Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ثلاث روايات لبيكيت تربك عالم الأدب النخبوي

سيد مسرح العبث في مجموعته النادرة "مولوي" و"مالون" و"فاقد اسمه" يحير النقاد

صمويل بيكيت (1906 - 1989) (غيتي)

 

ملخص

تعد تلك الثلاثية على أية حال، واحدة من أهم المحطات الأدبية في القرن الـ20، وليس فقط لأنها تشكل نقطة المركز في مشروع بيكيت الأدبي، بل لأنها تقدم نموذجاً فريداً للرواية الحديثة التي من الواضح أنها تسعى إلى تفكيك الذات في سياق تفكيك اللغة نفسها.

عرف الكاتب الإيرلندي صمويل بيكيت طوال النصف الثاني من القرن الـ20 بكونه السيد المطلق لما جرى التعارف على تسميته منذ مسرحيته "في انتظار غودو" بمسرح العبث، ولكن إلى جانب أوجين أونسيكو الروماني، وآرثر أداموف الروسي، وحفنة من كتاب آخرين كان من ميزاتهم الرئيسة والغريبة أنهم جميعاً حين كتبوا مسرحياتهم تخلوا عن لغاتهم الأم ليكتبوا بالفرنسية.

وكانت النتيجة أن الثلاثة، وعدداً غيرهم، أثروا اللغة الفرنسية بمتن مسرحي أتاها حقاً من خارجها، بيد أن بيكيت تحديداً، حين خاض أدبه غير المسرحي، ولو بثلاث روايات قصيرة بالكاد يمكن الاتفاق على كونها روايات، كتبها باللغة الإنجليزية من دون حتى أن يجد نفسه لاحقاً مجبراً على توضيح ذلك "التناقض" أو حتى اعتباره تناقضاً.

ومن هنا ظل ذلك التناقض فريداً، فرادة الغاية التي من أجلها كتب بيكيت تلك الروايات الثلاث في أوقات متقاربة، تسبق على أية حال ظهور مسرحيته "العبثية" الأولى باللغة الفرنسية، مسرحية "غودو" عام 1952.

ولعل ذلك السبق بالنسبة إلى الروايات الثلاث يفسر المسألة اللغوية في كتابتها على التوالي، عام 1951 بالنسبة إلى الأوليين، "مولوي" و"مالون يموت"، ثم عام 1953 بالنسبة إلى الثالثة والأخيرة "اللامسمى". وهو أمر يعفينا على أية حال من التوقف طويلاً عند هذه المسألة، لننتقل إلى الحديث عن الثلاثية بوصفها تضم روايات إنجليزية متفردة وحتى في مسار الكاتب الذي لم يكرر التجربة مرات كثيرة بعد ذلك.

 

ولا شك أن ذلك الاستنكاف لم يكن نتيجة لفشل ما، فالروايات كانت ناجحة في حدود نخبويتها ومن منظور النقاد والباحثين الذين سيجمعون لاحقاً على كونها معاً، تمهيداً واضحاً لمسرحيات بيكيت التي ستصدر طوال ما تبقى من سنوات حياته ولكن بلغة أخرى غير لغته الأم.

روايات حديثة

تعد تلك الثلاثية على أية حال، واحدة من أهم المحطات الأدبية في القرن الـ20، وليس فقط لأنها تشكل نقطة المركز في مشروع بيكيت الأدبي، بل لأنها تقدم نموذجاً فريداً للرواية الحديثة التي من الواضح أنها تسعى إلى تفكيك الذات في سياق تفكيك اللغة نفسها. وذلك بهدف أن تضع القارئ في مواجهة مباشرة مع أسئلة الوجود والوعي والعدم.

ومن هنا صنفت هذه الروايات غالباً ضمن إطار تيار "أدب العبث"، غير أنها في حقيقتها تتجاوز هذا التصنيف إلى نوع من الحفر داخل الذات البشرية، حيث "يختبر الفكر نفسه باعتباره شكلاً من أشكال المقاومة ضد الانطفاء".

 

ففي "مولوي" وهي الرواية الأولى من روايات الثلاثية، يبدو السرد، بحسب الباحثين، أشبه برحلة عبثية لشخص يبحث عما يكون هو نفسه. وبسرعة يكتشف القارئ أن مولوي كائن متشظ لم يعد يذكر أبداً من هو، وما الذي يريد أن يفعله، لكنه على رغم ذلك، يواصل سعيه وسط انهيار المقولات الاجتماعية والمنطقية. إنه يتحدث بوعي متقطع، ثم يتوقف ليصحح نفسه. كما ليشكك في أقواله، وبعد ذلك ليعيد صياغة وجوده في كل صفحة، غير أن الرواية لا تبنى على أحداث، بل على نوع من وعي يتشكل في كل مرة لينهار إثر ذلك فوراً. ومن هنا تبدو "مولوي" أقرب إلى أن تكون مونولوغاً داخلياً طويلاً، تتحول فيه اللغة إلى فضاء للتيه، ويصبح السرد تمريناً على مقاومة التلاشي عبر الكلام.

خطوة نحو التجريد

بعد "مولوي" تأتي "مالون يموت" متخذة خطوة تالية نحو التجريد. فمالون الذي يعيش في غرفة غير واضحة المعالم، ينتظر الموت، فيقرر أن يقضي ما تبقى له من وقت في تدوين حكايات لا نعرف نحن بل لا يعرف هو نفسه، ما إذا كانت متخيلة، أو مستعارة أو مختلقة كلياً.

ففي النهاية لا يعود ثمة هنا أي عالم خارج الذات، وإنما مجموعة سرديات صغيرة تتولد من فعل الكتابة نفسه. وفيها يقدم الكاتب صورة عن الذهن المحتضر، ذهن يحاول بآخر ما لديه من قدرة على التنظيم، أن يخلق تسلسلاً أو سرداً أو معنى، وأن يقبض على حياة تتسرب من بين يديه لحظة بعد لحظة.

 

ومن هنا لا يبدو عنوان الرواية وصفاً لحال جسدية وحسب، بل إعلاناً عن مشروع السرد نفسه. إن السرد هو الذي يموت لكنه يحاول أن يترك أثراً ما، بالتالي قد تبدو رواية "مالون يموت" تمريناً حاداً في مضمار تفكيك الرواية التقليدية، إذ لا حركة هنا واضحة، ولا شخصيات ثابتة، بل مجرد وعي يحاول الإمساك بالعالم قبل أن يفلت هذا العالم إلى الأبد.

أما الرواية الثالثة "اللامسمى" فهي الذروة التي بلغ فيها بيكيت أقصى درجات التجريد والاختزال، ودائماً بحسب باحثي أعماله. فهنا لم يعد هناك راو له اسم، ولا مكان ولا زمان، ولا فعل يمكن تمييزه، "بل مجرد صوت معلق بين الوجود والعدم". والصوت يتكلم لمجرد أن الصمت مستحيل، وهو يعترف بجهله من هو ولا من يخاطب ولا إن كان الحديث مفروضاً عليه من جانب قوة مجهولة.

قمة تفكيك الذات

في هذا النص الأخير يبلغ بيكيت قمة تفكيك الذات: فالذات هنا ليست سوى "شيء" يجبر على الكلام لمجرد أن يثبت وجوده، "لكنه كلما تكلم وجد نفسه يقترب من نفي ذاته أكثر وأكثر. هنا "تصبح اللغة نفسها ساحة صراع بين الوجود والصمت، بين الرغبة في قول شيء ما، والاعتراف بأن ليس ثمة هنا ما هو قابل لأن يقال".

ومن هنا تعد "اللامسمى" واحدة من أكثر التجارب الأدبية تطرفاً في القرن الـ20، وذلك لأنها لا تفك فقط منظومة الرواية، بل تفك فكرة الوعي ذاته بوصفه كياناً مستقراً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما على مستوى الموضوعات، فتقدم هذه الثلاثية بحثاً متواصلاً يتعلق بهوية الذات، هل نحن حقاً ما نفكر فيه؟ أم ما نتذكره؟ أم ما يقوله الآخرون عنا؟ أم أن ليس ثمة أصلاً ما هو كيان أو هوية؟ أما بالنسبة إلى بيكيت فإن الباحثين يرون أن "السؤال الأعمق هو: كيف تتكلم الذات حين تصبح اللغة نفسها مشكوكاً فيها؟ ومن هنا تتحرك الثلاثية بصورة متواصلة في فسحة ما بين الاعتراف والإنكار، بين الذاكرة والنسيان، بين محاولة التقاط الماضي وإدراك أن الماضي نفسه قد يكون وهماً".

وتتقاطع هذه التساؤلات على أية حال مع مناخ الوجودية الأوروبية كما ساد بعد الحرب العالمية الثانية، حين وجد الوعي البشري نفسه مثقلاً بالتجربة الجماعية القائمة على الخراب والعبث. ولعل في هذا البعد بالذات يمكننا أن نعثر على إجابة عن أسئلة كثيراً ما طرحت منذ ظهور صمويل بيكيت الأول على مسرح الحياة الأدبية والفكرية في العالم الأوروبي المعاصر، لعل أهمها سؤال السياسة الذي نعرف أن الكاتب نفسه لم يجب عليه أبداً رافضاً دائماً أن يحدد مواقفه السياسية. فهل تراه فعل ذلك بصورة مواربة في هذه النصوص الثلاثية التي قد تكون مثقلة بالوعي السياسي السلبي على أية حال، بأكثر كثيراً مما نعتقد؟".

المزيد من ثقافة