ملخص
أول ما يفكر فيه جمهور مسرحية "راديو ترانزستور" هو أن المسرح اللبناني خرج أخيراً من تحت عباءة ثيمات الحرب اللبنانية و"كليشيهات" الطائفية وقضايا الهجرة التي تظهر في معظم العروض الحالية. وأول ما يسعد الجمهور الذي يشاهد "راديو ترانزستور" هو أن العرض خلع عن نفسه قضية الخيانة الزوجية التي باتت معالجتها مبتذلة أخيراً في أعمال متعددة، وترك قضايا أخرى باتت مستسهلة ومستساغة لدى الكتاب والمسرحيين المعاصرين لينتقل إلى مكان إنساني عام وحقيقي.
في مجتمع فقد فيه الإنسان إحساسه بالآخر وفقد اهتمامه بغيره وتعاطفه معه على رغم ازدياد التهافت على "وسائل التواصل "، تأتي هذه المسرحية بما فيها من خيال علمي ومواكبة للعالم بتكنولوجيته وعصريته وحواراته الإنسانية، لتضع الإصبع على معارك المرء وأوجاعه وخساراته الداخلية.
في عمل مشترك كتابة وإخراجاً وتمثيلاً بين أدون خوري ويارا زخور، تجسد مسرحية "راديو ترانزستور" التي تعرض على مسرح "مونو"، قضايا أكبر من الداخل اللبناني وحده لتطاول ذات الإنسان في المجتمعات المختلفة. فالمشكلة نفسها أينما كان، وحدة مرهقة وعجز عن إيجاد وسيلة تواصل مع الآخر وحرمان دائم من تعاطف الآخر وعونه وحبه.
تكشف هذه المسرحية مع تطور أحداثها وحبكتها عن مكامن ضعف رجل وامرأة غريبين إنما يملكان عطشاً أزلياً إلى الاهتمام والتعاطف والحب. امرأة ورجل يكتشف المتفرج أنهما ليسا تماماً كما يبدوان، بل هما كائنان ضعيفان مهمشان فيهما ما فيهما من نواقص تنفر الآخرين منهما. امرأة جميلة مثيرة تتكشف في النهاية امرأة خسرت كثيراً وانهزمت مراراً. ورجل جاد رصين يظهر أوهن من أي كائن آخر.
في عالم باتت اللامبالاة سيدة الموقف، يلتقي رجل بامرأة على رصيف سكة قطار ويتبادلان الحديث لتبدأ قصة اعتراف بالخسارات والهزائم الكثيرة التي مرا بها والتي تظهر كم أنه من الصعب أن يكون المرء مكلوماً، بخاصة أن المحيطين به ينفضون عنه بمجرد أن يعرفوا مكامن نقصه. امرأة تأتي كل يوم إلى سكة القطار من دون أن تركبه يوماً، ورجل عالم عارف بأدق تفاصيل الأمور إلا الحب، يلتقيان ويتشاجران ويتبادلان نظرات الإعجاب، ليعيش معهما الجمهور بداية قصة حب نهايتها غريبة أشد الغرابة.
القسوة البشرية
يشعر جمهور "راديو ترانزستور" بأنه عاد في الزمن للوراء، أو أن الزمن الحقيقي خارج أبواب المسرح قد توقف. بين سكة حديد بسيطة وقطار لا يحين موعده وراديو ترانزستور يخشخش وفتاة رسامة حالمة تنتظر الحب ورجل جدي رصين يهذبها ويعلمها ويحاضرها، يتوقف الزمن الخارجي بالجمهور ويعود به لمسرحيات تشيخوف أو حتى أعمال بيكيت العبثية. وفي هذا العرض لا هواتف ذكية ولا شاشات بلازما ضخمة ولا وسائل "تواصل" اجتماعي. شاب وفتاة وراديو ترانزستور وصوت يعلن مواعيد القطارات. وينتقل الجمهور في هذا العمل إلى نوع من زمان ليس زماناً، فلا نحن في عام 2025 تماماً ولا في القرن السابق ولا في القرن المقبل، نحن في زمان متأرجح بينهما فضفاض.
عدا عن الزمان الغريب، يتحول الفضاء المسرحي إلى مكان متخيل هو الآخر، فهل الشخصيتان فريدة ومهنا موجودان في لبنان؟ في أوروبا؟ في روسيا؟ في بلد متطور؟ في بلد خارج من حرب؟ هل المكان واللغة والعادات والأفكار تنتمي إلى مجتمع معين؟ قد تبدو هذه الضبابية في الزمان والمكان مربكة لكنها في الواقع تسهم في خلق جو من العبثية والرومنطيقية الغرائبية المرادة والضرورية لتقدم الأحداث والحوارات.
شابة جميلة قوية عفوية تبدي ملاحظات وجملاً عميقة عن الحب والبشر وتجسد الرومنطيقية الشاعرية من ناحية إيمانها بالعواطف والإنسان والخيال والحب على حساب العقل. ورجل مغرق في الحزن والسوداوية والبرودة، يلجأ إلى العلم والتعريفات المعلبة والنظام المبالغ فيه ليحمي نفسه. فنانة مرهفة تعلي من شأن المشاعر الداخلية والطبيعية والروحانيات في مقابل رجل كلاسيكي عقلاني مفرط في التفسيرات العلمية والرغبة في البحث عن المعاني والمعلومات والتعريفات. وحوارات عميقة غريبة بين الرجل الجاف والمرأة التي تضع قلبها ومشاعرها وعفويتها بينها وبين العالم، فتعيّر فريدة مهنا مثلاً بأنه يجلس في وسط مقعده بانتظار القطار، في ملاحظة جميلة وثاقبة ورمزية، فترى فريدة أن الشخص الذي يجلس في منتصف المقعد لا ينتظر أحداً ولا يفسح بالمجال للتعرف إلى أحد، بينما الذي يجلس على الطرف إنما هو يترك مساحة للقاء وفرصة لأن يأتي شخص آخر ويجلس قربه وتبدأ معهما قصة جميلة.
وتجلس الفتاة على طرف مقعدها بانتظار أن يأتي من يستطيع أن يحبها ويبقى معها على رغم مما خسرته في حياتها. تجلس منتظرة هذا الغريب الذي سيشاركها المقعد وحياتها والذي لن يهرب ما أن يسمع قصتها لأية حجة أو ذريعة، كأن يتذكر موعداً طرأ فجأة أو أن يحضر دواء لوالدته المريضة على حين غفلة. أعذار كثيرة يخلقها الآخرون ليتهربوا من فريدة التي يتهيأ لهم في البداية أنها جميلة مثيرة ثم عندما يكتشفون قصتها يهربون منها. لكن فريدة لا تفقد الأمل من الحب والتعاطف البشري ليراقبها الجمهور تعجب بمهنا العالم الرزين الذي يجلس بمواجهتها ويجسد كل ما هو معاكس لها ببرودته وصرامته وجديته.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبين محاولة لفهم هذا الشاب الوسيم الجالس بمواجهتها الذي لم يعرف الحب يوماً في حياته، ومحاولة إقناعه بضرورة إطلاق العنان لمشاعره بعيداً من انصبابه الكامل على العلوم والأبحاث والمنهجيات والتفاسير العلمية الدقيقة الرصينة، يكتشف الجمهور وجعاً ونقصاً لدى الشخصيتين كلتيهما ويكتشف كم أن العالم مكان قاسٍ.
أداء مميز
يظهر نص هذا العمل عميقاً بنفسه ومتماسكاً من ناحية أحداثه وتطوره وحبكته التي تنمو بصورة غير متوقعة، ليأتي أداء الثنائي يارا زخور وأدون خوري ويمنحه مزيداً من القوة والصلابة.
ويعرف متابع الحركة المسرحية اللبنانية يارا زخور بأدوارها السابقة، فلا يأتي أداؤها القوي والمتوهج على الخشبة مفاجأة بتاتاً. تتمكن زخور الشابة الموهوبة من أن تنتقل بكل أريحية من حال إلى أخرى، من ضحك عفوي إلى غضب طافح، فوجع ثاقب. وتجسد زخور دور الرسامة العفوية المؤمنة بالحب الموجوعة منه بمهارة وتقنية عالية، بخاصة في "مونولوغاتها" المتعددة طوال العرض الذي يستمر نحو 70 دقيقة وبقدرتها على توظيف حركة الوجه والجسد والعينين والصوت واليدين. أما أدون خوري شريكها في الكتابة والإخراج والتمثيل، فلا يقل عنها براعة وموهبة هو الذي يجسد دوره بكل عمق وجدية وتماسك. ويقوم أدون خوري بدور الرجل المتوازن الرزين الرصين بكل ما فيه، من صوته مروراً بملابسه فوجهه فشعره فحركاته المدروسة المقيدة الـ"روبوتية".
أحاديث عفوية جميلة مضحكة وغير متوقعة يتابعها الجمهور في جمل تحمل كثيراً من المشاعر والواقعية والألم. ويسيطر أداء الممثلين على عناصر السينوغرافيا كلها، وكأن الديكور غير موجود وغير ضروري، فالمقعدان أساسيان في العرض لكن كل ما عداهما إضافة ولزوم ما لا يلزم.
ومن عناصر فنية هذا العرض كذلك الديكور الذي يسهم في نهاية المسرحية في تحريك الحبكة نحو المجهول واللامتوقع ويسهم في تعزيز التشويق وعامل الخيال العلمي. ويتحول الديكور في آخر العرض إلى عدو شرس يجسد التكنولوجيا المعاصرة وكل ما يقلل من إنسانية الإنسان في زمن حلت الآلة محل الآخر، ليخرج الجمهور من العرض متفاجئاً مصدوماً راغباً في معرفة ماذا قد يحصل بعد.