ملخص
تنافسية تونس في مجال السيارات الكهربائية يهددها نزف هجرة المهندسين.
تجاوز عدد المؤسسات التونسية العاملة في قطاع تصنيع مكونات السيارات 280 مؤسسة، وتوظف أكثر من 120 ألف شخص، ويُقدَّر حجم صادراته بـ3.9 مليار يورو (4.5 مليار دولار)، مدعوماً بمعدل نمو سنوي متوسط قدره 16 في المئة منذ عام 2018، وفق معطيات الجمعية التونسية لمصنعي مكونات السيارات.
لكن القطاع يواجه جملة من التحديات، تتمثل في التغييرات التي يشهدها قطاع السيارات عالمياً، مع التحول إلى السيارات الكهربائية، ومن ثم تطور العملاء ومتطلباتهم، إضافة إلى إشكالات محلية أهمها نقص اليد العاملة المختصة، وهجرة المهندسين التونسيين المتفاقمة، وعدم توفر البنية التحتية الملائمة، علماً أن تونس تمثل أحد أبرز المرشحين لاستقطاب الاستثمارات في الفترة الموالية للحرب التجارية الجارية بين الصين والولايات المتحدة وأوروبا، بحكم موقعها الجغرافي، والكفاءة والخبرة التي توفرها في مجال صناعة مكونات السيارات.
ماذا عن تضاعف المؤسسات؟
تُظهر ديناميكية القطاع أهمية الوجهة التونسية للاستثمار في صناعة مكونات السيارات، من خلال التدفق المتواصل للمستثمرين الأوروبيين تاريخياً من ألمانيا وفرنسا وإيطاليا في مرحلة أولى، ثم اليابان، مع قدوم الصينيين في الفترة الأخيرة، إذ افتُتحت أول وحدة صناعية صينية لصناعة كابلات السيارات في تونس في سبتمبر (أيلول) الماضي.
وأظهرت تونس رغبة في استقطاب المستثمرين الآسيويين، وتتجه الصادرات إلى ألمانيا بنسبة 37 في المئة، وفرنسا بـ21 في المئة، ورومانيا بـ12 في المئة، وإيطاليا بـ11 في المئة.
ومنذ مطلع الألفية الثانية، تضاعف عدد الشركات العاملة في هذا القطاع أكثر من مرتين، مدفوعاً بالنمو، وتوفر الكفاءات التكنولوجية، والتطورات في مجال الابتكار والتكنولوجيا، مما أدى إلى ظهور منظومة صناعية مشتركة تشمل الأسلاك، والميكانيك، والمكونات البلاستيكية والإلكترونية، وهندسة البرمجيات.
وصرح نائب رئيس الجمعية التونسية لمصنعي مكونات السيارات، عماد شرف الدين، لـ"اندبندنت عربية"، أن تونس تستمد جزءاً كبيراً من قدرتها التنافسية من جودة رأس مالها البشري، إذ تتمتع بنسبة عالية من الخريجين في المجالات العلمية والتقنية، إلى جانب انخفاض كلفة العمالة والطاقة والضمان الاجتماعي، التي تُعد من بين الأكثر تنافسية في المنطقة.
في حين ذكر مدير الصناعات المعدنية والميكانيكية والكهربائية بوزارة الصناعة، سليم فرشيشي، أن 300 مؤسسة تنشط في هذا القطاع، نصفها ذات مساهمة أجنبية.
وتحتل تونس المرتبة الثانية أفريقياً من جهة صادرات مكونات السيارات، ومن بين البلدان الـ10 الأوائل الممولين لأوروبا، كما توجد شركات تونسية مستقرة في الولايات المتحدة والمكسيك والمغرب ورومانيا وحتى الصين وأوروبا، إلى جانب وجود مؤسسات عالمية كبرى في تونس، بحسب فرشيشي.
وينتظر أن تطلق تونس "مدينة السيارات الذكية"، وتشمل مدينة صناعية تمتد إلى 400 هكتار، تضم مصانع للسيارات ومكوناتها، ومختبرات بحث وتطوير، ومراكز تدريب، ومساحات تكنولوجية، مع مراعاة قربها من الموانئ.
وعن تحدي الانتقال إلى السيارات الكهربائية، قال إن تونس مستعدة، وأن الحكومة تقدم حوافز مالية وضريبية لتشجيع الاستثمار في شحن السيارات الكهربائية والبنية التحتية المرتبطة بها.
ما إشكال البنية التحتية؟
يشهد القطاع في تونس استعدادات لوجستية نحو الصناعات المستقبلية، بما في ذلك الأنظمة المدمجة، وبرمجيات (Software) السيارات، والمكونات الإلكترونية مع حلول النقل الكهربائي، ويدعم هذا الزخم مراكز متخصصة، مثل مركز الموارد التكنولوجية، ومركز أبحاث الإلكترونيات الدقيقة وتقنية النانو، والمركز التقني للمطاط والبلاستيك.
لكن عبّر عدد من المصنعين التونسيين عن بعض الاضطرابات في الطلبيات من الوجهات الموردة، بحكم المرحلة الانتقالية والتذبذب الذي تشهده السوق، وهو في علاقة مباشرة بالسقف الزمني الذي حددته بلدان الاتحاد الأوروبي لاعتماد السيارات الكهربائية.
ويُذكر أن دول الاتحاد الأوروبي تراجعت عن قرار حظر بيع السيارات المعتمدة على المحروقات عام 2035، تحت ضغط شديد من قطاع صناعة السيارات.
بالمقابل، علّق رئيس غرفة وكلاء ومصنعي السيارات، إبراهيم دباش، بأن توفر الموارد البشرية في مجال البرمجيات والتكنولوجيا العالية يجعل المصنعين التونسيين أكثر تنافسية في صناعة السيارات الكهربائية الذكية، وأن الفرصة مواتية لاستغلال تداعيات التجاذبات التجارية بين الصين من جهة، والولايات المتحدة وأوروبا من جهة أخرى، إذ تمثل التقاليد التونسية في مجال السيارات أحد الحلول الجوهرية للمستثمرين الصينيين لتفادي الأداءات الجمركية عبر التمركز في تونس، وهو ما انطلق فعلياً، كذلك توفر تونس الوجهة الأقرب للمستثمرين الأوروبيين لاستبدال المصنع الصيني.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لكن يظل جذبهم مشروطاً بتوفير البنية التحتية، المتمثلة في الموانئ، بحسب المتحدث، إذ تأخر مشروع ميناء المياه العميقة، مقابل توفره لدى المنافسين من دول الجوار.
وعن تنافسية تونس في مجال اليد العاملة، أجاب دباش أن المهندسين التونسيين يظلون الأفضل من جهة الكلفة، بالنظر إلى المؤهلات المتوفرة مقارنة بآسيا وأوروبا الشرقية والمغرب، بخاصة في مجال البرمجيات، التي تُعد قوام السيارات الكهربائية، لكنه اشترط محاربة هجرة المهندسين، إذ تشهد تونس نزفاً مقلقاً في هذا المجال. كانت عمادة المهندسين التونسيين كشفت أن 39 ألف مهندس من مجموع 90 ألف مهندس مسجلين هاجروا، أي نحو 43 في المئة، بمعدل مغادرة 20 مهندساً يومياً نحو أوروبا. ومن جهة أخرى، أشار دباش إلى ضرورة العمل على الانتقال الطاقي للحفاظ على التنافسية في كلفة الإنتاج.
نقص اليد العاملة
في حين يعاني القطاع نقصاً كبيراً في اليد العاملة خلال الأعوام الأخيرة، بحكم نمو الوحدات وتوسعها، علاوة على عدم ملاءمة التكوين الأكاديمي التقني في المستوى المتوسط مع سوق الشغل، مما يتسبب في تعويل المصنعين على القيام بمهمة التكوين، وفق عضو الجمعية التونسية لمصنعي مكونات السيارات صبري براهم، الذي أضاف أنه على رغم تشغيل القطاع ما يناهز 15 ألف مهندس وإطار، فإنه يشكو من إشكالات تتعلق بتوفر العمالة المختصة وغير المختصة، بسبب عوامل ديموغرافية، وأشار إلى نقص المهارات الفورية في سوق العمل، مما دفع إلى إطلاق مبادرة لإشراك الشركات بشكل أكبر في تنمية المهارات والتدريب، ومن هذا المنطلق، أسست أكاديمية إدارة السيارات التونسية في صلب جمعية مصنعي مكونات السيارات.