ملخص
في معرضه الجديد "صيرورة الضوء" يكشف الفنان وعازف الموسيقى الكلاسيكية ريبال ملاعب عن تجربة بصرية تتقدم بهدوء نحو العتبة الفاصلة بين اللون والنور بين المادي والروحي.
تبدو لوحات ريبال ملاعب في معرضه "غاليري صالح بركات" حتى الثاني من يناير (كانون الثاني) 2026 كأنها تقطر اللحظة العابرة التي يختلط فيها الأفق بالهواء، وتتماهى فيها درجات الأزرق والوردي والذهبي حتى تكاد تتحول إلى ذبذبات ضوئية أكثر منها مشاهد طبيعية. لا يبحث ملاعب عن المنظر بقدر ما ينصت إلى تردداته الداخلية: إلى ذلك الاهتزاز الخفيف الذي يسبق شروقاً أو غروباً، وإلى المساحة التي يغادر فيها اللون كثافته ليصير طيفاً، ثم حالة، ثم موسيقى.
لطالما شكلت العلاقة بين الموسيقى والرسم محوراً أساساً في ذاكرة الفن الحديث، منذ تجارب رواد القرن الـ20 مثل فاسيلي كاندينسكي وبول كلي، اللذين سعيا إلى تحويل الإيقاع واللحن إلى عناصر بصرية، حيث تصبح الخطوط والألوان نغماً واهتزازاً يوازي النوتة الموسيقية.
هذا التوازي يحضر بوضوح في أعمال ريبال ملاعب، الذي يستلهم إحساسه الموسيقي في تدفق اللون وتدرجات الضوء. فكل لوحة تعمل كـ"سيمفونية لونية" تترجم حركة السماء وتحولاتها الزمنية إلى تجربة بصرية متناغمة ومتصاعدة.
قد تبدو تجربة الانعطاف نحو الرسم بالنسبة لريبال ملاعب مغامرة جريئة، لكنها أيضاً امتداد طبيعي لحساسيته الفنية. فالفنان المولود في بيصور عام 1992 نشأ في محترف والده، الرسام المعروف جميل ملاعب، قبل أن يشق طريقه الأكاديمي في مجال الموسيقى.
في الـ17 من عمره انتقل إلى سالزبورغ لمتابعة دراسته في جامعة موزارت، ثم واصلها في فيينا في جامعة الموسيقى والفنون الأدائية، إلى أن انتقل لاحقاً إلى زيوريخ، حيث تولى منصب المدير الفني لـ"جمعية SUMITO للفنون والموسيقى. وبعد عودته إلى لبنان أسس عام 2015 "مهرجان ملاعب للموسيقى والفنون الجميلة".
وبقدر ما اكتسب من صرامة أكاديمية في الموسيقى، انطلق بحرية في فضاء الفن التشكيلي بدافع الولع باللون. فعرض أعماله لاحقاً في صالات ومؤسسات بارزة حول العالم، من نيويورك إلى طوكيو، مروراً بدبي وأبوظبي وباريس ولندن ومدريد وأمستردام وجنيف وبازل وزيوريخ.
هل الفن يورث؟
ليس الفن إرثاً يُورّث، بل شرارة تنبثق حين تنضج شروطها الداخلية. وكثيرة هي التجارب التي عجزت عن اللحاق بوهج الآباء، وكثيرة هي تلك التي استطاعت أن تشق طريقها بفرادتها الخاصة. ريبال ملاعب يقف اليوم في هذا المفترق المزدوج بين الرسم والموسيقى، منسجماً مع فضاء مسقط رأسه في بيصور، حيث شاعرية المشهد الجبلي وعناق السماء للقمم.
في معرضه "صيرورة الضوء" يدعو ريبال ملاعب العين إلى الإصغاء لموسيقى اللون وشفافية الضوء في الطبيعة. فالشغف بالنسبة له لم يعد مجرد نزوة أو امتداداً لوراثة فنية، بل مساراً تحكمه الإرادة والتجربة والصبر على مزاولة الرسم، من إمساك الفرشاة واكتشاف أسرار المزج اللوني، إلى خوض مغامرة المساحات الكبيرة.
ودخول أعماله منذ عام 2021 في مقتنيات دولية يؤكد أن هذا المسار أضحى خياراً فنياً قائماً بذاته. يبقى السؤال مفتوحاً: هل يعيش ريبال ملاعب صراعاً بين موسيقاه ورسمه، أم أن التناغم بينهما هو ما يمنحه هذه القدرة على الإصغاء لموسيقى اللون والضوء؟ والأهم ماذا أضافت ذائقته الموسيقية إلى المعايير الفنية من جديد في مجال التجريد اللوني؟
في النظرية الروحية للتجريد يشير كاندينسكي إلى أن اللون يمتلك "قوة موسيقية داخلية"، وأنه "يمكن سماعه" و"يؤثر بالنَّفْس كما تفعل الموسيقى"، فإن هذا التصور يجد صداه بوضوح في أعمال ملاعب، حيث يتقدم اللون بوصفه نغمة وبنية في آنٍ، محركاً التجربة البصرية كما لو كان يؤلف مقطوعة تُبنى طبقة بعد طبقة. فقد ركز على لعبة الضوء والهواء كفراغ مطلق، مستغرقاً في تأمل عميق للسماء التي يطل عليها من البانوراما الفسيحة المحيطة ببيته ومرسمه في بلدة بيصور.
هناك، على علوّ يتيح ملاحقة الغيوم والضوء وساعات الغسق، أخذت تتشكل لديه تلك السمفونية اللونية التي لا تشبه إلا إيقاعه الداخلي. فلوحاته تشبه تدوينات بصرية لتحولات السماء وهي تنزاح من النهار إلى الليل، ببطء وتؤدة. وتمتد ضربات فرشاته على القماشة في مساحات عريضة، واضحة الأثر أحياناً، يندفع اللون فيها برهافة كأنه يلتقط اللحظة ويمنحها اتساع الطبيعة التي يستمد منها رؤيته.
وعلى رغم أن أعماله لا تقلد الطبيعة فإنها تذكر بقوانينها المتعلقة بفيسيولوجيا العين وتركيبها، على اعتبار أن الألوان كما قال غوته هي: "أفعال الضوء وآلامه".
تظهر السماء في لوحاته بلا أرض، أو تكاد. غير أن ظلالاً داكنة مثل لطخات لونية عريضة كثيراً ما تحتل أسفل اللوحات، مذكّرةً بحدّ الأرض ووزنها، وهي من مؤثرات اسلوب والده جميل ملاعب في ربط التجريد بالواقع، حتى ولو بدا هذا الامتداد بدوره عرضة للتقلّب والتحول مع الضوء.
هكذا يعمل ريبال ملاعب بكثافة ناشراً ضربات لونية واسعة (بالألوان الزيتية) على مساحات كبيرة، يصوّر فيها السماء وهي تتدرّج من العتمة إلى الضوء، وبينهما تلك الطبقات اللونية الرقيقة التي تنجذب إليها عيناه. غير أن التحديق في السماء، على أهميته في تجربته التشكيلية، ليس شغفه الوحيد، بل يرنو نحو قمم الجبال التي تتمثل كغلالات رشيقة مثل اجنحة نورانية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في المربعات الصغيرة، يبدو كل عمل كنافذة تطل على لحظة مختلفة من النهار: وهج وردي خفيف، زرقة باردة، ظلال خضراء شفافة، وتوهجات برتقالية حادة تسبق حلول الليل. لا يشتغل ملاعب على التباين، بل على الانزلاق الهادئ بين النبرات، مما يجعل اللوحات تمتد بصرياً كأنها أجزاء من نَفَس واحد طويل. من الوردي الى الاحمر الناري تبدو سطوح الأعمال مصقولة بعناية، يظهر فيها اللون كضباب ينسحب ببطء، مخلفاً هالات شفافة تحاكي رهافة السماء عند تخوم الفجر والغروب. في بعض اللوحات يوشك خط الأفق أن يختفي، بينما يتوضح في أخرى كحافة داكنة تستعيد ثقل الأرض مقابل خفّة السماء.
من هذا التوتر بين العمودي والأفقي، تنشأ موسيقى اللون: حركة بالغة الهدوء، لكنها مشدودة إلى تحولات نورانية يصعب الإمساك بها. وفي الأعمال الأكثر وهجاً، حيث تتداخل الدرجات البرتقالية والنيلية، يتحول اللون إلى حرارة محسوسة، ليستعيد طاقة الشروق والغروب بوصفهما حالتين وجوديتين: بداية ونهاية، امتلاء وانطفاء.
المقاربة مع التجريد الأميركي
سماؤه ليست موضوعاً بصرياً فحسب، بل مساحة للتأمل والعبور، ولصياغة علاقة جديدة بين العين والكون كفضاء شاسع. فالأزرق في لوحات ملاعب هو لون البعد والضوء هنا ليس نهاية المشهد بل بدايته. وفي هذه الشعرية البصرية تلتقي تجربته، من حيث الحس اللوني والانغماس البصري، مع بعض مقاربات التجريد الأميركي في منتصف القرن الـ20، ولا سيما تجربة مارك روثكو في تحويل اللون إلى مجال عاطفي واسع.
غير أن ملاعب يستلهم تحولات السماء الفعلية وضوء الطبيعة المتغير، من خصائص الطبيعة اللبنانية، بينما كان روثكو يركز على البنية النفسية للون كقيمة ذاتية مستقلة. يجمعهما الاعتماد على أحجام كبيرة تمنح المشاهد إحساساً بالغمر، لكن ملاعب يضيف بعداً إيقاعياً واضحاً في تقسيماته الشبكية الصغيرة التي تعكس خلفيته الموسيقية وتحول اللوحات إلى جمل بصريّة متتابعة.
هكذا يتحول اللون عنده إلى لغة، والسماء إلى حقل للتأمّل، واللوحة إلى فضاء يُستعاد فيه الضوء كخبرة وجودية، لا كعنصر تشكيلي فحسب. بهذه السكينة المشدودة إلى نبض داخلي، يضع ملاعب أعماله على تخوم الشعر، حيث يصبح النظر شكلاً آخر للإنصات.