Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المكتب البيضاوي... مهد البروتوكول والقرار الأميركي

غرفة واحدة في البيت الأبيض تحمل رسائل في كل ركن يقرأها ساسة العالم وتدور داخلها كواليس السلطة الدولية

اختصرت الكاميرا الأميركية الرئاسة في لقطة واحدة تتكرر للرئيس يجلس أو يقف وراء المكتب وحوله رموز الدولة (أ ف ب)

ملخص

يدير المكتب البيضاوي العالم لأنه يحدد اللغة التي يفهم بها العالم أميركا، لغة الصورة ولغة البروتوكول ولغة الأرشيف. وحين تجتمع هذه اللغات في غرفة واحدة، تصير الغرفة أكبر من قياسها، وأقوى من أثاثها، وأخطر من أية كلمة تقال داخلها.

يصل الضيف إلى البيت الأبيض، وترينا الكاميرات المشهد وكأنه بروتوكول معتاد، يبدأ حين تتوقف سيارته ثم يفتح بابها، ثم تلتقط الصور لمصافحة الرئيس الأميركي ضيفه بينما يبتسمان للكاميرات قبل أن ينتقلا إلى الداخل، لكن اللحظة الأهم في زيارة البيت الأبيض غالباً ليست ما يقال في الغرف المغلقة، بل الدقائق الأولى في المكتب البيضاوي، لأن هذه الدقائق هي "اللغة" التي تسلم للعالم كي يقرأ منها اتجاه العلاقات.

أول ما يحدث عادة هو ما يسميه الصحافيون "سبراي" أي دخول مجموعة صغيرة من الصحافيين يمثلون سائر وسائل الإعلام لأخذ صور سريعة والتقاط جملة أو جملتين، ثم يُخرجون من المكان، وسميت "سبراي" لأنها كرش الرذاذ السريع، فلاشات تصوير كثيرة وأسئلة سريعة ومتقاطعة خلال قت قصير جداً.

هذه الخطوات المستعجلة سببها ضيق المكتب البيضاوي وعدم إمكانية إدخال كل الصحافيين، لذلك تقوم هذه المجموعة المختارة منهم بدور عيون وآذان البقية، وفي النهاية توزع المادة المصورة والمكتوبة والبيانات الصادرة عن المكتب الإعلامي على الجميع، وهذه هي الخطوة السياسية الأولى لزوار المكتب البيضاوي تظهرها الأداة الإعلامية.

داخل المكتب، ترتب الصور الملتقطة كما ترتب الجمل التي ستقال، كما كتب صحافيون كثر عن بروتوكولات اللقاءات، أما أشهر لقطة دبلوماسية فهي اللقطة التي تؤخد قرب المدفأة حيث يوضع كرسيان أو مقعدان متقابلان أمامها ليلتقط المصورون الصورة التي تلخص العلاقة بين الزائر والرئيس الأميركي، هل هي دافئة أم باردة؟ متقاربة أم متباعدة؟ وهناك تقليد راسخ يراه الجمهور في هذه الصور، أي أن يجلس الرئيس على اليسار والضيف على اليمين في لقطة المدفأة باعتبارها من ثوابت المشهد، والمغزى ليس سياسياً بين اليمين واليسار بل يتعلق بالمشهدية الثابتة، أي نفس الكادر دائماً مع ضيف مختلف، بالتالي قراءة جديدة للمشهد.

ثم تأتي مرحلة "الأسئلة الخاطفة" خلال لحظات الاستقبال الأولى في المكتب البيضاوي، وهذه الأسئلة تنتج عنوان اليوم للصحف والتلفزيونات وسائر وسائل الإعلام الرقمية، وفي الدبلوماسية هذا يعني شيئاً محدداً، إذ تكون كلمة واحدة من الرئيس أمام ضيفه وفي حضرة الكاميرا إما رسالة للخصوم أو مجاملة للضيف، أو كلا الأمرين معاً.

بعد ذلك يبدأ الاجتماع الحقيقي بعيداً من الصحافة، لكن الاجتماع في المكتب البيضاوي يظل أساساً في مساحة عمل رسمية يلتقي فيها الرئيس رؤساء دول ودبلوماسيين، فهذا المكتب هو المكان الذي يخاطب منه العالم عبر التلفزيون والراديو، بحسب ما أورد موقع "البيت الأبيض" الإلكتروني.

في الخلاصة، فإن اللقاء في المكتب البيضاوي ليس فقط ما يقال بين أربعة جدران بل ما يرى خلال خمس دقائق أمام الكاميرا، لأنه في واشنطن ليست الصورة زينة بل أحياناً هي القرار يتنكر في صورة.

المكتب البيضاوي يدير العالم

لأنه يدير اللغة التي يفهم بها العالم أميركا بدءاً من الصورة المصنوعة بدقة، والتي تقرأ فوراً قبل أي بيان يصدر عن الزيارة، مروراً بالبروتوكول الذي يحول اللقاء إلى رسالة عالمية، وحتى الأرشفة التي تحول الغرفة إلى شاهد تاريخي.

لهذا، فإن المكتب البيضاوي ليس مجرد غرفة داخل البيت الأبيض، بل نقطة ضغط في نظام عالمي كامل، فالصورة الخارجة منه تطمئن الأسواق أو تربكها، وتقرأ فيها نبرة الحرب والسلم قبل أن تعلن رسمياً، وتقاس فيها حرارة الحلفاء والخصوم من زاوية كاميرا واحدة.

 

 

كرست البروتوكولات في المكتب البيضاوي صورة الدولة الحديثة التي لا تعيش في الدساتير وحدها، بل في الأماكن التي تجسدها، ومنذ القرن الـ20 اختصرت الكاميرا الأميركية الرئاسة في لقطة واحدة تتكرر للرئيس يجلس أو يقف وراء المكتب وحوله رموز الدولة، لإظهار الدولة وكأنها تعمل من داخل مكان هو بمثابة الورشة التي يصدر عنها القرار.

هندسياً استلهم الشكل البيضاوي للمكتب من "الغرفة الزرقاء" البيضاوية داخل البيت الأبيض، وأن جذور الفكرة يمكن تتبعها إلى طقس استقبال رسمي ارتبط بجورج واشنطن، كان هدفه أن يحول منصب الرئاسة إلى مشهد رمزي منضبط، فالشكل صمم لينتج إحساساً بالبروتوكول والرمز قبل أن ينتج إحساساً بالراحة، فالمساحة البيضاوية هي الأكثر قدرة على تنظيم اللقاءات وتوزيع المسافات، وإلغاء الزوايا التي تصنع حدوداً وعوائق خفية داخل الغرفة المربعة، في الشكل البيضاوي لا ركن تختبئ فيه العيون ولا زاوية تتحول إلى حصن، بل حركة دائرية توحي بالنظام والاتزان، وتسهل "طقس الاستقبال" بوصفه جزءاً من صناعة الهيبة.

والمكتب البيضاوي الذي يقع داخل الجناح الغربي لم يولد مع البيت الأبيض القديم، بل ولد مع توسع مؤسسة الرئاسة خلال عام 1909، مع توسعة الجناح الغربي في عهد ويليام هوارد تافت، تكرس أول مكتب بيضاوي للتأكيد أن الرئاسة لم تعد مجرد سكن وحفلات استقبال، بل جهاز عمل يومي يحتاج غرفة قيادة ثابتة.

بين عامي 1933 و1934، ثبت فرانكلين روزفلت النسخة التي نعرفها اليوم بعد توسعة كبيرة للجناح الغربي، وبناء مكتب بيضاوي جديد في الزاوية الجنوبية الشرقية مجاور لحديقة الورد حيث بقي حتى اليوم، واختار روزفلت المعماري إريك غوغلر ليقود إعادة تصميم وبناء الجناح الغربي الذي ركز على إدخال الضوء الطبيعي عبر النوافذ الواسعة.

وكرس هذا المعماري مبدأ الخصوصية، وجعل المكتب بعيداً من مسار عبور الممرات وضجيج الإدارة وحركة الموظفين، وهذا ما منح الرئيس روزفلت خصوصية أكبر للفصل بين غرفة القرار وحركة الجهاز اليومي، ولأن روزفلت كان يستخدم كرسياً متحركاً فقد سهل التصميم الجديد مع موقع المكتب قرب الحديقة والممرات الرئيسة، تنقله ووصوله.

السيدة الأولى والمكتب البيضاوي

بعد ترميم كينيدي خلال الستينيات تشكلت آليات رسمية لحماية "البيت كمتحف حي"، وتأسست لجنة معنية بالحفظ بموجب قرار تنفيذي عام 1964، ويذكر ضمن توصيفها أن السيدة الأولى تقوم بدور "الرئيسة الفخرية" لهذه اللجنة، ثم جاء مثال بات نيكسون خلال عام 1970 بوصفه مثالاً كلاسيكياً لكيف تصبح السيدة الأولى فاعلة في تشكيل مقتنيات البيت الأبيض وأثاثه، عبر برامج تزويد غرف الاستقبال بقطع عالية الجودة من الفنون الزخرفية الأميركية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هيلاري كلينتون مثال مفيد لزوجة الرئيس، لأنه موثق. فخلال عام 1993، وكما جاء في وثائق البيت الأبيض المؤرشفة، رُكبت ستائر ذهبية جديدة داخل المكتب البيضاوي بعد التنصيب، وتمت إعادة تنجيد الأرائك والكراسي وتركيب سجادة بيضاوية جديدة نسجت خصيصاً للغرفة وتحمل ختم الرئاسة، وعليه يمكن القول إن السيدة الأولى تعيد ضبط نبرة صورة الرئيس في المكتب، أي تعيد ضبط "لغة الرئاسة" من خلال تصاميم الديكور ومن دون سطر سياسي واحد.

شروط الدخول

بحسب خدمة المتنزهات الوطنية الأميركية، طلب جولات البيت الأبيض العامة يتم عبر عضو في الكونغرس أو عبر السفارة للزوار الأجانب، والجولات عادة متاحة من الثلاثاء إلى السبت، والطلب يمكن تقديمه حتى ثلاثة أشهر مسبقاً وبحد أدنى 21 يوماً، والأهم أن هذه الجولة لا تعني الوصول إلى الجناح الغربي أو المكتب البيضاوي، ومن هنا ظهرت حلول بديلة مثل (The People’s House) التي تقدم نسخة كاملة الحجم من المكتب البيضاوي للزوار.

ثم هناك مؤسسة كاملة وظيفتها تحويل اليومي إلى ذاكرة رسمية وهي إدارة مكتب التصوير في البيت الأبيض، الذي كانت مهمته توثيق الرئيس والسيدة الأولى والإدارة في أدوارهم الرسمية كجزء من سردية الأمة وأرشيفها، فللصورة من داخل المكتب البيضاوي تأثيرها في إدارة العالم. وعندما يختار رئيس ما أن يخاطب الأمة من المكتب البيضاوي في لحظة حساسة، فهو لا يختار "ديكوراً"، بل يختار منصة لها ثقلها.

ضمن تقرير مجلة "تايم" عن خطاب جو بايدن حول سقف الدين يقول إن اختياره للمكتب البيضاوي لإلقاء كلمته لأنه يعطي "جاذبية" ووقعاً خاصاً للحظة تاريخية ومهمة تهدف إلى إيصال فكرة أن البلاد كانت على حافة أزمة اقتصادية، وبهذه الطريقة وقبل أن ينتهي الخطاب تكون الأسواق قرأت الفكرة الأساس التي تفيد بأن الدولة تمسك بالمقود، وهذا ينسجم مع تقليد "خطاب المكتب البيضاوي" خلال لحظات الخطر، مثل خطاب كينيدي في أزمة الصواريخ الكوبية الذي قدم صراحة كخطاب من المكتب البيضاوي، والفكرة هنا أن الرئيس يقول للناس وللعالم "أنا لست على منصة، أنا في غرفة القرار".

ولكن أخطر ما في المكتب البيضاوي أنه لا يبتلع الأحداث بل قد يظهرها ضد أصحابها، والمثال الأشهر هو نظام تسجيلات ريتشارد نيكسون الذي بدأ أول تسجيل له خلال الـ16 من فبراير (شباط) 1971 داخل المكتب البيضاوي، بحسب مكتبة نيكسون، ويشرح مركز ميلر الإطار الأوسع لهذه العملية حيث سجل آلاف الساعات بين عامي 1971 و1973 في عدة مواقع، من بينها المكتب البيضاوي، وبنظام يعمل تلقائياً.

وهنا يتحول المكتب من "مكان يصنع القرار" إلى "مكان يوثق القرار"، وهذا يغير معنى السلطة جذرياً: "السلطة ليست ما تقوله للكاميرا فحسب، بل ما يُقال حين تظن أن الكاميرا غير موجودة".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير