ملخص
أغلقت حكومة الولايات المتحدة سفارتيها في السعودية والكويت اليوم الثلاثاء، وأمرت الموظفين غير الأساسيين في المنطقة بالإخلاء، في وقت وسعت إيران هجماتها الانتقامية على أهداف أميركية في منطقة الخليج.
في منعطف يتجاوز الخطوط الحمراء للأعراف الدبلوماسية وقواعد الاشتباك العسكري، انتقلت الهجمات الإيرانية من استهداف القواعد العسكرية إلى ضرب البعثات الدبلوماسية في قلب المدن الخليجية.
وهذا التحول الذي تمثل في استهداف السفارة الأميركية في الرياض ومواقع في الكويت بمسيّرات وصواريخ، يضع النظام الإيراني أمام مواجهة مباشرة مع القانون الدولي، ويقوض ذريعته التقليدية بأن حربه موجهة فقط ضد "الوجود العسكري الأجنبي".
وأغلقت حكومة الولايات المتحدة سفارتيها في السعودية والكويت اليوم الثلاثاء، وأمرت الموظفين غير الأساسيين في المنطقة بالإخلاء، في وقت وسعت إيران هجماتها الانتقامية على أهداف أميركية في منطقة الخليج.
وأغلقت السفارة الأميركية في الرياض أبوابها اليوم عقب هجوم تسبب في حريق صغير وألحق أضراراً طفيفة بالمبنى الواقع في "حي السفارات" النموذجي شمال غربي العاصمة.
وأفادت وزارة الدفاع السعودية بأن الهجوم نفذ على ما يبدو بواسطة طائرتين مسيّرتين من دون تحديد مصدرهما، إلا أن قناة "العربية" نقلت لاحقاً أن الميليشيات الشيعية في العراق كانت خلف الهجوم، في تطور لافت للصراع، يتردد أن طهران باتت تستخدم فيه الوكلاء للتغطية على ما بقي من صورتها كدولة.
وأعلنت السفارة الكندية في الرياض إغلاق أبوابها ليوم واحد وإلغاء جميع المواعيد الحضورية حتى الجمعة المقبل.
وكانت إيران أطلقت مئات الصواريخ والطائرات المسيّرة على دول الخليج التي تستضيف قواعد جوية أميركية، بما في ذلك حليفتها الاستراتيجية بين دول الخليج سلطنة عمان، إلا أن معظم تلك الهجمات جرى اعتراضها.
وبينما استهدفت طائرة مسيّرة مجمع السفارة الأميركية بالكويت في اليوم الثالث من الحرب، أعلنت السفارة في وقت مبكر من صباح اليوم أنها ستغلق أبوابها حتى إشعار آخر، عازية ذلك إلى "التوترات الإقليمية".
استهدافات متتابعة للسفارات
وأطلقت السفارة الأميركية تحذيراً، إلى موظفي قنصليتها في الظهران شرق السعودية بأن "هناك خطراً وشيكاً لهجمات صاروخية وطائرات مسيّرة فوق الظهران، يرجى عدم التوجه إلى القنصلية الأميركية. احتموا فوراً داخل منازلكم في الطابق السفلي المتاح بعيداً من النوافذ. لا تخرجوا".
وحثت القنصلية رعاياها على "البقاء في منازلهم، ومراجعة خطط الأمن تحسباً لأي هجوم، والبقاء على أهبة الاستعداد تحسباً لأية هجمات مستقبلية"، بعد نحو 12 ساعة من استهداف مبنى السفارة في الرياض، مما يرجح أن استهداف الممثليات الدبلوماسية بات نهجاً جديداً وتحولاً في الحرب.
وكانت الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران أدت إلى اندلاع احتجاجات عنيفة في بعض المواقع في باكستان، بما في ذلك تظاهرات عشية مقتل المرشد علي خامنئي أسفرت عن مقتل أكثر من 20 شخصاً، ووقع ما لا يقل عن 10 من القتلى في كراتشي، حيث حاولت حشود اقتحام القنصلية الأميركية، ولقي شخصان آخران حتفهما قرب السفارة الأميركية في إسلام آباد، عاصمة باكستان.
وكان المتحدث الرسمي لوزارة الدفاع السعودية أعلن أن السفارة الأميركية في الرياض تعرضت لهجوم بمسيّرتين، نتج منه حريق محدود وأضرار مادية بسيطة، في حين أكدت مصادر أن المبنى كان خالياً من المناوبة وقت الاستهداف. وبحسب مصادر تحدثت إلى "اندبندنت عربية"، فإن الأضرار اقتصرت على الجوانب المادية، ولم يصدر أي بلاغ بوقوع إصابات بين الحراس أو الموظفين الذين أُوصوا بعدم التوجه للمقر.
وفور وقوع الحادثة، أصدرت البعثة الأميركية تنبيهاً أمنياً عاجلاً لرعاياها في الرياض وجدة والظهران، دعتهم فيه إلى "البقاء في أماكنهم وتقييد السفر غير الضروري"، مع تفعيل برنامج التسجيل الذكي (STEP) لضمان التواصل في حالات الطوارئ.
ماذا يعني هذا التحول؟
كثيراً ما روجت البروباغندا الإيرانية بأن استهدافاتها موجهة حصراً للقواعد العسكرية، إلا أن ضرب السفارات والممثليات الدبلوماسية في الرياض والكويت نسف هذه السردية تماماً، فالسفارة، بموجب القانون الدولي، هي "أعيان مدنية" محمية لا صلة لها بالعمليات العسكرية الميدانية. وهذا السلوك الإيراني، بحسب مراقبين، يضع النظام في خانة التنظيمات الإرهابية مثل "القاعدة" و"داعش" التي لا تفرق في عملياتها بين العسكري والمدني، وتتجاهل قواعد الاشتباك كافة المتفق عليها دولياً.
وجاء الرد السعودي حازماً، إذ أعربت المملكة عن إدانتها بأشد العبارات للهجوم الذي وصفته بـ"الجبان وغير المبرر"، وأكدت الخارجية السعودية أن هذا السلوك يتعارض بصورة صارخة مع اتفاقي جنيف 1949 وفيينا 1961 اللذين يمنحان الحصانة للمباني الدبلوماسية حتى في حالات النزاع المسلح.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ونددت باستهداف السفارة الأميركية، بينما أبلغت الإيرانيين قبل ذلك بوضوح أنها "لن تسمح باستخدام أجوائها أو أراضيها لاستهداف إيران"، ومع ذلك، اختارت طهران الرد بضرب العمق السعودي، مما يُعد نقضاً صريحاً لروح "اتفاق بكين" القائم على حسن الجوار واحترام السيادة.
لكن مسؤولاً إيرانياً قال لـ"اندبندنت عربية" إن المحادثات بين السعودية وإيران "لم تزَل قائمة على رغم ظروف الإقليم المتوترة"، ملمحاً إلى أن "اتفاق بكين" محل اهتمام وحرص الجانبين، ولا ينوي أي من الطرفين التفريط فيه.
وأضاف أن "إيران ملتزمة الاتفاق، وتنفي بشدة ما لا علاقة لها به (ضرب السفارة)، وتحذر من الشيطان (أميركا) أن يدق الإسفين بين البلدين، فهو ألد الخصام".
في السياق نفسه دانت وزارة الخارجية القطرية استهداف سفارتي واشنطن في الرياض والكويت، واصفة إياه بـ"الانتهاك السافر للمواثيق الدولية"، ووجهت الخارجية القطرية انتقاداً حاداً لذرائع طهران، مؤكدة أن "الادعاء بأن الضغط على دول الخليج ستنتج منه العودة لطاولة الحوار هو ادعاء كاذب"، في إشارة إلى رفض الدوحة لاستخدام أمن المنطقة كأداة ابتزاز سياسي.
لكن الباحث السعودي سعد الحامد يؤكد أن استهداف السفارات أيّاً كان تبريره، هو "انتهاك فاضح للقانون الدولي، وجميع الاتفاقات الثنائية منها ومتعددة الأطراف"، وأشار إلى أن الرد على ذلك سعودياً "من السهولة بمكان، لكن منطق العقل وضبط النفس من جانب الرياض لا يلتقي أبداً مع السلوك الإيراني المعتاد"، لافتاً في هذا الصدد على سبيل المثال إلى أن طهران حين سمحت قبل أعوام بحرق ممثليات السعودية فيها، كان الرد السعودي دبلوماسياً وليس القيام بالمثل، إذ حافظت على بعثاتها في الرياض وجدة و"لم تمس بأذى، حتى عادت العلاقات بعد سنوات".
"أضرار جانبية" لا بد من تحملها
يرى محللون أن تحول إيران من استهداف قواعد عسكرية إلى ضرب سفارات وفنادق وأعيان مدنية يعكس انتقالاً إلى ما يسمى "الضغط غير المتكافئ"، أي رفع الكلفة السياسية عبر أهداف حساسة ورمزية بدلاً من المواجهة المباشرة.
وفيما نفت طهران مسؤوليتها عن استهداف السفارة الأميركية في الرياض والموانئ في عمان، تتجه الأنظار إلى الأذرع المحسوبة عليها في العراق، في نمط يتيح هامش إنكار رسمياً مع استمرار التصعيد عبر وكلاء. ويعتبر خبراء أن هذا الأسلوب يمنحها مساحة مناورة، لكنه يفاقم أخطار الانزلاق ويعمق الشكوك حول التزامها قواعد القانون الدولي.
ويؤكد المحلل السياسي السعودي صالح الخثلان أن استمرار استهداف دول الخليج في سياق الحرب الدائرة "ربما يشير إلى أن الحرس الثوري هو من يتحكم في القرار"، لافتاً إلى أنه يحمل "عداء أيديولوجياً راسخاً تجاه منطقة الخليج ولا يراها سوى محميات أميركية ويتمنى لها الشر". وبحسب تقديره، فإن أية مواجهة مباشرة، لا سمح الله، "لن تكون مع إيران كدولة لها حسابات، بل مع ميليشيات متطرفة ومتمرسة تمتلك قدرات تخريبية هائلة، وعقلية من لا يفكر بالخسارة (منطق الميليشيات)"، ويضيف أن التجارب الأخيرة أظهرت أن "أميركا لا يهمها على الإطلاق ما تفعله الميليشيات من تخريب في الدول العربية".
وفي ضوء ذلك، يرى الخثلان أن أفضل خيار أمام دول مجلس التعاون هو "التعامل مع الهجمات كأضرار جانبية متوقعة في حرب كهذه، وكلفة لا بد منها كضريبة لموقع الخليج الجيوسياسي"، مشيراً إلى أنها "كلفة مقدور على تحملها مقارنة بحرب واسعة"، ويعتقد بأن سلوك دول المجلس حتى الآن يعكس هذا التوجه، فـ"على رغم أنها استهدفت بأكثر من 600 صاروخ ومسيرة، فإنها لا تزال تتعامل بكل هدوء وحكمة فائقة".
ويخلص الخثلان إلى أن دول المجلس "دول بناء وتنمية وسلام"، ولذلك فهي "لا يمكن أن تسمح لعقليات طائشة، سواء في إيران أو أميركا أو إسرائيل بأن تؤثر في أولوياتها"، في إشارة إلى تمسكها بخيار الاستقرار وتجنب الانجرار إلى مواجهة مفتوحة من الممكن أن تعصف بمكتسباتها التنموية.
ويستحضر مراقبون في هذا السياق تاريخ الثورة الإيرانية مع البعثات الدبلوماسية، إذ اقتُحمت السفارة الأميركية في طهران عام 1979 واحتجز 52 دبلوماسياً رهائن لمدة 444 يوماً، في واحدة من أبرز أزمات الرهائن في القرن الـ20.
وتعرضت البعثات السعودية لاعتداءات متكررة، أبرزها اقتحام السفارة السعودية في طهران والقنصلية في مشهد في يناير (كانون الثاني) عام 2016 عقب إعدام رجل الدين نمر النمر، مما أدى إلى قطع العلاقات الدبلوماسية آنذاك. ويرى محللون أن هذا الإرث يجعل النفي الإيراني الحالي محل تدقيق دائم، في ظل سوابق تاريخية رسخت صورة عدائية تجاه المقار الدبلوماسية.