ملخص
المنطقة اليهودية ذاتية الحكم في روسيا، هي المنطقة الوحيدة في العالم التي تتمتع فيها اللغة اليديشية بصفة لغة رسمية (فضلاً عن اللغة الروسية)، وهي الكيان الدولي اليهودي الوحيد الذي نشأ بسلام كوطن لليهود قبل قيام إسرائيل بنحو عقدين.
مع بزوغ فجر الدولة السوفياتية، قرر الحزب الشيوعي بقيادة زعيم الدولة جوزيف ستالين، حل المسألة اليهودية التي كانت معلقة ومعقدة في الإمبراطورية الروسية والعالم كله، بمنح اليهود دولة وحكماً ذاتياً. في البداية، فكروا في إعادة توطينهم في شبه جزيرة القرم، لكنهم اختاروا في نهاية المطاف الشرق الأقصى الروسي.
إلا أنه ومن المفارقات التي تحمل دلالات كبيرة وكثيرة، أن الحركة الصهيونية العالمية جهدت من أجل إفشال هذا المشروع الفريد في الاتحاد السوفياتي والعالم، على رغم ادعائها بأنها كانت تسعى إلى إقامة وطن قومي لليهود، لذلك تثار حتى في الدولة اليهودية القائمة في ربوع روسيا أسئلة حول الأهداف الحقيقية للحركة الصهيونية؟ وما إذا كانت فعلاً حركة من أجل خدمة اليهود؟ أم أنها تستخدم الشتات اليهودي من أجل تنفيذ مشاريع استيطانية استعمارية تخدم قوى دولية متنفذة؟ بخاصة بعدما صار اليهود يشكلون اليوم أقل من واحد في المئة من سكان هذه الجمهورية اليهودية الأولى في العالم.
كيف حصل اليهود على ولاية في سيبيريا بدلاً من "كاليفورنيا القرم"؟
قبل 20 عاماً من قيام إسرائيل، منح الاتحاد السوفياتي دولة كاملة الأوصاف ليهود الإمبراطورية الروسية والعالم في سيبيريا، قرب الحدود مع الصين، وأطلق عليها الحزب الشيوعي رسمياً في البداية اسم دولة "اليهود العاملين". ففي السابع من مايو (أيار) 1928، ظهرت منطقة الحكم الذاتي اليهودية على خريطة الاتحاد السوفياتي لتصبح الدولة الأولى والوحيدة في العالم لاستقلال يهودي ذي وضع رسمي، بعد قرون طويلة من التشتت والتفرق والمعاناة في مشارق الأرض ومغاربها.
وأكد رئيس اللجنة التنفيذية المركزية لعموم روسيا آنذاك ميخائيل كالينين أن السلطات تسعى إلى تحويل الدولة اليهودية الوليدة إلى دولة قومية حقيقية، وأطلق على هذه "الدولة" اسم "بيروبيجان" نسبة إلى عاصمتها الجديدة.
في شرق روسيا، بلد عظيم،
لقد بنينا جدولة ووطناً لنا.
في بيرا وبيدجان في منطقة التايغا
لقد وجدنا سعادتنا ومصيرنا.
الحكم الذاتي اليهودي
منزلنا الآمن والرحب.
أنت قدري، أنت أرضي.
هنا نعيش كأسرة واحدة.
حيث يقف خينجان ودور حراسة
وحتى مصب نهر تونغوسكا
نهر آمور يحمل مياهه في عظمة.
على أنغام ترنيمة يهودية ونمط موسيقي روسي.
(نشيد المنطقة اليهودية ذاتية الحكم)
هذه الكلمات شكلت النشيد الإقليمي للدولة اليهودية الجديدة (بيرا وبيدجان نهران محليان).
لم يسعَ اليهود أنفسهم قط إلى العيش في الشرق الأقصى الروسي قريباً من الحدود الصينية. في البداية، كانوا يأملون في الحكم الذاتي في شبه جزيرة القرم، حيث كانت توجد بالفعل مزارع ومجتمعات يهودية جماعية.
وحظي هذا الخيار بدعم من الجاليات اليهودية في الخارج، بخاصة في الولايات المتحدة. واستخدموا أموالهم الخاصة لمساعدة العائلات اليهودية في الانتقال إلى القرم، واستثمروا مبالغ طائلة في تنمية القرى المحلية والزراعة، حتى إن المشروع اكتسب اسماً مميزاً، هو "كاليفورنيا القرم" لكن مشروع إقامة دولة يهودية في هذه المنطقة الحدودية الخصبة واجه معارضة شديدة من السكان المحليين.
وأوضح فاليري ديمشيتس، رئيس معهد التحليل الشامل للمشكلات الإقليمية، وهو مركز بحثي وتعليمي، سبب مقاومة السكان المحليين الكثيري الأعراق في القرم لفكرة إقامة دولة يهودية هناك "لقد كانوا مقاومين حقاً لهذا الأمر لأن المزارع الجماعية الفردية شيء... ولكن عندما تُفصل منطقة كبيرة وتُقام دولة ذاتية الحكم عليها يصبح الأمر شيئاً آخر تماماً".
في نهاية المطاف، عرض جوزيف ستالين على اليهود السوفيات فرصة الانتقال إلى الجانب الآخر من البلاد بدلاً من شبه الجزيرة المشمسة. كان هذا الأمر مفيداً لموسكو من ناحيتين، فمن جهة سمح بتوطين المناطق الحدودية الخالية ذات الأهمية الاستراتيجية للدفاع، ومن جهة أخرى، أظهر للغرب أن الاتحاد السوفياتي يدعم اليهود. وأطلقت السلطات حملة دعائية نشطة للترويج لبيروبيجان، وحثت الناس بقوة على إعادة التوطين في هذه المنطقة غير المأهولة.
بعد التخرج، عُين كثر المتخرجين اليهود في بيروبيجان، بينما عرضت على آخرين مكافآت نقل وحوافز أخرى.
"لم يبقَ سوى أكثر اليهود جنوناً"
بناء على طلب الحزب، غطى الصحافيون السوفيات موضوع بيروبيجان على نطاق واسع، وألفوا كتباً وأنتجوا أفلاماً عن المقبلين الجدد. وفي هذا السياق، توافد إلى المنطقة ذاتية الحكم أولئك الذين آمنوا حقاً بمستقبلها. وكان من بين هؤلاء أيضاً مواطنون يهود من دول أخرى، بما في ذلك من ألمانيا النازية.
ومع ذلك، سرعان ما عملت الدعاية الصهيونية ضد مشروع إقامة دولة قومية لليهود في هذه المنطقة، ولعبت على وتر مواجهة المناخ القاسي هناك وسوء التنظيم على أرض الواقع، فأصيب عدد كبير من اليهود بخيبة أمل.
ومما قالته الدعاية الصهيونية لليهود آنذاك "ليس في بيروبيجان أحد ينتظر أحداً هناك، وليست هناك فرق موسيقية حاضرة لاستقبالكم..."
خلال العام الأول، حضر 600 شخص، لكن بسبب الأمطار والبعوض والذباب ونقص المساكن، غادر نصفهم تقريباً.
وكتب المؤرخ المحلي فاليري غوريفيتش "لم يبقَ في بيروبيجان سوى اليهود الأكثر جنوناً ونشاطاً".
ورغم ذلك، سعت موسكو جاهدة إلى تحويل المنطقة لنموذج للحكم الذاتي اليهودي بوتيرة متسارعة. ففضلاً عن اللغة الروسية، أصبحت اللغة اليديشية اللغة الرسمية هناك. وافتتح مسرح وطني يهودي ومدارس يهودية في بيروبيجان، وجرى إطلاق صحيفة باللغة اليديشية. ومع ذلك، لم تتمكن السلطات المحلية من توفير أهم شيء على الإطلاق، ألا وهو مستوى معيشي لائق للمستوطنين اليهود الذين ألفوا التجارة والربح السريع.
الأرقام تتحدث عن نفسها، لم يشكل اليهود حتى غالبية في منطقتهم ذات الحكم الذاتي. بين عامي 1935 و1937، وصل 19 ألف مهاجر إلى المنطقة، من بينهم 16100 يهودي. ووفقاً لتعداد عام 1939، بلغ عدد سكان المنطقة 108900 نسمة، منهم 16.2 من اليهود فقط. وفي الأعوام اللاحقة، انخفض عدد السكان اليهود. ومع ذلك، بقي بعضهم في بيروبيجان على رغم كل شيء، ووجدوا فيها وطناً جديداً حقيقياً.
وقالت مديرة مركز الأطفال والشباب للثقافة اليهودية في بيروبيجان ألبينا سيرغيفا "كثيراً ما قالت جدتي إن هذه الأرض أنقذتنا مرتين."
"كانت المرة الأولى بسبب الجوع، لأنهم كانوا أكلوا حتى شبعوا هنا (وصلت جدتي عام 1934)، والمرة الثانية كانت خلال الحرب. وحفروا الخنادق لأنهم كانوا يخشون الغزو الياباني، لكن في الوقت نفسه، لم يقتلهم أحد، ولم يطلق عليهم أحد النار".
واقع بيروبيجان في الوقت الراهن
في روسيا الحديثة، تعد منطقة الحكم الذاتي اليهودية ظاهرة فريدة من نوعها. فهي المنطقة الوحيدة في البلاد التي تتمتع بهذا الوضع، على رغم أنه وفقاً لتعداد عام 2020، لم يبقَ فيها سوى عدد قليل من اليهود، أي أقل من واحد في المئة.
تأثرت المنطقة بصورة خاصة بالدعوات الصهيونية إلى الهجرة الجماعية لإسرائيل، ونشأ مثل شعبي حول هذا الموضوع في الاتحاد السوفياتي "من الأفضل أن يكون لديك أقارب بعيدون في الشرق الأوسط بدلاً من أقارب مقربين في الشرق الأقصى".
لكن ورغم شبه انعدام وجود اليهود "الرسميين"، لا تزال بيروبيجان تحتفظ بطابعها اليهودي، مراكزها الثقافية ومعالمها اليهودية وأطباقها التقليدية وصحيفتها اليديشية. وخلال الأعوام الأخيرة، علقت لافتات الشوارع في أنحاء المدينة باللغتين الروسية واليديشية (التي تعد الآن لغة مهددة بالانقراض).
ويصف الزوار والسكان المحليون على حد سواء المدينة بأنها مكان هادئ للغاية، لا يشهد أي تغيير يذكر. واقتصادياً، تفتقر المنطقة إلى الفرص، فلا تكاد توجد فيها شركات كبيرة ولا تشهد أي تدفق سياحي.
"لا أحد يهتم ببيروبيجان، وبيروبيجان لا تهتم بأحد أيضاً. إنها منطقة معزولة... لا أستطيع وصف التدهور والخراب اللذين يسودان فيها بسبب الهجرة المتلاحقة منها. كل شيء هنا يبدو مثيراً للسخرية. في شارع رابينوفيتش، على سبيل المثال، يوجد معرض سيارات يدعى (شالوم موتورز)، يملكه رجل صيني مسن. وفي ساحة كابتسيفيتش، يوجد مقهى صغير يدعى (كوشر كافيه) يقدم المأكولات القوقازية"، هكذا استذكر أحد السكان المحليين الذي غادر المدينة لاحقاً إلى إسرائيل.
في الوقت ذاته، يشير آخرون إلى أنهم لن يستبدلوا منطقتهم الفريدة بأي شيء. كما أنهم لا يوافقون على حقيقة أن اليهود يكادون لا يوجدون هنا. ويقول مثل محلي "قد لا تكون يهودياً، لكنك ملزم العيش كيهودي".
ويضيف عمدة المدينة أن "سكان المدينة الذين قد لا يعتبرون يهوداً رسميين، إلا أنهم يستمعون بهدوء إلى أغنية (هافا ناجيلا) فضلاً عن أنواع أخرى من الموسيقى اليهودية في الصيف، ويرقصون على أنغامها على ضفاف النهر، ويشاركون بسعادة في الأعياد الوطنية".
الحاخام الأكبر للمنطقة إفرايم كولباك يقول "ربما لا يلتزم معظمهم أية تقاليد، لكنهم يهود ذوو روح يهودية حقيقية... لقد التقيت هنا تحديداً بهذا النوع من اليهود الذين لديهم مصطلحاتهم الخاصة ولهجتهم اليهودية العامية. علاوة على ذلك، هناك بيئة مثيرة للاهتمام هنا، فهناك يهود في المدينة لا تربطهم أية صلة بالمعبد، لكنهم مع ذلك يجتمعون في منازلهم للاحتفال بالسبت في حلقة يهودية".
ويضيف "كثيراً ما يخالفون جميع قواعد السبت، لكن لديهم هوية يهودية. وهذا أمر غير معتاد للغاية بالنسبة إلى روسيا".
حقائق أساسية حول بيروبيجان والمنطقة اليهودية ذاتية الحكم، الوضع المنطقة اليهودية ذاتية الحكم في روسيا، هي المنطقة الوحيدة في العالم التي تتمتع فيها اللغة اليديشية بصفة لغة رسمية (فضلاً عن اللغة الروسية)، وهي الكيان الدولي اليهودي الوحيد الذي نشأ بسلام كوطن لليهود قبل قيام إسرائيل بنحو عقدين.
تاريخ الإنشاء، تأسست هذه الجمهورية اليهودية عام 1928 واعتُرف بها رسمياً عام 1934. وظهرت فكرة إنشاء منطقة الحكم الذاتي اليهودية خلال عشرينيات القرن الماضي كمشروع سوفياتي لإعادة توطين اليهود وخلق بديل للصهيونية. ونظر إليها على أنها وسيلة لتنمية المناطق ذات الكثافة السكانية المنخفضة في الشرق الأقصى وتعزيز الحدود.
موقع الدولة اليهودي، تقع جمهورية بيروبيجان جنوب شرقي روسيا، وتبعد نحو 8 آلاف كيلومتر شرق العاصمة موسكو قرب الحدود الصينية، وتقول مراسلة "بي بي سي" كايت غولدبرغ إن ستالين أقامها كأول وطن رسمي لليهود.
وتضيف غولدبرغ أن المستوطنين اليهود بدأوا التوافد إلى المنطقة عام 1928، أي قبل 20 عاماً من إعلان قيام إسرائيل، وشكلت بيروبيجان وطناً قومياً لليهود السوفيات واليديشية اللغة الرسمية للمنطقة.
ومدينة بيروبيجان هي العاصمة أي المركز الإداري لمنطقة الحكم الذاتي اليهودي (أوبلست) التي أسسها الزعيم السوفياتي ستالين.
مساحة بيروبيجان، تبلغ مساحتها 41277 كيلومتراً مربعاً أي أكبر بضعفين من مساحة إسرائيل البالغة 22072 كيلومتراً مربعاً، وهذه المساحة توازي مساحة سويسرا، بكثافة سكانية لا تتجاوز 14 نسمة بالميل المربع، مما يجعلها مؤهلة لاستقبال ملايين اليهود.
الأمن والأمان، ظلت بيروبيجان مكاناً آمناً لليهود حتى صعود الفكر الصهيوني وبدء مشروع الاستيطان في فلسطين.
التركيبة العرقية، على رغم اسمها، فإن منطقة الحكم الذاتي اليهودية هي اليوم منطقة ذات غالبية روسية. ووفقاً لتعداد عام 2020، يشكل الروس غالبية السكان (أكثر من 95 في المئة)، بينما انخفضت نسبة اليهود بصورة ملحوظة إلى أقل من واحد في المئة (نحو 837 شخصاً).
الحداثة، تحافظ المنطقة على ثقافتها وتقاليدها اليهودية، على رغم قلة عدد السكان اليهود، وعلى رغم أنها كانت جمهورية كاملة مخصصة لليهود، يتحدث سكانها اللغة اليديشية، وتنتشر فيها الثقافة اليهودية.
الحكم، تُدار المنطقة ككيان اتحادي ذات حكم ذاتي موسع تابع للاتحاد الروسي، ولها حاكمها وحكومتها الخاصة.
الجغرافيا، تقع المنطقة في أقصى جنوب شرقي روسيا، وتحدها مقاطعة خاباروفسك ومقاطعة آمور والصين.
وهكذا، على رغم احتفاظ المنطقة باسمها ورمزيتها الفريدة، فإن الحكم الذاتي اليهودي هو ذو طبيعة ثقافية وتاريخية أكثر، ولا يعكس التركيبة العرقية الحديثة للسكان.
بيروبيجان هي الحل
تطرح المفكرة البريطانية الجريئة ميشيل رينوف حلاً عبقرياً ومختلفاً يعيد تعريف جذور القضية الفلسطينية من منظور تاريخي مسكوت عنه. وهذا الحل، كما تصفه، لا يعتمد على تقسيم الأرض أو فرض التسويات، بل يستند إلى عودة اليهود لموطنهم الأصلي الحقيقي، جمهورية اليهود في بيروبيجان.
وتؤكد ميشيل رينوف أن الشعب اليهودي لديه وطن تاريخي، لكنه ليس في فلسطين ولا في أية أرض عربية، بل في منطقة تدعى بيروبيجان، تقع جنوب شرقي روسيا. وهذه المنطقة، بحسب رينوف، كانت أول جمهورية يهودية في التاريخ الحديث، وقد تأسست بطريقة سلمية في إطار الاتحاد السوفياتي، بدعم من يهود العالم، وعلى رأسهم العالم الشهير ألبرت أينشتاين والكاتب غولدبرغ.
الخطة التي قدمتها السيدة الإنجليزية والناشطة السياسية رينوف، عدّها بعضهم الرد المنطقي على "صفقة القرن" وأنها بالفعل مثيرة للاهتمام، فهي ترى أن هناك حلاً للقضية الفلسطينية والصراع العربي - الإسرائيلي يتمثل في عودة اليهود لوطنهم الأول في جمهورية اليهود، بيروبيجان.
وأثار إعلان الإدارة الأميركية خلال الولاية الأولى لدونالد ترمب "خطة ترمب للسلام" التي تهدف إلى حل النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني، تباين الآراء والنقاشات والطروحات المختلفة في شأن شرعيتها ومدى إنصافها للطرفين.
وحددت معظم البلدان والمؤسسات الدولية موقفها من هذه الصفقة، فمنها من أيد ومنها من اعترض وقدم اقتراحات من أجل مواجهتها كعقد المؤتمرات والوقفات التضامنية وما إلى ذلك، وما زال جميع المؤمنين بعدالة القضية الفلسطينية يحاولون البحث عن السبل التي تمكن من مجابهة "الصفعة" الهادفة ضمناً إلى تصفية القضية الفلسطينية.
لماذا لا يعرف أحد الجمهورية اليهودية الأولى؟
تشير رينوف إلى أن إسرائيل تتعمد التعتيم الإعلامي على هذه الحقيقة لأن الاعتراف بها يفقد المشروع الصهيوني مبرره الأخلاقي والتاريخي. فمن وجهة نظرها، لم تكُن هناك حاجة إلى اغتصاب أرض فلسطين وتشريد شعبها، ما دام أنه كان أمام اليهود خيار جاهز وآمن للعيش فيه، هو جمهورية بيروبيجان.
وترى رينوف أن الصهيونية اختارت فلسطين لأسباب استعمارية توسعية، وليس لأن اليهود كانوا بحاجة ماسة إلى وطن، كما زعموا بعد الحرب العالمية الثانية. وتضيف أن هذا المشروع كان محركه الطمع وليس النجاة، وأن جمهورية بيروبيجان كانت وما زالت تمثل الخيار الأخلاقي والمنطقي لحل النزاع العربي- الإسرائيلي.
أسست رينوف منظمة عالمية للدفاع عن هذا الحل، وتحمل اسم "جمهورية اليهود"، وتنشط في الترويج لفكرة العودة الآمنة لليهود المقيمين في فلسطين لموطنهم الأصلي في روسيا. وتؤكد أن الحل السلمي والعادل يتمثل في:
• إعادة الأرض لأصحابها الفلسطينيين.
• إعادة اليهود لدولتهم الأولى حيث يعيشون بكرامتهم وثقافتهم من دون نزاع أو استعمار.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتخوض رينوف معركة توعية صعبة ضد الإعلام الغربي الذي يرفض الحديث عن هذه الجمهورية، وتدعو إلى فضح ما تسميه "الأسطورة الصهيونية" حول ارتباط اليهود الحصري بفلسطين. وقد ألقت محاضرات عدة في البرلمان البريطاني وساحات دولية أخرى، محذرة "من استمرار تجاهل هذا الخيار الأخلاقي والمنصف".
وتزامن الاستيطان اليهودي في بيروبيجان مع حملات القمع ضد اليهود في ألمانيا النازية، وكان ذلك في حد ذاته عنصراً مهماً في دعم الفكرة من قبل اليهود خارج الاتحاد السوفياتي.
وكانت المنظمات اليهودية الداعمة لبيروبيجان موجودة في كندا وأوروبا الغربية وأميركا الجنوبية، وفي أوائل ثلاثينيات القرن الـ20 وصل نحو 1400 مهاجر يهودي من دول خارج الاتحاد السوفياتي هاجروا من الولايات المتحدة وأميركا الجنوبية وأوروبا وفلسطين.
وبعد الحرب العالمية الثانية أدت الهجرة إلى زيادة عدد السكان اليهود المحليين بمقدار الثلث، وفي نهاية عام 1948، وصل العدد إلى 20 ألفاً تقريباً، إلا أنه توقف إحياء بيروبيجان كمركز يهودي في نهاية عام 1948، بعد أن قامت دولة إسرائيل ودعت يهود العالم إلى الهجرة لـ"أرض الميعاد"، وتزامن ذلك مع بدء ستالين بقمع الثقافة اليهودية وأعدم رئيس حكومة المنطقة وأغلقت المعابد اليهودية في المنطقة.
وبسبب ذلك، فضلاً عن عوامل جغرافية توقفت الهجرة اليهودية إلى بيروبيجان، وانخفض عدد سكان اليهود بصورة كبيرة. ولم تحدث أية تغييرات في الحياة اليهودية في بيروبيجان بعد فترة ستالين. فكان السكان اليهود يشكلون أقل من عشر إجمالي سكان المنطقة عام 1959.
مشكلة الهجرة اليهودية من الاتحاد السوفياتي
أشعلت حرب الأيام الستة عام 1967 موجة من الوعي القومي بين يهود الاتحاد السوفياتي. وبعد عام من قطع العلاقات بين الاتحاد السوفياتي وإسرائيل، تحديداً في الـ10 من يونيو (حزيران) 1968، تلقت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفياتي اقتراحاً مشتركاً من وزارة الداخلية وجهاز الاستخبارات السوفياتي (كي جي بي) يتضمن إجازة هجرة اليهود من البلاد لكنها لم تقر.
استيقظت المشاعر القومية عند كثر من اليهود بصورة ملحوظة بعد انتصار إسرائيل في حرب عام 1967، مما أسفر عن توقف عملية انصهار اليهود في روسيا والجمهوريات السوفياتية الأخرى، مما أدى إلى زيادة طلبات الهجرة من روسيا إلى إسرائيل وكذلك الولايات المتحدة الأميركية، وقد حاولت موسكو في تلك الفترة عرقلة حركة الهجرة، إذ أدركت أن الهجرة اليهودية إلى إسرائيل تسيء إلى علاقاتها مع الدول العربية والفلسطينيين، بيد أن الدول الغربية بخاصة الولايات المتحدة مارست ضغوطاً قوية على القيادة السوفياتية التي اضطرت منذ مطلع السبعينيات إلى رفع بعض القيود التي كانت مفروضة على هجرة اليهود. وفي مايو (أيار) 1971، ومن أجل تشجيع يهود الاتحاد السوفياتي على الهجرة إلى إسرائيل، أقر الكنيست تعديلاً على قانون العودة، يسمح لأي يهودي خارج البلاد بالحصول على الجنسية الإسرائيلية.
وأدى تردد السلطات السوفياتية في السماح لليهود بمغادرة البلاد جماعياً إلى تظاهرات احتجاجية في المدن السوفياتية وأحداث أخرى مثل محاولة اختطاف طائرة متجهة إلى السويد في الـ15 من يونيو 1970. وتورط ما يسمى "الممنوعين"، وهم أولئك الذين منعتهم السلطات من مغادرة الاتحاد السوفياتي في هذه القضية البارزة. وقد أثار غضبهم الخفض المتعمد لحصة الخروج القانوني.
حُكم على من حاولوا الفرار بالإعدام أو بالسجن لمدد طويلة، وبفضل تدخل الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون الذي اتصل مباشرة بالأمين العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفياتي ليونيد بريجنيف، خُففت أحكامهم. وبعد فترة، أطلق سراح كثير من أعضاء المجموعة بعد تبادلهم مع ضباط الاستخبارات السوفياتية أو أُفرج عنهم مبكراً.
وبفضل تحركات نشطاء حقوق الإنسان، اضطرت السلطات السوفياتية إلى تخفيف موقفها في شأن هجرة اليهود، وازداد عدد تصاريح الهجرة إلى إسرائيل سنوياً، فبينما غادر 999 يهودياً الاتحاد السوفياتي عام 1970، ارتفع العدد إلى ما يقارب 13000 عام 1971، ثم إلى 28800 عام 1972.
وكانت مدن أوديسا وتشيرنيفتسي وميكولايف في أوكرانيا، وكيشيناو عاصمة مولدافيا وجمهوريات البلطيق، من أكثر الأماكن التي غادر منها اليهود، وليس بيروبيجان.
لكن التدفق الهائل للمهاجرين العائدين من الاتحاد السوفياتي، ولاحقاً من دول ما بعد الاتحاد السوفياتي، كشف عن مشكلة "تآكل" الطابع اليهودي لإسرائيل.
ووجهت انتقادات إلى حقيقة أن كثيراً من الوافدين لم يكونوا يهوداً وفقاً للشريعة اليهودية (الهالاخاه)، ولم ينتموا إلى الشعب اليهودي، بل سعوا فقط إلى تحسين أوضاعهم المعيشية والمالية بالانتقال، مستفيدين من المزايا التي يوفرها قانون العودة. ونظر بعض هؤلاء إلى إسرائيل على أنها مجرد محطة موقتة قبل الهجرة منها إلى الولايات المتحدة أو كندا .
في هذا السياق، ارتفعت أصوات بين الحين والآخر مطالبة إسرائيل بإدخال تعديلات على القانون وفرض قيود على حق العودة والحصول على الجنسية الإسرائيلية. ووفقاً للأستاذة روث غابيزون، "لا ينبغي السماح لمن لا يرغب في الحياة اليهودية بالهجرة"، وقد اقترح معيار الرغبة في الحياة اليهودية كتعديل للقانون.
وأدى تدفق المهاجرين إلى أزمة اقتصادية حادة في إسرائيل التي أرسلت في الـ 12 من مارس (آذار) 1951 مذكرة إلى الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وفرنسا تطالب فيها بتعويض قدره 1.5 مليار دولار من الأموال التي تلقتها كتعويضات من ألمانيا. تجاهلت الحكومة السوفياتية، الغاضبة من سياسات ديفيد بن غوريون المستقلة، المذكرة الإسرائيلية. ونصحت الدول الغربية إسرائيل بالتوجه مباشرة إلى ألمانيا الغربية.
وعقب انهيار الاتحاد السوفياتي في أوائل التسعينيات، غادر آلاف اليهود هذه المنطقة متجهين إلى إسرائيل والغرب. ولم يبقَ سوى أعداد قليلة من اليهود في المنطقة، غالبيتهم من كبار السن. ووفقاً لتعداد عام 2010، فقد بلغ مجموع سكان المنطقة نحو 170 ألف نسمة، لم يتجاوز عدد السكان اليهود منهم 1600 شخص.
موقف الحركة الصهيونية من مشروع بيروبيجان
يوضح لنا الباحث اليهودي هيمان ليفي في كتابه "اليهود والمسألة القومية "national Jews and the question أن "الحركة الصهيونية قاتلت من أجل استعمار فلسطين، وكان نجاح مشروع بيروبيجان تهديداً لها، ولذلك كان من غير المتوقع أن ينظر الصهيونيون إلى المشروع بعين الرضا". مع أن حاييم وايزمان "رحب بالمشروع كتحول في بناء حياة اليهود السوفيات، وعده محطة في الطريق إلى الوطن اليهودي في فلسطين"، شنت الصهيونية داخل الاتحاد السوفياتي حملة على المشروع، وتساءلت في الصحف "لماذا بيروبيجان وليس فلسطين؟".
وبرر الإسرائيليون موقفهم بأن الشيوعيين يريدون أن يفقروا اليهود، والتخلص منهم بنقلهم إلى مكان ناءٍ، وأن بيروبيجان ليست منطقة جذب بالنسبة إلى اليهود بسبب موقعها، وأنها غير قادرة اقتصادياً أن تحل مشكلة يهود الشتات.
ويُذكر أن الحركة الصهيونية بدأت نشاطها في أواخر القرن الـ19 وقبل ذلك، وكانت تقوم بدور مهم في مختلف البلاد ومن ضمنها فلسطين وفي مختلف المجالات، وفي ذلك الوقت كانت قد اشتدت سطوتها وقوتها الدولية.
وعلى رغم أن فلسطين لم تكُن الخيار الأول لهم لتكون وطناً ليهود الشتات، فإن الاختيار وقع في النهاية عليها وذلك نتيجة لجهود الحركة الصهيونية الروحية، ومنها أخذت تؤكد أن فلسطين، وفلسطين وحدها هي الحل لأنها المركز أو المحور الذي يستقطب يهود العالم روحياً وسياسياً، وبها ستحقق الحلم الديني والروحي لتجميع اليهود في أرض الميعاد، كلهم سواء، المتدين منهم وغير المتدين، وتحت سياسة تسمح لهم بممارسة يهوديتهم كيفما شاؤوا.
جمهورية اليهود المنسية في بيروبيجان
ما تخافه إسرائيل والدول الغربية الداعمة لها هو الترويج لفكرة عودة اليهود لموطنهم الأول في هذه الجمهورية، وإقناع العالم بعودة آمنة لليهود المقيمين في فلسطين لجمهورية بيرويجان ليعيشوا بأمن وسلام وينعموا بأجواء الثقافة اليهودية السائدة فيها، ويتحدثوا لغة الـ "يديش"، لغة يهود أوروبا، من دون أية معاداة للسامية كما تروج له الصهيونية العالمية حالياً.
جمهورية بيروبيجان ذات الحكم الذاتي في روسيا الاتحادية مساحتها تماثل مساحة بلد أوروبي مثل سويسرا أو النمسا أو البرتغال، بكثافة سكانية ضئيلة تصل إلى 14 نسمة بالميل المربع مقابل 945 نسمة بالميل المربع في إسرائيل، وقادرة على توطين كل اليهود في العالم بمن فيهم اليهود في أرض فلسطين. وفي حال حدوث ذلك يمكن إنهاء مأساة تهجير العرب الفلسطينيين المشردين في أصقاع الأرض وتسهيل عودتهم لبلدهم فلسطين.
لكن هذه الفكرة تتعارض مع أهداف الصهيونية العالمية والدول الغربية المستفيدة من وجود دولة إسرائيل في قلب الوطن العربي والشرق الأوسط، بسبب دور إسرائيل القائم على تبادل المنافع في حماية المصالح الغربية والاعتماد عليها للقيام بحروب بالوكالة عنها في بعض الأحيان ضد من يهددون مصالح الغرب.
والأمر الذي تبقيه إسرائيل طي الكتمان وتعتم عليه بصورة مطبقة، هو أن جمهورية اليهود هذه تأسست قبل قيامها بعقدين بدعم وتشجيع من يهود أميركا أنفسهم ممثلين بهيئة كانت تضم في عضويتها كبار العلماء والمفكرين والكتاب اليهود، على رأسهم عالم الفيزياء اليهودي ألبرت أينشتاين والكاتب الأميركي المعروف غولدبرغ. وهكذا خدعت الصهيونية العالمية العالم أجمع عندما زعمت خلال الحرب العالمية الثانية أن اليهود في أمس الحاجة إلى أرض فلسطين كوطن قومي لهم وأنهم مشردون في الأرض ولا يوجد لهم وطن قومي يؤويهم، وتذرعوا بذلك لتشريد الفلسطينيين والاستيلاء على وطنهم وأراضيهم .
وأثناء تفكك الاتحاد السوفياتي عام 1991 كانت هذه الجمهورية مؤهلة لإعلان استقلالها عن روسيا الاتحادية مثلها مثل الشيشان، ولكن الصهيونية منعت حدوث ذلك بسبب حساسية ظهور جمهورية خاصة باليهود في مكان غير فلسطين، وخطورة رفع الوعي لدى يهود العالم بوجود تلك الدولة وتحويل هجرتهم إليها بدلاً من فلسطين، والأمر الغريب أن الغرب دفع العرب والمسلمين إلى "الجهاد" لتحرير الشيشان وفك ارتباطها مع روسيا، وكان بإمكانه فعل الشيء نفسه ودعم جمهورية بيروبيجان للاستقلال عن روسيا وجعلها وطناً بديلاً لليهود عن فلسطين.
المفارقة الغريبة أن الحركة الصهيونية التي بررت احتلالها فلسطين من أجل إيجاد وطن قومي لليهود، لم ولا تعترف بوجود جمهورية بيروبيجان كوطن قومي لليهود يعيشون فيه بسلام ووئام مع الشعوب الأخرى من دون حروب دموية وإبادة جماعية، وهي تحاول بكل الوسائل والسبل التعتيم على وجود هذا الوطن اليهودي وتتجاهله نهائياً كما لو أنه غير موجود على الأرض أبداً.