Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عجز الحساب الجاري الأميركي يتسع وسط ضعف في الدولار

التعريفة الجمركية لم تقلصه كثيراً وانسياب الأموال من الخارج في مرمى التهديدات

في الربع الأول من هذا العام استورد الأميركيون بكثافة لتخزين السلع والبضائع تحسباً لبدء تنفيذ التعريفة الجمركية (اندبندنت عربية)

ملخص

لا تبدو سياسات الإدارة الأميركية قادرة على وقف اتساع هوة عجز الحساب الجاري، إذ إنها لا تقلل من الطلب في الاقتصاد مقابل زيادة الإنتاج.

باستثناءات قليلة، لا توجد دولة لا تعاني عجز الحساب الجاري بدرجة أو بأخرى، حتى بين الدول الكبرى ذات الاقتصادات المتقدمة، لا يوجد سوى عدد قليل جداً لا يعاني عجزاً في الحساب الجاري، إذ إن غالب تلك الدول تنفق أكثر من دخلها، ويختلف عجز الحساب الجاري عن عجز الميزان التجاري، وإن كان الأخير يشكل جزءاً منه.

عجز الحساب الجاري هو الفارق في نظام المدفوعات، أي إن بلداً ما ينفق على السلع والخدمات والاستثمارات أكثر مما يجني من الصادرات وانسياب الأموال إليه من الخارج، أو ببساطة يستهلك البلد أكثر مما ينتج ويعيش بطريقة من ينفق أكثر مما يجني.

ويمول العجز ببيع الأصول والاستدانة من الخارج، لذا تعتمد الدول التي لديها عجز في الحساب الجاري على رؤوس الأموال الأجنبية، وكلما زاد العجز، زاد ذلك الاعتماد على انسيابها إليها.

من بين الاقتصادات الكبرى المتقدمة يعد عجز الميزان الجاري للولايات المتحدة الأكبر، ليس لأن لديها أكبر اقتصاد في العالم من حيث الحجم فحسب، إنما لأن مرونة اقتصادها تسمح لها بالعيش بأكثر من دخلها اعتماداً على التمويل الخارجي.

ومع نهاية العام نشرت صحيفة "فاينانشيال تايمز" مجموعة جداول أرقام ورسوم بيانية عن الاقتصادات الكبرى توضح مشكلة عجز الحساب الجاري الأميركي ومخاوف زيادة اعتماده على انسياب الأموال من الخارج.

تباين العجز

من بين الدول ذات الاقتصادات الكبيرة تعد بريطانيا ثاني دولة تعاني عجزاً كبيراً في الحساب الجاري بعد الولايات المتحدة، تليها كندا.

وعلى رغم أن الصين لديها ثاني أكبر اقتصاد في العالم، ولديها فائض هائل في الميزان التجاري مع العالم، فإن فائض الحساب الجاري لديها أقل من ألمانيا واليابان على سبيل المثال.

إنما الأكثر إثارة للقلق هو عجز الحساب الجاري الأميركي، ليس بسبب حجمه، وإنما بسبب التأثير المتوقع لضعف قيمة الدولار وللتعريفة الجمركية التي فرضتها إدارة الرئيس دونالد ترمب على الشركاء التجاريين.

بحسب ما يتضح من بيانات جداول "فاينانشيال تايمز" فإن التعريفة الجمركية التي قد تكون خفضت العجز التجاري قليلاً في الربع الثاني من العام، لم تؤثر بصورة واضحة في عجز الحساب الجاري، أي الفارق بين ما تنفقه أميركا في الخارج مقابل ما ينفقه الأجانب في أميركا.

في الربع الأول من هذا العام، استورد الأميركيون بكثافة لتخزين السلع والبضائع تحسباً لبدء تنفيذ التعريفة الجمركية، ودفع ذلك بعجز الحساب الجاري إلى نسبة 5.9 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، ثم تراجع الاستيراد بوضوح، نتيجة مخزون المستورد من البضائع والسلع، ليجعل عجز الحساب الجاري عند نسبة 3.3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما لا يختلف إلا قليلاً عن العام السابق.

يرى تيم بيكر من مصرف "دويتشه بنك" أن سبب الزيادة في عجز الحساب الجاري الأميركي مقارنة بالاقتصادات الكبرى الأخرى يرجع إلى قوة سعر صرف الدولار، إلا أن حملة الرئيس الأميركي ترمب لإضعاف الدولار وخفض عجز الميزان التجاري هي "سلاح ذو حدين".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بحسب رأي المحلل في شركة "براون براذرز هايمان" إلياس حداد فإن "جهود إدارة ترمب لخفض العجز التجاري الأميركي تعني تقليص كمية الدولارات المنسابة إلى الخارج، وهو ما يعني انخفاض كمية الدولارات التي يعاد استثمارها من الخارج في أميركا عبر شراء سندات الدين والأوراق المالية الأميركية".

يعتمد تمويل عجز الحساب الجاري على صافي انسياب رؤوس الأموال الأجنبية من الخارج إلى أميركا، وبحسب تقديرات تيم بيكر، فإن انسياب تلك الأموال الذي بلغ نسبة اثنين في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العام الماضي هو ما أسهم في تقليل حجم عجز الحساب الجاري بقدر ما.

الدولار والتعريفة الجمركية

مع خفض الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي) الأميركي سعر الفائدة مجدداً هذا الشهر، يواصل سعر صرف الدولار التراجع، ومع عزم الرئيس ترمب الإعلان، ربما الشهر المقبل بعد عطلات عيد الميلاد ورأس السنة، عن مرشحه لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي خلفاً لرئيسه الحالي جيروم باول سنشهد مزيداً من التيسير النقدي، فالرئيس القادم للبنك المركزي سيعتمد مساراً أسرع لخفض سعر الفائدة، بالتالي تنخفض قيمة الدولار أكثر.

وهنا تأتي المخاوف مما إذا كان خفض قيمة الدولار سيؤدي إلى مزيد من انسياب الأموال من الخارج إلى الاقتصاد الأميركي أم لا، ويعتمد حجم عجز الحساب الجاري ونسبته من الناتج المحلي الإجمالي على هذا الانسياب من الخارج لرؤوس الأموال، بخاصة في ظل زيادة خروج رؤوس الأموال إما نتيجة التخلص من مراكز دولارية للمستثمرين الأجانب أو لارتفاع كلفة الواردات مع فرض التعريفة الجمركية والردود الانتقامية عليها.

في مقال تحليلي لها على موقع "بروجيكت سينديكيت" كتبت كبير الاقتصاديين في البنك الدولي سابقاً والنائب الأول السابق لمدير صندوق النقد الدولي آن كروغر عن كيف أن التعريفة الجمركية لم تغير من مسار التراجع الاقتصادي الأميركي على عكس ما تقول إدارة ترمب.

ترجع كروغر زيادة عجز الحساب الجاري إلى الفارق بين إجمالي الطلب وإجمالي الإنتاج في الاقتصاد، وترى أنه "بمرور الوقت لا يمكن لفرض التعريفة الجمركية خفض العجز التجاري ما لم ينخفض إجمال الإنفاق مقارنة بالإنتاج".

لا تبدو سياسات الإدارة الأميركية قادرة على وقف اتساع هوة عجز الحساب الجاري، إذ إنها لا تقلل من الطلب في الاقتصاد مقابل زيادة الإنتاج، وحتى بالنسبة إلى العجز التجاري، ترى كروغر أنه "ارتفع في الأشهر التسعة الأولى من عام 2025 بنسبة 17 في المئة مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2024".

تتركز المخاوف في شأن اتساع فجوة العجز في الحساب الجاري الأميركي على مدى زيادة انسياب رؤوس الأموال إلى أميركا، وهو المصدر الأساس لتمويل ذلك العجز، فمن غير الواضح أن كانت السياسات الحالية للإدارة الأميركية تشجع على انسياب رؤوس الأموال من الخارج أم خروجها في الاتجاه العكسي نتيجة فقدان الثقة.

اقرأ المزيد

المزيد من أسهم وبورصة