Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جني الزيتون في تونس: أيادي الشباب تمتنع وتبتعد

لجأ أصحاب الأراضي إلى تشغيل يد عاملة أجنبية وبخاصة من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء في الجني والفرز وحتى في المعاصر

بدأ موسم الجني مرتبكاً على رغم بوادر المحصول الجيد والذي يقدر أن يصل إلى 500 ألف طن وفق تقديرات أولية (اندبندنت عربية)

ملخص

قال أحد الفلاحين "فقدنا كثيراً من التقاليد والأجواء الجميلة التي ترافق موسم الجني، من غناء ورقص وغيرهما من مظاهر الفرح".

جني الزيتون في تونس ليس مجرد موسم فلاحي عابر، بل يمثل طقساً اجتماعياً يعكس علاقة التونسي الوطيدة بهذه الثمرة، ويختزل عاماً كاملاً من الجهد والعمل والصبر. إلا أن هذا الموعد السنوي أصبح خلال الأعوام الأخيرة يواجه صعوبات متزايدة، أبرزها النقص الحاد في اليد العاملة المحلية. فكثير من الشباب هجروا القرى نحو العاصمة أو هاجروا إلى أوروبا للبحث عن حياة أفضل، فيما يرفض آخرون العمل الموسمي لما يتطلبه من جهد مقابل أجر محدود، مما أدى إلى ضياع جزء من المحصول.

أمام هذا الواقع، لجأ أصحاب الأراضي إلى تشغيل يد عاملة أجنبية بخاصة من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء، في الجني والفرز وحتى في المعاصر. ويرى باحثون في علم الاجتماع أن هذه الظاهرة كشفت عن تحولات ديموغرافية جديدة من أبرزها تراجع العمالة المحلية في القطاعات الشاقة، مقابل تزايد الاعتماد على عمالة أجنبية قد تتوسع أكثر في المستقبل.

وعادة ينطلق الجني من أكتوبر (تشرين الأول) إلى نوفمبر (تشرين الثاني) ويستمر أحياناً إلى يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط)، وذلك بحسب الجهة ونوعية الزيتون وغرض الجني. ويعد هذا الموسم في العادات التونسية "عرساً عائلياً" يجمع كل أفراد العائلة كباراً وصغاراً.

الصورة لم تعد بذلك الجمال

يروي محسن، صاحب حقل زيتون في مدينة جرجيس جنوب شرقي تونس، تجربته في جني الزيتون يقول إنها "تغيرت خلال الأعوام الأخيرة بعدما كانت مرتبطة بالعائلة من خلال مشاركة جميع الأخوة وأبنائهم في الجني الذي كان يعد لقاءً يجمع الأحباء. وتابع بشيء من الحسرة "اليوم تغير الوضع تماماً والصورة لم تعد بذلك الجمال، فكل شباب العائلة هاجروا إلى أوروبا أو انتقلوا إلى العاصمة من أجل الدراسة أو للالتفات لمستقبلهم ومصدر عيشهم. كبار السن لا رغبة لهم ولا طاقة للمشاركة في هذا الموسم".

يواصل الرجل الخمسيني متحدثاً عما وصفه بالمشوار المضني الذي يعيشه خلال كل موسم، وذلك في البحث عن عمال يجمعون الزيتون من شجره ويفرزونه، يقول "إلى أن وجدت الحل الأفضل وهو الاعتماد على عمال من أفريقيا جنوب الصحراء على غرار كوديفوار وأيضاً من السودان"، مضيفاً "أنقذوا الموسم، بخاصة أنهم يعملون بكد وجد لجمع بعض المال"، ورأى أنه "ربما وجدنا الحل لجمع المحصول لكن فقدنا كثيراً من التقاليد والأجواء الجميلة التي ترافق موسم الجني من غناء ورقص وغيرهما من مظاهر الفرح".

كنزنا الحقيقي

أما السيدة عائشة، من محافظة باجة شمال تونس، فتقول إنهم ما زالوا يعتمدون على أفراد العائلة الموسعة لجمع الزيتون مع بعض العمال الموسميين من قريتهم. وتضيف أن موسم الزيتون بالنسبة إليهم "موعد سنوي تعتمد عليه حياتنا"، وفسرت قائلة "الزيتون كنزنا الحقيقي الذي لا يمكن أن نفرط فيه على رغم كل الصعوبات".

وتحدثت عائشة عن طقوس الجمع والفرز وعن الأجواء الجميلة التي يقضونها في الحقول منذ ساعات الصباح الأولى وعن الأطباق التي يحضرونها للفطور والغداء، وهي أطباق تُعرف بها الجهة على غرار خبز "الملاوي" وخبز "الطابونة" وطبق "الكسكس"، وكلها أطباق تطبخ على الحطب أثناء الجني ولها مذاق خاص.

إلا أن عائشة لم تخف امتعاضها من تغير عقلية الشباب في القرية، فمعظمهم وفق تعبيرها لا يعيرون أهمية كبيرة للفلاحة ولا يقدرون قيمة الزيتون الذي وصفته بالذهب الأسود.

وعبرت عائشة عن خوفها من المستقبل في ظل الهجرة المستمرة للشباب وتغير علاقتهم الوطيدة بالأرض والزراعة عموماً، التي أصبحت لهم بمثابة عطلة يقضونها للتنزه في قراهم وبين عائلاتهم، ولم تعد تلك الركيزة الاقتصادية التي يعول عليها كل أفراد العائلة، وفق تعبيرها.

إلا أن موسم جني الزيتون ما زال يمثل داخل مناطق تونسية عدة فترة الانتعاشة المادية، فعدد من العائلات التي تملك حقول زيتون تربط كل مشاريعها وحتى أفراحها العائلية كالزواج والبناء وغيرهما بالربح الذي تجنيه من بيع المحاصيل.

ويوجد في تونس ثاني أكبر حقل زيتون في العالم بصفاقس جنوب تونس ويضم نحو مليوني شجرة، وهذا الكم الهائل من الأشجار يتطلب يداً عاملة مكثفة خلال وقت محدد حتى لا يجف الزيتون على الشجر. هذا الهاجس أصبح يخيف أصحاب الحقول الذين يواجهون صعوبة في إيجاد عمال، مما جعل بعضهم يعتمد على اليد العاملة الأجنبية وبخاصة الأفارقة.

قلب الحراك

يفيد أستاذ الديموغرافيا في الجامعة التونسية حسان قصار بأن "اليد العاملة التونسية في قطاعات مثل الفلاحة والبناء شهدت تقلصاً ملحوظاً خلال الأعوام الأخيرة، لتعوض تدريجاً بعمالة أجنبية معظمها من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء". ويرجع هذا التحول إلى ديناميكيات سوق العمل العالمية، إذ تسعى اليد العاملة إلى مواقع توفر أجوراً أفضل. وتونس بحسب قصار تقع جغرافياً في قلب هذا الحراك بين أفريقيا وأوروبا، وتعيش البلاد اليوم مرحلة ديموغرافية ثالثة أقرب للنموذج الأوروبي الذي يعاني بدوره الحاجة الملحة لليد العاملة الأجنبية، في حين لا تزال بلدان أفريقيا جنوب الصحراء في مراحلها الديموغرافية الأولى.

ومن هذا المنطلق، يرى قصار أن تونس في حاجة إلى عمال أجانب وأن "هناك قطاعات داخل البلاد في حاجة إلى هذه العمالة الأجنبية، لأن اليد العاملة التونسية رفضت العمل في تلك المهن". وذكر حادثة عاشها في باريس حين التقى متسولاً تونسياً، وعند الحديث معه عرف أنه وحيد عائلته ويرث 35 ألف هكتار من أشجار الزيتون وأنه لا يعرف شيئاً عما تجنيه أرضه ولا عن المحصول، بالتالي استغرب قصار لجوء بعض الشباب للهجرة إلى أوروبا والعمل في مهن شاقة وترك العمل في بلدهم وحقولهم، مندداً بتفريط بعض الفلاحين الصغار في أراضيهم لمصلحة مستثمرين كبار.

كذلك يرى حسان قصار أن أهمية جني الزيتون في بعض المناطق ولدى بعض العائلات لم تعد كما كانت، وتبددت تلك العادة السنوية التي تعتمد عليها العائلة للحصول على مردود مالي.

وضمن سياق متصل، حذر قصار من أن نتائج التعداد السكاني تظهر توجه المجتمع التونسي نحو الشيخوخة، وهذا يؤثر سلباً في تقلص اليد العاملة ضمن مجالات عدة. وأضاف أن البلاد تواجه مشكلة "تجديد أجيال"، ويرى أن تسوية وضعية إقامة بعض الأجانب الذين تتوافر فيهم الشروط ضرورية.

وأظهرت نتائج التعداد الذي أجري خلال نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي أن الحصيلة الديموغرافية تقدر بنحو 12 مليون مقيم في تونس، أيضاً بلغت نسبة النمو الديموغرافي 0.87 في المئة وهي الأضعف منذ الاستقلال.

وعرفت تونس تدفقاً قياسياً للمهاجرين من دول جنوب الصحراء، رغبة في العبور نحو أوروبا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

موسم مرتبك على رغم الوفرة

إلا أن هذا العام بدأ موسم الجني مرتبكاً على رغم بوادر المحصول الجيد، والذي يُمكن أن يصل إلى 500 ألف طن وفق تقديرات أولية. إذ تبعت الموسم احتجاجات عدة من قبل المزارعين يقودها رئيس لجنة الفلاحة بالبرلمان التونسي بلال المشري، الذي دعا إلى وقف جني محاصيل الزيتون بعد انهيار أسعار الزيت، مطالباً الحكومة بالتدخل العاجل من أجل حماية المحاصيل من المضاربة والتلاعب بالأسعار لفائدة أسواق أجنبية منافسة.

واتهم رئيس لجنة الفلاحة في مجلس نواب الشعب بوجود لوبيات تتآمر ضد مصالح المنتجين المحليين لفائدة مضاربين يسعون إلى شراء الزيت من المنتجين بسعر بخس، وإعادة بيعه للمصدرين بأثمان مرتفعة.

وأعلن مزارعون من محافظات تونسية عدة الاستجابة لحملة تعليق موسم جني الزيتون.

وضمن السياق ذاته، أكد الرئيس التونسي قيس سعيد ضرورة تذليل جميع الصعوبات أمام صغار الفلاحين على وجه الخصوص، لا سيما لجهة عصر الزيتون وتخزينه وتسويقه.

وتابع سعيد "ذلك يتم بتضافر كل الجهود من الجهات المعنية كافة وابتكار إجراءات جديدة وإقرار خطوط تمويل ميسرة والبحث عن أسواق جديدة وتحديد سعر مرجعي يجد فيه الفلاحون حقوقهم كاملة، وذلك بعدما منَّ الله على بلادنا بمحصول زيتون قياسي".

جاء ذلك وفق بيان صادر عن رئاسة الجمهورية، عقب لقاء جمع سعيد برئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري ووزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري عزالدين بالشيخ.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات