ملخص
اقتصاديون يرون أن الزيادة في الإنفاق خلال الربع الثالث من العام الحالي، من المرجح أن تكون مدفوعة بالمستهلكين ذوي الدخل المرتفع فقط.
أظهرت بيانات حديثة، أن الاقتصاد الأميركي ينمو بأسرع وتيرة له منذ عامين، ومع ذلك تشير استطلاعات الرأي إلى حالة من التشاؤم بين عامة الناس.
ففي ظل التضخم المرتفع والأسعار المشتعلة، يكاد يكون من الصعب تصديق الحديث أو البيانات الخاصة بالاقتصاد الأميركي، لكن هذه المؤشرات تُذكّرنا مجدداً بأن اتجاهين يبدوان متناقضين قد يكونان صحيحين في الوقت نفسه، فالاقتصاد الذي ينمو بسرعة لا يعني بالضرورة أن الجميع يشعرون بذلك.
نعم، فقد ارتفع الناتج المحلي الإجمالي، وهو أوسع مقياس للاقتصاد الأميركي، هذا الصيف إلى معدل سنوي مذهل بلغ 4.3 في المئة، متجاوزاً توقعات الاقتصاديين بكثير، لكن هذا النمو الهائل في الناتج المحلي الإجمالي لم يُترجم إلى طفرة في التوظيف، ولم تصاحبه عودة إلى معدلات التضخم الطبيعية.
وفي مذكرة بحثية حديثة، قال كبير الاقتصاديين في مؤسسة "موديز أناليتكس" مارك زاندي "الناتج المحلي الإجمالي مفهوم، لكن الناس يدركون أهمية الوظائف، فهم يعلمون أنهم لن يجدوا وظيفة أخرى إذا فقدوها، كذلك يعلمون أنهم يدفعون مبالغ أكبر مقابل القهوة واللحوم والكهرباء ورعاية الأطفال، وكل شيء تقريباً".
البعض يلجأ إلى تقليص الإنفاق وتأخير سداد الفواتير
يُعدّ الناتج المحلي الإجمالي بمثابة مؤشر لأداء الاقتصاد، لكنه كأي مؤشر، قد لا يُقدّم صورة كاملة لما يحدث، فعلى سبيل المثال، من أهم أسباب تسارع نمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثالث من هذا العام، هو ارتفاع الإنفاق الاستهلاكي، وقد كان هذا سمة بارزة في عهد إدارتي بايدن وترمب، حيث مرونة الإنفاق الاستهلاكي في مواجهة سلسلة من التحديات الاقتصادية، ومع ذلك، لا يوضح التقرير أي نوع من المستهلكين زادوا من إنفاقهم، فيقول اقتصاديون، إن الزيادة في الإنفاق خلال الربع الثالث المشار إليه من المرجح أن تكون مدفوعة بالمستهلكين ذوي الدخل المرتفع، وهم الأكثر استفادة من القيم العقارية القياسية المرتفعة وعوائد الأسهم الهائلة.
من جهة أخرى، يكافح العديد من الأميركيين ذوي الدخل المنخفض والمتوسط لتأمين حاجاتهم الأساسية، ويلجأ بعضهم إلى تقليص إنفاقهم والتأخر في سداد فواتيرهم.
عن ذلك، يقول كبير الاقتصاديين الأميركيين في "آر بي سي كابيتال ماركتس" مايك ريد "لا يزال المتقاعدون وأكثر من 10 في المئة من السكان هم المحرك الرئيس للاقتصاد".
الجميع يشعر بأزمات بسبب ارتفاعات الأسعار
مع أن الناس قد لا يشعرون بارتفاع الناتج المحلي الإجمالي، إلا أنهم يشعرون بارتفاع الأسعار، ولم يرتفع التضخم هذا العام بشكل حاد، كما كان يخشى البعض بسبب الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضها الرئيس دونالد ترمب.
لكن التضخم لم يتحسن كثيراً منذ تولي ترمب منصبه في يناير (كانون الثاني) الماضي، حين كانت الأسعار ترتفع بمعدل سنوي قدره 3 في المئة مقارنة بمعدل 2.7 في المئة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي (وفقاً لبيانات حكومية تتضمن تفاصيل دقيقة بسبب التشوهات المرتبطة بالإغلاق).
ومع ذلك، فهو أعلى من متوسط معدل التضخم السنوي البالغ 1.7 في المئة الذي شهده الأميركيون في العقد الذي سبق تفشي الجائحة، وفقاً لبيانات مكتب إحصاءات العمل.
لكن انخفضت أسعار بعض السلع الأساسية، فعلى سبيل المثال، كان سعر البيض في نوفمبر الماضي، أرخص بنسبة 13 في المئة مقارنةً بالعام السابق وانخفض سعر الحليب بنسبة 1 في المئة.
وظل سعر البنزين تحت السيطرة طوال العام، إذ انخفض المتوسط الوطني في الأيام الأخيرة إلى 2.86 دولار للغالون الواحد، وهو أدنى مستوى له منذ أربع سنوات ونصف سنة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وهذا يختلف تماماً عن سعر البنزين الذي بلغ 5 دولارات للغالون في عام 2022 بعد حرب روسيا على أوكرانيا.
مع ذلك، ارتفعت أسعار السلع الأساسية الأخرى، إذ يدفع المستهلكون في المتوسط 7 في المئة زيادة في فواتير الكهرباء، وارتفع سعر الغاز الطبيعي وهو الوسيلة الأكثر شيوعاً لتدفئة المنازل في أميركا، بنسبة 9 في المئة.
وشهد سعر اللحم المفروم ارتفاعاً ملحوظاً بنسبة 15 في المئة على أساس سنوي في الشهر الماضي، وهو أكبر ارتفاع منذ عام 2020، أيضاً ينفق المستهلكون مبالغ أكبر بكثير على صيانة السيارات (10 في المئة) والقهوة (19 في المئة).
صحيح أن الرواتب ارتفعت أيضاً، ولكن غالباً ما لا يكفي هذا الارتفاع لمواكبة غلاء المعيشة، إذ تجدر الإشارة إلى أن بيانات ودائع "بنك أوف أميركا" تُظهر أن الرواتب تجاوزت الأسعار في الشهر الماضي فقط بالنسبة للأسر ذات الدخل المرتفع، إذ بلغ نمو أجور الأسر متوسطة الدخل 2.3 في المئة فقط، بينما لم تتجاوز الزيادة لدى الأسر منخفضة الدخل 1.4 في المئة.
مخاوف بشأن الأمن الوظيفي تلوح في الأفق
إذا كان الاقتصاد الأميركي مزدهراً حقاً، لما انتاب المستهلكين القلق بشأن الأمن الوظيفي، لكن هذا ليس ما نشهده اليوم، إذ انخفضت نسبة المستهلكين الذين يعتقدون أن فرص العمل ستزداد خلال الأشهر الستة المقبلة إلى أدنى مستوى لها في أربع سنوات، وفقاً لبيانات ثقة المستهلك التي نشرها مجلس المؤتمرات أول من أمس الثلاثاء، في المقابل، ارتفعت نسبة المستهلكين الذين يعتقدون أن الحصول على وظيفة بات أكثر صعوبة.
يأتي هذا في الوقت الذي بلغ فيه معدل البطالة أعلى مستوى له في أربع سنوات، مسجلاً 4.6 في المئة خلال الشهر الماضي، مرتفعاً من 4 في المئة خلال يناير الماضي.
وفي وقت سابق من هذا العام، تجاوز عدد الباحثين عن عمل عدد الوظائف المتاحة للمرة الأولى منذ أربع سنوات.
وأظهرت بيانات ثقة المستهلك الشاملة أن ذلك يدفع المستهلكين إلى أن يكونوا أكثر تشاؤماً بشأن الاقتصاد، فأحد أسباب تباطؤ التوظيف هو تعلّم الشركات كيفية تحقيق المزيد بموارد بشرية أقل، بفضل التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي.
في الوقت نفسه، أدت التغييرات المتقلبة في سياسة ترمب التجارية إلى شلل في العديد من الشركات. ومع قلة اليقين بشأن تحركاته الجمركية المقبلة، علّقت الكثير من الشركات خطط التوظيف، إضافةً إلى ذلك، لجأت بعض الشركات إلى تقليص عدد الموظفين لتجنب تحميل المستهلكين أعباء الزيادات الكبيرة في الأسعار الناتجة من الرسوم الجمركية.
الخلاصة، لن يُحسّن الناتج المحلي الإجمالي، مهما بلغ ارتفاعه، من شعور الأميركيين بالرضا تجاه هذا الوضع الاقتصادي، لكن ما سيُحسّنه حقاً هو رواتب تكفي لفترة أطول، وشعور أكبر باليقين بشأن المستقبل، وأمان وظيفي أفضل.