يتم تسلسله وراثياً، فقبل أكثر من 70 عاماً اكتشف علماء الآثار جمجمة مقطوعة مخبأة داخل كهف في جمهورية التشيك، واستخدم الباحثون التصوير المقطعي المحوسب للجمجمة لإعادة تجميعها، والنتيجة هي امرأة ذات فك قوي وتجويف دماغي أكبر من تجويف دماغ البشر اليوم، إذ كشف تحليل الحمض النووي أنها ربما عاشت قبل 45 ألف عام، وأن جينومها يحمل نحو ثلاثة في المئة من أصول إنسان نياندرتال، مما يجعلها جزءاً من مجموعة مبكرة من البشر المعاصرين الذين يُحتمل أنهم تزاوجوا مع إنسان نياندرتال.
ألغاز يفكها العلماء للوجوه
في عام 1628، غرقت سفينة حربية سويدية تُعرف باسم فاسا في رحلتها الأولى. وكان من بين الضحايا "ج"، الذي ظنّ الباحثون المعاصرون في البداية أنه رجل، فأطلقوا عليه اسم غوستاف، وفي عام 2006 أظهرت عملية إعادة بناء ثلاثية الأبعاد للوجه أن غوستاف كان يبلغ من العمر 45 سنة، وهو عمره المُقدّر عند الوفاة.
ومع ذلك، كشف تحليل حديث للحمض النووي أن "ج" كانت في الواقع أنثى. أطلق الباحثون عليها اسم جيرترود، وأظهر فحص جديد أنها كانت على الأرجح بين 25 و30 سنة عند وفاتها، وكانت ذات عيون زرقاء وشعر أشقر وبشرة فاتحة، وأُظهرت عملية إعادة بناء أُجريت عام 2023 أنها كانت ترتدي القبعة الحمراء التي يُحتمل أنها كانت ترتديها عند غرق السفينة الحربية.
واكتشف علماء الآثار بقايا إنسان فلوريسي، وهو فرع أصغر من الإنسان المنتصب، وهو سلف بشري منقرض، داخل كهف في إندونيسيا عام 2003، ولأن طوله لم يتجاوز 106 سنتيمترات، أُطلق عليه اسم "الهوبيت"، ولتقريب ملامح الوجه، استخدم الباحثون مسحاً لجمجمة هذا الإنسان، إضافة إلى مسح لجمجمة إنسان وشمبانزي معاصرين، وكانت جميعها مشوهة تقريباً.
كما ظل اللغز المحيط بفتاة تبلغ من العمر 16 سنة، دُفنت في إنجلترا مستلقية على سرير خشبي وترتدي صليباً ذهبياً مرصعاً بالياقوت، لغزاً حير علماء الآثار منذ اكتشافها في عام 2011، ولكن الآن، يقدم إعادة بناء وجه جديد نظرة ثاقبة على مظهر المراهقة الأنجلوساكسونية والمتحولة إلى المسيحية في وقت مبكر.
حصة مومياءات مصر
حيّرت مومياء امرأة مصرية قديمة، يُحتمل أنها كانت حاملاً عند وفاتها، علماء الآثار الباحثين عن أدلة على هويتها، حيث استخدم مشروع وارسو للمومياء تقنيات غير جراحية، مثل التصوير المقطعي المحوسب والأشعة السينية، لتحديد شكل مومياء "السيدة الغامضة" تحت ضماداتها، ثم عمل أخصائيان في الطب الشرعي، هما هيو موريسون وشانتال ميلاني، بشكل مستقل لإعادة بناء الوجه باستخدام تقنيات مختلفة، وقارنا النتائج.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
اكتشف علماء الآثار بقايا هيكل عظمي لرجل في نزلة خاطر2، وهو موقع أثري في وادي النيل بمصر، وكشف التحليل الأنثروبولوجي أن عمره كان يتراوح بين 17 و29 سنة عند وفاته قبل 30 ألف عام، وأنه من أصل أفريقي، ويُعد هذا الهيكل العظمي أقدم مثال على بقايا الإنسان العاقل (هومو سابينس) عُثر عليها في مصر، وقد استخدم الباحثون التصوير الفوتوغرامتري لرسم تقريبي للوجه.
أراد علماء في النمسا وألمانيا معرفة مدى دقة "صور المومياء"، وهي صور لأشخاص مُلصقة على واجهة مومياواتهم، لذا أجرى الباحثون مسحاً مقطعياً محوسباً لمومياء صبي عُثر عليها في مقبرة قريبة من هرم هوارة، جنوب غربي القاهرة، مصر.
باستخدام هذه المعلومات، وتحليل صور الأشعة السينية السابقة، اكتشفوا أن الصورة الرقمية ثلاثية الأبعاد التي أنشأوها تُشبه اللوحة تماماً، مع فارق وحيد يتمثل في أن الصبي الذي عاش بين عامي 50 قبل الميلاد و100 ميلادي بدا أكبر سناً بقليل في صورته.
وجه فرعون، وربما هو أخناتون، والد الملك توت عنخ آمون، الذي حكم من عام 1353 إلى 1335 قبل الميلاد، حُذفت زينة مثل الشعر أو المجوهرات عمداً للتركيز على ملامح وجه الفرد، وتستند عملية إعادة البناء إلى بقايا مومياء مُحنطة عُثر عليها في وادي الملوك.
أُعيدت إلى الحياة وجوه ثلاثة رجال عاشوا قبل أكثر من ألفي عام في مدينة أبوصير الملق المصرية القديمة، استُخرجت بيانات الحمض النووي من مومياواتهم، واستُخدمت في عملية تُسمى "التنميط الظاهري للحمض النووي الجنائي"، والتي تستخدم التحليل الجيني للتنبؤ بشكل ملامح الوجه وجوانب أخرى من المظهر الجسدي للشخص، وساعدت هذه المعلومات العلماء على إعادة بناء وجوه الرجال الثلاثة في سن الـ25.
شخصيات متعددة ومتفرقة ممن أعيد بناء وجهها
استخدم الباحثون الحمض النووي لإعادة بناء وجه الإمبراطور الصيني، الذي حكم سلالة تشو الشمالية في الصين حتى وفاته عن عمر يناهز 36 سنة في عام 560 ميلادي.
في وقت زيّن الريش إعادة بناء هذه الشخصية من العصر الحجري المعروفة باسم امرأة مارغو، التي عاشت قبل نحو 10500 عام فيما يُعرف الآن ببلجيكا، ويُرجّح أنها كانت تنتمي إلى جماعة من الصيادين وجامعي الثمار، وُجد أن تحليل الحمض النووي أظهر أن امرأة مارغو كانت ذات عيون زرقاء أو فاتحة وبشرة متوسطة اللون، ويُعدّ لون بشرتها مثيراً للدهشة، لأن معظم الأوروبيين من ذلك الوقت، بمن فيهم رجل الشيدر، كانوا ذوي بشرة داكنة.
إضافة لصور لمصاصة دماء بولندية مدفونة بشفرة على رقبتها وقفلٌ حول إصبع قدمها الكبير، وأخوات العصر الحجري اللواتي عملن في منجم وحشي في ما يُعرف الآن بجمهورية التشيك، وخوانيتا المعروفة باسم العذراء الجليدية لبقايا مومياء متجمدة لفتاة إنكا صغيرة، عثروا عليها على قمة جبل في بيرو، وعبد مصلوب من بريطانيا الرومانية، وامرأة من العصر البرونزي رابضة في قبر مدفونة في وضعية القرفصاء داخل قبر مبطن بالحجر عملوا مع فنان جنائي قام بإعادة بناء وجهها باستخدام جمجمة مطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد وطين.
وكذلك قزم من العصور الوسطى من بولندا يُظهر التقريب النهائي رجلاً برأس أكبر من المتوسط، فتى العصر الجليدي الوحيد ذو الـ15 سنة عُثر على بقايا فيستيغوتن، التي يبلغ عمرها 8300 عام، مما ساعد في إعادة بناء جثته ثلاثية الأبعاد، وهي معروضة الآن في متحف ها جاملي بريستيجارد في جنوب النرويج.
وامرأة من العصر الحجري في جمهورية التشيك، عاشت قبل نحو 31 ألف عام، ويعتقد الباحثون أنها عاشت خلال جزء من العصر الحجري القديم الأعلى المعروف باسم العصر الأورينياسي، وهي من أقدم أنواع الإنسان العاقل التي عُثر عليها في أوروبا.
إضافة إلى امرأة من العصر البرونزي من إسبانيا، وامرأة من العصر الحجري عُثر عليها في السويد، وامرأة من بينانغ شمال غربي ماليزيا من العصر الحجري الحديث امرأة أسكتلندية من العصور الوسطى، وكاهن وأسقف اسكتلندي في العصور الوسطى، ورجل من العصر الحجري على رمح، ومصاص دماء" من القرن الـ18، وأفجي 18 سنة، من اليونان، وامرأة "شامان" قديمة، وكذلك امرأة نياندرتال من جبل طارق، وامرأة وايت هوك في إنجلترا، وأوتزي رجل الجليد، وملكة واري القديمة، إضافة إلى امرأة دينيسوفا، ورجل كرومانيون ورجل سلونك هيل، وامرأة باتشام، وغيرها.
وبفضل التصوير الفوتوغرامتري، تمكن الفنان الغرافيكي مات لوغري من إنتاج إعادة بناء للملك هنري السابع ملك إنجلترا الذي توفي في الـ 21 من أبريل (نيسان) 1509، وباستخدام قناع موت الملك، قناع شمعي من عام 1509 حافظ على صورة الملك، أعاد لوغري وجه هذا الحاكم إلى الحياة.