ملخص
ربما تكون قصة ملفات إبستين مجرد بداية نحو جهود إصلاحية مماثلة لتلك التي أعقبت فضيحة "ووترغيت" في منتصف سبعينيات القرن الماضي، عندما أدرك الأميركيون أن القوانين كانت ضعيفة للغاية لحمايتهم من رئيس يعتقد أنه يستطيع الإفلات من العقاب، وإذا أسهمت كل الحقائق المروعة التي يتم كشفها عن إبستين ودائرته في دفع عجلة الإصلاح، فسيكون ذلك أفضل، لأن الطريق لا يزال طويلاً.
تظهر الوثائق القليلة التي كشفت عنها وزارة العدل الأميركية من ملفات جيفري إبستين المدان بجرائم جنسية وما تضمنته من إبراز لاسم الرئيس السابق بيل كلينتون، بينما لم يذكر اسم الرئيس دونالد ترمب إلا نادراً مع إزالة إحدى صوره من موقع الوزارة، أن القضية الأكثر إثارة للجدال حالياً في الولايات المتحدة لا تزال مفتوحة والطريق لا يزال طويلاً والحقيقة غائبة، لكن أي شيء يبقي اسم إبستين وملفاته في عناوين الأخبار، سيُسيء على الأرجح إلى صورة ترمب، فما مصير هذه الملفات؟ وهل ستحقق العدل للضحايا أم سيفلت أصحاب النفوذ والثروة من العقاب؟
كثيرة لكن قليلة!
إذا كانت ملفات جيفري إبستين التي سمحت وزارة العدل الأميركية بالكشف عنها، مساء الجمعة الماضي، تصل إلى 13 ألف ملف موزعة على 100 ألف صفحة، فهي بالمقاييس العددية كثيرة، وتحتاج إلى وقت وجهد كبير لتمحيصها، لكن إذا قورنت بحجم الصفحات الإجمالي لملفات إبستين، والذي قال تود بلانش نائب المدعي العام إنها تصل إلى نحو مليون صفحة سيتم الكشف عنها تباعاً، فلا شك في أن ما وصل إلى الشعب الأميركي من معلومات وحقائق حتى الآن يصبح قليلاً للغاية.
ولهذا، كان من الطبيعي أن ترتفع نبرة الجدل والتشكيك في تحرك وزارة العدل الأخير ومدى التزامها روح ونص القانون الذي وافق عليه الكونغرس بمجلسيه الشهر الماضي ووقعه ترمب نفسه، إذ ألزم هذا القانون وزارة العدل بالكشف عن الملفات كافة بشفافية قبل الموعد النهائي، وهو منتصف ليل الجمعة، بينما تقول الوزارة إنها لم تنتهِ من نشر الملفات، وإن آلاف الملفات الأخرى ستنشر لاحقاً خلال الأسابيع المقبلة بموجب القانون، ومع ذلك يسمح القانون للإدارة بحجب السجلات التي يمكن من خلالها التعرف على الضحايا أو تتضمن صوراً للاعتداء الجنسي على الأطفال، ويسمح أيضاً بحجب السجلات إذا كانت مصنفة لأسباب أخرى أو إذا كانت ستعرض تحقيقاً فيدرالياً نشطاً للخطر.
مزيد من الشكوك
لكن الشكوك حول ما إذا كانت الإدارة الأميركية ملتزمة الشفافية لا تزال تتصاعد على رغم تأكيدات وزارة العدل التي تقودها حليفة ترمب بام بوندي بشفافيتها، ويعود السبب وراء ذلك إلى أن ترمب الذي حارب بشدة على مدى أشهر نشر ملفات إبستين، واصفاً إياها بأنها خدعة من الديمقراطيين، وهدد بمعاقبة أعضاء الكونغرس الجمهوريين الذين صوتوا إلى جانب الديمقراطيين للسماح بنشرها، لم يذكر اسمه إلا نادراً في المواد التي نشرت الجمعة.
ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان اسمه سيظهر بصورة أوسع في الملفات التي ستنشر لاحقاً، وما إذا كانت وزارة العدل قد اختارت الدفعة الأولى مع مراعاة الاعتبارات السياسية، وهذا يختلف تماماً عن الدفعة الأخيرة من الملفات التي نشرتها لجنة الرقابة الديمقراطية في مجلس النواب الشهر الماضي، حيث ورد اسم ترمب في تلك الدفعة أكثر من 1000 مرة.
كذلك فإن معظم صور ترمب التي نشرت الجمعة كان سبق نشرها بالفعل، بما في ذلك صور له ولزوجته ميلانيا مع إبستين وشريكته في الجريمة غلين ماكسويل، التي تقضي عقوبة 20 عاماً في سجن فيدرالي لمساعدتها إبستين في الاتجار بالفتيات القاصرات، ويستغرب البعض كيف لم يذكر إلا قليلاً اسم ترمب الذي كان صديقاً مقرباً من إبستين في الملفات على رغم الإشارات المكتوبة التي وردت عن الرئيس الأميركي في دفتر عناوين إبستين وسجلات رحلاته الجوية، إضافة إلى دفتر رسائل كان مساعدو إبستين يستخدمونه لإبلاغه بالمكالمات الهاتفية الماضية.
حذف صورة جدلية
غير أن ما زاد الوضع سوءاً بالنسبة إلى وزارة العدل حذفها السبت 16 صورة من الموقع الإلكتروني الذي أنشأته الوزارة، ومن بينها صورة لترمب ظهرت داخل درج مفتوح يحوي صوراً أخرى في خزانة بمنزل إبستين في مانهاتن، وفي حين لم تفسر وزارة العدل على الموقع سبب إزالة الصور، أكد تود بلانش نائب المدعي العام في حديث لشبكة "سي بي أس" أنه لا علاقة للأمر بالرئيس ترمب، مشيراً إلى أنه من السخافة حذف صورة واحدة بسبب الرئيس.
لكن الديمقراطيين في لجنة الرقابة في مجلس النواب سارعوا إلى استغلال صورة ترمب المفقودة، وأعادوا نشرها على وسائل التواصل الاجتماعي، وسألوا المدعية العامة بام بوندي عما إذا كان صحيحاً أنه تم حذف الصورة متسائلين عما تخفيه إدارة ترمب أيضاً، بينما يحتاج الجمهور الأميركي إلى الشفافية.
وتظهر 12 صورة أخرى من الصور المفقودة غرفة التدليك سيئة السمعة في الطابق الثالث من قصر إبستين في نيويورك، والتي تقع في الردهة المجاورة لغرفة نوم إبستين، المكان الذي يقول المحققون إن عديداً من اعتداءاته الجنسية وقعت فيه، وبعضها ضد ضحايا مراهقات، وأظهرت صور غرفة التدليك التي تم حذفها لوحات وصوراً لنساء عاريات، بعضها تم حجب وجوههن، لكن صوراً وأعمالاً فنية أخرى تظهر نساء عاريات بقيت على الموقع، وبقيت بعض صور غرفة التدليك، بما في ذلك الصور العارية.
غموض متواصل
إضافة إلى ذلك لم تضف الملفات المنشورة التي تضمنت آلاف الصور ووثائق التحقيق، كثيراً إلى فهم الجمهور لسلوك إبستين، ولم تقدم المواد كثيراً من المعلومات الإضافية حول علاقات إبستين برجال الأعمال والسياسيين الأثرياء والأقوياء الذين كانوا على صلة به، بينما ظل عديد من الوثائق محجوباً، والتي تضمنت سجلات هاتفية وسجلات سفر وما بدا أنها ملفات قضايا تتضمن مقابلات مع بعض ضحايا إبستين من النساء وبعضهن كن قاصرات، أي ما دون الـ18 من العمر، بل كان بعضهن في الـ12 والـ13 وفقاً للتحقيقات التي استمدت منها المواد المنشورة.
وتعود هذه التحقيقات مع إبستين إلى تحقيق أولي فتحته الشرطة في بالم بيتش بولاية فلوريدا عام 2005، كما كانت هناك ملفات من تحقيق لاحق أجراه المدعون الفيدراليون في فلوريدا أيضاً وانتهى عام 2008 باتفاق تسوية، وتحقيق نهائي أجراه المدعون في مانهاتن عام 2019 خلال ولاية ترمب الأولى ولم يحسم أبداً، نظراً إلى وفاة إبستين الذي وجدت جثته مشنوقاً في السجن، بينما كانت القضية لا تزال قيد النظر فيما وصفه الطبيب الشرعي بأنه انتحار، وهو ما ظل يثير كثيراً من نظريات المؤامرة على مواقع التواصل الاجتماعي.
هل كان كلينتون كبش فداء؟
في مقابل غياب اسم ترمب من الملفات إلا نادراً، لاحظ الجميع الحضور البارز لاسم الرئيس السابق بيل كلينتون، وسواء كان ذلك مقصوداً أم محض صدفة، فقد كان عديد من الصور المدرجة في الملفات تظهر كلينتون، وهو أحد أبرز خصوم ترمب السياسيين، ومن بينها صورة واضحة تظهره مستلقياً في حوض استحمام ساخن مع امرأة تم حجب وجهها، وفي عديد من صور كلينتون، كان هو الشخص الوحيد الذي يمكن التعرف على هويته بينما تم حجب الآخرين في الصور نفسها ومن دون أن تقدم الملفات سياقاً يذكر للصور.
ومع ذلك، سعى البيت الأبيض إلى استغلال نشر صور كلينتون سياسياً، إذ كتبت أبيغيل جاكسون، المتحدثة باسم البيت الأبيض، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي فوق صورة كلينتون في حوض الاستحمام الساخن "لقد رأينا شيئاً ما، لكن ليس ما كنتم تتوقعونه"، في إشارة إلى صور ترمب، مما دفع المتحدث باسم كلينتون إلى اتهام البيت الأبيض بتدبير نشر الصور لصرف الانتباه عن علاقة ترمب نفسه بإبستين، مشيراً إلى أن الأمر يتعلق بحماية أنفسهم مما سيأتي لاحقاً، أو مما سيحاولون إخفاءه إلى الأبد.
وما يزيد من شبهة الاستهداف العمدي حول نشر صور كلينتون أنها جاءت بعد شهر واحد من أمر ترمب الصادر لوزارة العدل بالتحقيق في أي صلات بين ديمقراطيين بارزين من بينهم كلينتون مع إبستين، مما دفع المدعية العامة بام بوندي إلى سرعة تنفيذ تعليمات ترمب بتكليف جاي كلايتون، المدعي العام الأميركي في مانهاتن بتولي القضية، ومع ذلك لم يجب نائب المدعي العام تود بلانش (محامي ترمب السابق) عما إذا كان تحقيقاً قد بدأ مع كلينتون حول هذه القضية.
قضية مستمرة
من المؤكد أن قضية الشفافية المتعلقة بملفات إبستين التي لاحقت ترمب أشهراً عدة، لن تنتهي قريباً، وستظل على الأرجح مستمرة لأشهر عدة في العام المقبل، وهو عام انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، وهذا قد يعقد الأمور كثيراً بالنسبة إلى الجمهوريين، بخاصة أن هذه الفضيحة السياسية تتجاوز بكثير السياسة اليومية، حيث يشعر الديمقراطيون وبعض الجمهوريين الذين تحدوا ترمب بالرضا عن أنفسهم لدورهم في تسليط الضوء على القصة والضغط من أجل الإفراج عن الملفات.
وعلى رغم أن الدافع وراء كثيرين كان حسابات سياسية بسيطة، فإن الصداقة التي جمعت ترمب بإبستين على مدى سنوات، تؤكد أن أي شيء يبقي اسم إبستين في الأخبار سيُسيء إلى صورة الرئيس، في وقت من المرجح أن تكشف فيه بعض الوثائق عن معلومات أو علاقات جديدة، مما يفتح آفاقاً جديدة للصحافيين لاستكشافها، على رغم أن المواد التي نشرت حتى الآن لم تشر إلى أن المشاهير الذين جذبهم إبستين إلى دائرته، من رجال الأعمال والسياسيين والصحافيين ونجوم موسيقى الروك كانوا على علم أو متورطين في أنشطة إبستين غير المشروعة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أسئلة مشروعة
لكن أسئلة مشروعة تطرح نفسها بقوة الآن داخل المجتمع الأميركي، من بينها: كيف أفلت إبستين من العقاب على انتهاكاته فترة طويلة؟ ولماذا لم تطبق عليه القوانين؟ ولماذا لم يفقد مكانته بين أصحاب النفوذ حتى بعد إدانته للمرة الأولى؟
ربما يكون من الصعب العثور على إجابات سهلة، لكن قصة إبستين تدور في جوهرها حول نفوذ وقوة أصدقاء إبستين من جانب، والعجز والضعف الذي اتسمت به ضحاياهم من النساء من جانب آخر، وتدور أيضاً حول المساءلة التي يفرضها القانون، والإفلات من العقاب الذي اتضح على طول خط هذه القضية على مدى ربع قرن تقريباً.
وعندما تكشف جرائم مثل انتهاكات إبستين، وبخاصة مع وجود شخصيات بارزة كانت متواطئة، أو كان ينبغي عليها أن ترى وتبلغ السلطات عما غضت الطرف عنه، فإن ذلك يتيح فرصة لتعزيز القيم ويستجيب لتطلعات الشعب الأميركي في نوع المجتمع الذي يرغب فيه، بخاصة أن الجمهوريين الأكثر ميلاً إلى نظرية المؤامرة كانوا على مدى سنوات هم الأكثر اهتماماً بقضية إبستين الذي كان تجسيداً حياً لنظرية مؤامرة مجموعة "كيو أنون" التي تزعم أن العالم تسيطر عليه عصابة من القتلة وعبدة الشيطان من المتحرشين بالأطفال الذين يختطفون الأطفال ويقتلونهم لشرب دمائهم، وعندما توفي إبستين في سجن فيدرالي عام 2019، اقتنع كثر من اليمين بأن إبستين كان المفتاح لكشف شيء أكبر بكثير، مؤامرة شاملة ذات نطاق وشر لا يصدق.
وعندما ماطلت إدارة ترمب في نشر الملفات، وطالب الرئيس في يوليو (تموز) الماضي بعدم إضاعة الوقت والطاقة على جيفري إبستين الذي لا يهتم به أحد على حد وصفه، شعر عديد من الموالين لترمب بالخيانة، وصرحوا بذلك بصوت عال، على رغم أن الرئيس استمر في حث الجمهوريين على عدم الانصياع لما ادعى أنه خدعة ديمقراطية، غير أن جهود نشر الملفات اكتسبت زخماً، مدفوعة بضحايا إبستين والميل البشري إلى الفضول لمعرفة ما يحاول الأقوياء إخفاءه.
الخزي والعار
لم تكن الملفات التي نشرت حديثاً هي المصدر الوحيد للمعلومات التي يمكن للجمهور الوصول إليها في شأن إبستين، فقد نشر الديمقراطيون في الكونغرس صوراً من تركة إبستين، تتضمن صوراً لأشخاص مثل مؤسس شركة "مايكروسوفت" الملياردير بيل غيتس، ومستشار ترمب السابق ستيف بانون، وعالم السياسة المفكر نعوم تشومسكي على متن طائرة إبستين أو خلال وجودهم في ممتلكاته، لكن على رغم أن هذا لا يثبت أنهم ارتكبوا جرائم أو كانت لديهم معرفة مسبقة بأفعاله، فإن هذا محرج للغاية بالنسبة إليهم، وإذا كنت صديقاً لإبستين، فعليك أن تتوقع أنك تستحق الخزي والعار بسبب أفعاله المشينة، مما يلحق الضرر بدائرته ويثير شبهات كثيرة حول سلوكهم.
وعلى سبيل المثال لم يتهم لاري سامرز، الاقتصادي الأكثر نفوذاً في أميركا خلال العقود القليلة الماضية، بارتكاب أي جريمة جنائية بسبب صلاته بإبستين، لكن محتوى رسائل البريد الإلكتروني الودية بينه وبين إبستين، بما في ذلك طلب نصيحة إبستين حول كيفية إقناع طالبة شابة بإقامة علاقة معه، كان مقززاً لدرجة أن الكشف عن ذلك أدى إلى طرده من منصبه ولم يعد يدرس في جامعة "هارفرد"، وحظرته الجمعية الاقتصادية الأميركية مدى الحياة.
مجرد بداية
قد يكون استغلال الرجال الأثرياء والأقوياء من أصحاب السلطة للناس وإساءة معاملتهم من دون عقاب قصة قديمة، لكن المجتمع الأميركي بصورة عامة وليس فقط الديمقراطيين والجمهوريين، لا يريدون السماح بقبول ذلك على أنه أمر لا مفر منه، وإذا كان كشف كل علاقات إبستين سيجعل بعض الرجال الأقوياء أقل ميلاً للاعتقاد بأنهم سيفلتون دائماً من العقاب على أفعالهم المشينة، فسيكون ذلك في مصلحة الجميع، ولو كان الأثرياء والأقوياء أكثر اقتناعاً بأن قواعد المجتمع وقوانينه ومعاييره تنطبق عليهم أيضاً، لعاش الجميع في عالم أكثر عدلاً.
ربما تكون قصة ملفات إبستين مجرد بداية نحو جهود إصلاحية مماثلة لتلك التي أعقبت فضيحة "ووترغيت" في منتصف سبعينيات القرن الماضي، عندما أدرك الأميركيون أن القوانين كانت ضعيفة للغاية لحمايتهم من رئيس يعتقد أنه يستطيع الإفلات من العقاب، وإذا أسهمت كل الحقائق المروعة التي يتم كشفها عن إبستين ودائرته في دفع عجلة الإصلاح، فسيكون ذلك أفضل، لأن الطريق لا يزال طويلاً.