ملخص
"بلو أوريجن" ملتزمة قضية إنسانية أخرى وتحمل أهمية كبرى بالنسبة إلى جيف بيزوس شخصياً، وهي قضية تجسد شعار الشركة المعلن عنه في موقعها على شبكة الإنترنت وهو "إعمار الأرض".
تقوم "بلو أوريجن" الشركة الأميركية الخاصة للفضاء المملوكة لجيف بيزوس، منذ عقود، بخطوات صغيرة ناجحة، مما جعلها اليوم أهم منافسة لشركة إيلون ماسك العملاق "سبيس إكس"، بل إنها فازت أخيراً بثقة "ناسا" ودخلت بقوة سباق غزو الفضاء. حدث ذلك كله في فترة وجيزة، لذلك يرى متخصصون الفضاء أن الشركة نجحت بفضل سياستها الإعلامية والدعائية، ومن خلال خطاب إعلامي ذكي وماكر أيضاً، إذ وجهه بيزوس باحترافية عالية تحديداً إلى النخب العلمية وإلى "ناسا" تحديداً، لذلك حققت الشركة الرائدة في مجال الفضاء الأميركي والعالمي في النهاية نجاحاً كبيراً.
استراتيجية مختلفة
تختلف الاستراتيجية التي يخوض بها الملياردير الأميركي جيف بيزوس سباق غزو الفضاء عن كثيرين من منافسيه في هذا المجال، وأشهرهم إيلون ماسك صاحب الشركة الخاصة الأهم في مجال الفضاء "سبيس إكس". فبيزوس مستمر بالعمل الخاص في مجاله المفضل وهو سياحة الفضاء دون المدارية، وذلك لتحقيق الربح المالي حتى أثناء خوضه سباق القمر والمريخ لمصلحة "ناسا".
سياسة النفس الطويل
أكثر ما ميز شركة "بلو أوريجن" التزامها بسياسة النفس الطويل في مجال الفضاء الشاق والمتسارع باستمرار. فبيزوس كان آخر الداخلين في منافسة غزو الفضاء، رغم أن شركته الخاصة هي الأكثر قدماً بين شركات الفضاء الخاصة الأميركية والعالمية، إذ تأسست "بلو أوريجن" عام 2000، ومنذ ذلك الوقت تقدمت الشركة بخطوات صغيرة حتى وصلت اليوم إلى كونها الشركة الثانية الكبرى في هذا المجال في الفضاء الخاص بعد "سبيس إكس"، وفي الوقت ذاته هي شريكة رئيسة لـ"ناسا" في هذه المرحلة المهمة من تاريخ الفضاء.
سمعة راسخة
أصبحت "بلو أوريجن" من أبرز الأسماء في عصر الفضاء الحديث، وتقول صحافية علمية مستقلة، وتغطي مجالات متنوعة تشمل تكنولوجيا الكم، والذكاء الاصطناعي، وهي كينا هيوز-كاسلبري في مقالة نشرت قبل أيام عن هذه الشركة "أسسها جيف بيزوس، مؤسس (أمازون)، عام 2000، وبنت الشركة سمعة راسخة في مجال الابتكار والطموح والرؤية الجريئة لمستقبل البشرية خارج كوكب الأرض، وكتبت أيضاً على موقع علمي بارز تحت عنوان (اختبار بلو أوريجن) من الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام إلى المركبات القمرية، تسهم بلو أوريجن في رسم ملامح الفصل التالي من استكشاف الفضاء".
اهتمام "ناسا"
يمكن القول، إن استراتيجية بيزوس جلبت اهتمام "ناسا" أيضاً، فشركة الفضاء الأميركية الحكومية كانت بالفعل تبحث عن شريك وازن في القطاع الخاص، على ألا يتحلى بمزاجية إيلون ماسك، وأن يكون منضبطاً إعلامياً، ومتوازناً في الدعاية الإعلانية، وألا يكون متهماً ببيع الوهم للناس!
لذلك اهتم بيزوس كثيراً في الحفاظ على توازن دقيق بين المهام التجارية وتحقيق الربح المالي من دون التضحية بالجانب البحثي والعلمي الذي تقدره "ناسا" أكثر من غيرها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
السم في الدسم؟
من جهة ثانية يشي بعض كتابات خبراء الفضاء بأن بيزوس كان، أحياناً ينتهج سياسة دس السم بصورة احترافية أثناء كثير من مهامه، إذ تركز رحلات "بلو أوريجن" السياحية دائماً على عكس الإنجاز البشري النوعي، الذي يأتي ضمن رحلات ذات طابع ترفيهي بحت. لذلك، فإن جمهور الفضاء راغب دائماً بسماع أخبار شركته الخاصة، مما جلب لشركته احتراماً من النخب في المجتمع العلمي الأميركي، واهتماماً إعلامياً بأخباره الشخصية.
رحلة تاريخية
ستنقل رحلة "بلو أوريجن" السياحية المقبلة مستخدم كرسي متحرك إلى الفضاء للمرة الأولى، حيث أعلنت الشركة في الثالث من ديسمبر (كانون الأول) أن مهندسة الفضاء في وكالة الفضاء الأوروبية ميشي بينثاوس هي واحدة من الركاب الستة على متن رحلة السياحة الفضائية المقبلة للشركة، وستكون أول شخص على الإطلاق يستخدم كرسياً متحركاً يصل إلى الحدود النهائية لمدار الأرض. ويقول الصحافي الأميركي المخضرم مايك وول عن هذه الرحلة "ستنقل رحلة NS-37 أيضاً عالم الصواريخ السابق في سبيس إكس هانز كونيغسمان".
نوع خاص من الركاب
في السياق أعلنت "بلو أوريجن" حمولة الرحلة السياحية المقبلة لها، وهم ستة ركاب من نوع خاص، إذ كتبت في وصفها لأول شخص في طاقم الرحلة "قد كرست ميكايلا (ميشي) بينثاوس مسيرتها المهنية للتعاون العلمي من أجل تطوير استكشاف الكواكب". وأثرت إصابة في النخاع الشوكي، تعرضت لها في حادثة دراجة جبلية عام 2018، على قدرة بينثاوس على المشي، لكنها لم تؤثر في شغفها باستكشاف الفضاء. إذ حلقت على متن طائرة مكافئة تسبب انعدام الوزن عام 2022، وأكملت مهمة رائد فضاء تناظرية لمدة أسبوعين في بولندا عام 2024.
التزام وجدية عالية
تعكس الأسماء المعلن عنها لهذه الرحلة طابع "بلو أوريجن" الانتقائي في إنجاز المهام الفضائية. فالأسماء المنتقاة للرحلة توحي بكثير من الجدية والالتزام. والراكب الثاني مع بينثاوس هو جوي هايد، وهو مستثمر متقاعد. ووفقاً للشركة فهو يحمل درجة دكتوراه في الفيزياء الفلكية، وكثيراً ما كان مفتوناً برحلات الفضاء البشرية. والثالث هو هانز كونيغسمان مهندس طيران ألماني – أميركي عمل في "سبيس إكس" من عام 2002 حتى عام 2021، وعلى مدار السنوات الـ 10 الأخيرة من تلك الفترة، شغل منصب نائب رئيس الشركة للبناء وكان مسؤولاً عن موثوقية الرحلات، وهو المسؤول الأعلى عن سلامة ونجاح رحلات الفضاء. أما الرابع فهو نيل ميلش، رائد أعمال ومدير تنفيذي، ويترأس حالياً مجلس أمناء مختبر "جاكسون"، وهو معهد أبحاث طبي حيوي غير ربحي تأسس عام 1929.
الهوس بالفضاء والعمل الخيري
في معرض حديثها عن طاقم الرحلة، تؤكد "بلو أوريجن" دائماً على فكرة تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة حول الهوس بالفضاء والعمل الخيري والتعليم وتنمية موارد الأرض إضافة إلى ما تسميه الشركة "غرس روح الشكوك السليمة" عن الفضاء. فضمن طاقم الرحلة أيضاً، أدونيس بوروليس، وهو مهندس تعدين ومستثمر ورائد أعمال يركز في عمله على الموارد الطبيعية وقطاع الطاقة. وبحسب الشركة "تعكس مسيرته المهنية وأعماله الخيرية التزاماً راسخاً بالتعليم والتنمية المسؤولة والمستدامة لموارد الأرض".
شكوك سليمة
وهناك أيضاً على متن الرحلة الترفيهية جيسون ستانسيل، الذي يعلن عن نفسه كونه "مهووساً بالفضاء"، ويقيم في غرب تكساس، ووفقاً لـ"بلو أوريجن"، يسعى إلى غرس روح الشكوك السليمة في هذا المجال، وإلى تعزيز التعليم العلمي من خلال خبرته، ويهدي أيضاً رحلته إلى شقيقه كيفن، الذي توفي عام 2016 بعد صراع شاق مع سرطان الدماغ.
إعمار الأرض!
وبناء على ذلك كله، يمكن القول إن "بلو أوريجن" ملتزمة قضية إنسانية أخرى، وتحمل أهمية كبرى بالنسبة إلى جيف بيزوس شخصياً، وهي قضية تجسد شعار الشركة المعلن عنه في موقعها على شبكة الإنترنت وهو "إعمار الأرض"، إذ يتناغم هذا الشعار مع تصريحات خاصة أطلقها أخيراً، وأكد فيها ضرورة حماية كوكب الأرض من العبث حتى في أشد لحظات سباق غزو الفضاء العالمي حرجاً. وعموماً فإن رؤية بيزوس الخاصة في مسألة "غزو النجوم" تقوم على نقل البشر من الطبقة العاملة والمصانع التي تلوث الأرض والشركات إلى كواكب قريبة منا، مثل القمر والمريخ، فيما تظل الأرض مكاناً نظيفاً وآمناً للراحة والاستجمام.