ملخص
بعد عام على سقوط الأسد، سوريا لا تزال في دائرة الخطر: صراعات طائفية دامية، واقتصاد منهار، وعقوبات خانقة، وتحديات إعادة إعمار تتجاوز 216 مليار دولار، فيما تحاول الحكومة الجديدة تحقيق العدالة وسط مخاوف من عودة الاستبداد وانعدام الثقة بين المكونات.
سيطرت عائلة الأسد على سوريا لأكثر من نصف قرن، لدرجة أن بقاء بشار الأسد في السلطة بدا أمراً حتمياً.
13 عاماً من الحرب الأهلية، والمذبحة التي شنها النظام على شعبه، وما تلاها من فورة مذهلة للفصائل المسلحة التي ولدت من رحمها، ومستنقع التدخل الدولي، كل ذلك بدا قاسياً للغاية، وميؤوساً منه، ودموياً لدرجة أنه بدا وكأنه بلا نهاية.
كان ذلك على رغم الدلائل الواضحة على الانهيار الوشيك لنظام الأسد، ففي أوائل ديسمبر (كانون الأول) 2024، كان الثوار بقيادة أحمد الشرع، وهو مقاتل سابق في تنظيم القاعدة، تحول إلى زعيم معارض قوي، يتقدمون عبر المدن الرئيسة. ووردت أنباء عن تلاشي وحدات الجيش السوري، واكبه تقاعس مدو من حلفاء الأسد الدوليين مثل روسيا.
وعلى رغم كل هذا، ما زال ما حدث قبل عام من اليوم يبدو غير معقول.
اقتحمت تحالفات محيرة من الجماعات المتمردة العاصمة. وشوهدت مقاطع مصورة للسجناء السياسيين وهم يخرجون من سجن صيدنايا الذي ذاع صيته كـ"مسلخ" للمعارضين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وهرب الأسد نفسه إلى موسكو قبل أن يعلم بذلك حتى كاتب خطاباته، الذي قيل إنه تركه وراءه لكتابة خطاب تحد لم يلقه أبداً.
تلاشت إمبراطوريته الورقية، وتنفس العالم الصعداء.
ولكن بعد انقضاء عام، يبدو أننا ما زلنا نحبس أنفاسنا.
فقد كانت المؤشرات مقلقة بعد التداعيات الدموية لإطاحة معمر القذافي في ليبيا، وحسني مبارك في مصر، وعلي عبد الله صالح في اليمن، وعمر البشير في السودان.
إذ يمكن أن تؤدي التحولات بعد كل هذا العنف، وبعد أن أمضى الديكتاتوريون عقوداً في تركيز السلطة المطلقة في هياكل تعتمد عليهم كلياً، إلى عواقب أكثر دموية أو استبدادية.
في سوريا، كان الانهيار الكامل احتمالاً واقعياً للغاية، فقد كانت دولة منقسمة استغلت طويلاً من القوى الأجنبية، ومن الفصائل المسلحة المحلية والدولية التي تتقاسم مناطق النفوذ.
وتوقع كثر أيضاً انفجاراً لا يمكن السيطرة عليه من الانتقام بعد أعوام من الحكم الدموي لنظام استخدم الأسلحة الكيماوية ضد أطفاله، وطارد المعارضين واعتقلهم وأخفاهم وعذبهم، وملأ المقابر الجماعية، وألقى براميل متفجرة مصنعة محلياً من المروحيات على القرى.
كانت هناك أيضاً مخاوف من أن الأسد قد دمر اقتصاد البلاد بشكل لا يمكن إصلاحه، وهو اقتصاد كان تضرر بشدة من العقوبات الغربية القاسية. ولا تزال أجزاء كبيرة من سوريا في حال خراب. ووفقاً للبنك الدولي، ستكلف إعادة إعمار البلاد أكثر من 216 مليار دولار (162 مليار جنيه استرليني). وعليه، فإن كلف إعادة الإعمار المادي وحدها تبلغ ما يقارب عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي السنوي المتوقع لسوريا.
لذلك، فإن عدم انهيار الدولة بالكامل كان أمراً مفاجئاً – ومرحباً به.
لكن لا تسيئوا فهمي. لقد وقعت أعمال عنف مروعة، على سبيل المثال، موجة من الهجمات الدموية ضد الطائفة العلوية، التي ينتمي إليها الأسد، في منطقة الساحل في اللاذقية في مارس (آذار). وفي يوليو (تموز)، اندلع صراع دموي في الجنوب شارك فيه الدروز، وهم أقلية عرقية دينية لها جذور في الإسلام الشيعي.
وقال مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في مطلع الشهر الجاري إن المجموع يصل إلى مئات القتلى في هذه الفترة الانتقالية. ووثق المكتب روايات مروعة عن إعدامات ميدانية وعمليات قتل تعسفية وخطف، استهدفت بشكل أساسي أفراداً من مجتمعات محلية وأفراداً متهمين بالانتماء إلى الحكومة السابقة.
وأضافت الأمم المتحدة أن أعمال القتل هذه نفذتها في بعض الحالات قوات الأمن التابعة للسلطات الموقتة أو الجماعات المرتبطة بها.
أما إسرائيل، التي تتخوف بالتأكيد من صعود جار عربي قوي ومزدهر يتطلع نحو الغرب، فعمدت هي الأخرى إلى إثارة الاضطرابات في الجنوب. وقد شنت عدة عمليات عسكرية فتاكة في أنحاء البلاد، بما في ذلك توغلات عسكرية في الأراضي السورية التي تحتلها الآن بهدف مزعوم هو "دعم" الدروز، الذين يقطنون في سوريا ولبنان، وبشكل أساس في إسرائيل.
وفي كل مرة كنت فيها في سوريا، وأجلس مع أعضاء بارزين من الطائفة الدرزية في الجنوب، والأكراد في الشمال، كانوا يعربون عن عدم ثقتهم في السلطات الجديدة في دمشق.
على رغم أن الشرع مدّ يده إلى مختلف الطوائف، فإنه في الواقع ركز السلطة في أيدي دائرة ضيقة حاكمة في العاصمة. ويشعر القادة الأكراد على وجه الخصوص بالقلق من جذوره السابقة في تنظيم القاعدة، ومن حقيقة أنه قد استوعب مقاتلين أجانب، يعتبرونهم جهاديين، في صفوف جيشه، ومن أن قواته قد قاتلت في بعض الأحيان جنباً إلى جنب مع فصائل مدعومة من تركيا، يعتبرونها تهديداً وجودياً.
كانت بداية حكومة الشرع بطيئة. فقد أنشأت الإدارة هيئات وطنية للتحقيق في هاتين الحادثتين من العنف الطائفي الجماعي، على رغم أن التقارير لم تنشر، وبحسب ما فهمته، لم يعترف بأي مسؤولية حكومية عن هذه الجرائم.
كذلك شكلت حكومة الشرع هيئة وطنية للعدالة الانتقالية وأخرى للمفقودين، يقودها الضحايا والناجون والمدافعون عن حقوق الإنسان. وأجريت تحقيقات محلية في الانتهاكات التي ارتكبت في عهد الأسد وصدرت مذكرات توقيف عدة.
لكن هناك انتقادات، على سبيل المثال، لعدم الرغبة في التحقيق في الجرائم التي ارتكبها أولئك الذين ينتمون الآن إلى الإدارة الجديدة، سواء خلال 13 عاماً من الحرب الأهلية، أو منذ قيام الإدارة الجديدة.
وتعاني سوريا من ظل وطأة العقوبات. وقد وقع دونالد ترمب عام 2019 على قانون قيصر، الذي يفرض عقوبات على الحكومة المخلوعة، عقب الكشف عن الجرائم المروعة التي ارتكبها الأسد ضد شعبه. ومنذ سقوط الأسد، جرى تعليق هذا القانون وليس إلغاؤه بالكامل.
ويعني هذا، كما أخبرني أعضاء بارزون في المجتمع المدني السوري، أن العقوبات ما زالت تلقي بظلالها على تنمية سوريا. إذ تواصل الشركات تجنب الاستثمار في سوريا خوفاً من إعادة العقوبات في أي وقت. وقد أثر ذلك سلباً في المهمة الشاقة المتمثلة في العثور على ما يقدر بـ181 ألف مفقود في سوريا (وفقاً للشبكة السورية لحقوق الإنسان) وكشف عشرات المقابر الجماعية، وهي مهمة تتطلب خبرة ومعدات دولية.
وتشير آخر التقارير الواردة من واشنطن إلى أن هذه العقوبات سترفع قريباً. وقد استقبل دونالد ترمب الرئيس الشرع في واشنطن، ووصفه بـ"الشاب الجذاب والقوي" الجديد في الشرق الأوسط.
هناك تطور إيجابي. لكن سوريا لا تزال في دائرة الخطر. الطريق طويل، وهناك كثير لإعادة البناء والتعافي، وعلى المجتمع الدولي أن يبذل أقصى ما في وسعه لدعم إعادة بناء سوريا.
© The Independent