ملخص
أكثر من مرة حاول المخرج هاشم غزال السيطرة على نص "طقوس الأبيض" لكاتبه محمود أبو العباس، ومسرحة هذا النص الذي يمزج بقوة بين الشِّعر والدراما، إلا أن مسرحية الكاتب العراقي ظلت أقرب إلى توليفة من عدة نصوص شعرية لكل من المعري وبدر شاكر السياب وإيليا أبو ماضي وسواهم.
اللافت في مسرحية "طقوس الأبيض" أنها تضيف إلى النصوص الشعرية، حكاية رمزية تجمع حفّار قبور وقابلة قانونية مع ثلاث نساء حوامل كل منهن لها ظرفها الاجتماعي. فهناك المرأة التي تريد أن تضع قبل اكتمال جنينها، وهناك أخرى متهمة زوراً بخيانة زوجها العقيم، في حين تموت امرأة ثالثة مباشرةً بعد وضع مولودها، فيتبرّأ زوجها من الطفل لمصلحة الحانوتي وزوجته.
ويأتي عرض "طقوس الأبيض" كمحاولة مستمرة لتدجين الشِّعر وترويضه على الخشبة، ورغبة أدبية في تقديم أبعاد رمزية من خلال شخصيتين على طرفي نقيض من الحياة، فحفّار القبور (هاشم غزال) يبدو محاصراً بأطياف الجثث التي يقوم بدفنها يومياً، فيما تحلم القابلة (رغداء جديد) بأجنّتها التي تموت هي أيضاً بعد تسعة أشهر من الحمل. الحفّار والقابلة هنا مثالان صارخان عن الموت والولادة، لكن ما من صراع درامي بينهما سوى عبارات يتقوّل بها الحانوتي معلّقاً على تبرم زوجته من حظِّها العاثر، وكيف كانت تباعاً تفقد أطفالها (أجنّتها) قبل أن يخرجوا إلى الضوء. تتهم القابلة رجلها بأنه هو من حمل رائحة الموت إلى أطفالها بعد كل جثة يقوم بمواراتها التراب: "قل إن ظلكَ الثقيل وأنت تواري الأجساد تلو الأجساد الثرى هو من حمل رائحة الموت لرحِمي". تبادل اتهامات أقرب إلى مشاحنات بلغة شعرية، فالزوج يرد الاتهام باتهام أقسى حين يقول لها: "أنتِ زوجة أم شركة خاسرة"؟
غياب الصراع الدرامي في "طقوس الأبيض" إلا في مستواه الرمزي، عوّض عنه الكاتب العراقي محمود أبو العباس بثلاث قصص لثلاث من النساء الحوامل يحضرن مع أزواجهن إلى بيت الحفار والقابلة. الثنائي الأول يحكي قصة امرأة (هبة شاهين) تريد أن تضع مولودها وهي لا تزال في الشهر السابع من الحمل، فيما يذعن الزوج (مصطفى جانودي) لرغبة زوجته الخائفة على طفلها من مستقبل موحش ينتظره، فما سيحدث في قادم الأيام برأيها سيكون أكثر فظاعة ووحشية مما يحدث اليوم، ولهذا تريد المرأة أن تهرب مع طفلها من البلاد التي يتصاعد العنف فيها من دون أمل في إيقافه. القصة تبدو غير منطقية، فالزوجة تستطيع أن تضع مولودها في البلاد التي ستهاجر إليها، ولا داعي أصلاً إلى استعجال لحظة الولادة في بلاد كل ما فيها يدعو للهجرة عنها.
الزوج العقيم
أما القصة الثانية التي يوردها مؤلف "طقوس الأبيض" فتبدو أكثر منطقية، فالزوج العقيم (محمد وجيه إبراهيم) الغائب عن بيته منذ أشهر طويلة، سيعود من سفره ليرى بطن زوجته (نبال شريقه) وقد انتفخت، فيظن أنها قد حملت سفاحاً من رجل آخر. يقتادها الرجل إلى القابلة كي تكشف عليها، لكنه سيفاجأ بأن المرأة ليست حاملاً، وأن ما يبدو حملاً ليس إلا أكياس من الماء قد تراكمت في بطن المرأة المسكينة. إذاً هم حمل كاذب حطم آخر أمل لاستمرار الزواج بين الشريكين. في قصة الثنائي الثالث تحضر امرأة حامل (وفاء غزال) رفقة زوجها (أكرم الشيخ) وقد شارفت على الوضع، لكنها ستتبرأ من زوجها، فلقد قررت أن تضع مولودها وتسافر. تموت المرأة أثناء الولادة، فيما يتبرّأ الزوج من مولوده مدعياً أنه قد طلّق شريكة عمره قبل أن تضع مولودها. يبقى الطفل كما لو أنه هدية لكل من الحفّار والقابلة، فلقد مُنيا به بعد أن أخفقا في إنجاب طفل من صلبهما.
حل قد يبدو غير منطقي لإنهاء العرض (إنتاج نقابة الفنانين- اللاذقية)، ويبدو أنه مقحم كخاتمة للنص. نهاية سعيدة لأحداث أقرب إلى قالب الميلودراما (الإغراق في المأساوية). هكذا لا يبدأ "طقوس الأبيض" من ذروة إلا لينهيها، بناء فهدم، وهدم فبناء. هكذا دواليك نسوة تحمل وتضع وتموت، وأخريات يفقدن آخر أمل لهن في الإنجاب. مقابر مفتوحة وأرحام خصبة، وفي هذه وتلك نشاهد طفو الحياة كرموز لا كشخصيات وأحداث. أمثولات شعرية يرددها الممثلون على أسماع الجمهور، وعبرها يستعيد الممثل دور الكاهن أو الشامان في إسقاط على مجازر اليوم وكوارث الأمس.
وتخلل قصص الأزواج الثلاثة ما يشبه ترتيلاً للجوقة (أصوات سونيا مقديد، عمار أشقر) بمصاحبة عزف حي على آلة التشيللو (تاج زهرة)، إذ تضمن ذلك ترداداً لمقاطع من أبيات وقصائد شعرية لكل من الإمام علي والإمام الشافعي وأبي العلاء المعري، جنباً إلى جنب مع قصائد بدر شاكر السياب وإيليا أبو ماضي، لعل أبرزها كان قول المعري "ومن كانت منيته بأرضٍ، فليس يموت في أرضٍ سواها". المشكلة الأساسية كانت في الحفاظ على التوتر الدرامي بين هذه المقاطع والحوارات المكتوبة بلغة شعرية، فالشعر يبقى له صوته وبنيته الخاصة به، ولا يمكن بحال من الأحوال تحقيق موضوعية الدراما المسرحية عبر إنشاد القصائد، ولهذا برز الممثلون وكأنهم شعراء على الخشبة (مسرح المركز الثقافي في اللاذقية)، تتحكم اللغة بهم أكثر مما يتحكمون بها، فالشعر بطبيعته مادة مكتوبة ومقروءة خارج نطاق المسرح، أي من دون ملاحظات مكتوبة لكيفية قوله وعرضه، الأمر الذي أحال نص "طقوس الأبيض" إلى ما يشبه قصيدة درامية، لكنها هنا تريد أن تقول حكمتها بألسنة متعددة لأكثر من شاعر.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وكان من المفيد في "طقوس الأبيض" التمييز بين شعرية النص والنص الشعري، فالنص المسرحي يمكن- بل يجب أن يحتوي- على شعرية كامنة في حوارات شخصياته (مسرحيات شكسبير وراسين تمثيلاً لا حصراً)، لكن أن يكون النص المسرحي نصاً شعرياً صرفاً، فهذا سيؤدي إلى أن تكون اللغة هي من تتكلم وليس الممثل، مما يخلق مسافة بين المؤدي والشخصية التي يقوم بأدائها من جهة، وبين شخصيات العرض والجمهور من جهة ثانية. الأمر الذي يعيدنا إلى طبيعة فن الشعر الذي يكتفي بذاته وبصوره الخاصة، فيما ينحو النص الدرامي إلى توظيف الأداء والحركة والإيماء لإيصال مقولة العرض وشكله الفني المقترح.
وعليه حاول الفنان هاشم غزال جاهداً إنقاذ ما يمكن إنقاذه مثل درامية النص، والانتقال به من الخطابة والإلقاء إلى حالة من الصراع، وهذا برأيي بدا من الصعوبة بمكان، فالنص ظل كتيماً ومحايداً درامياً، ويعتمد القصة الرئيسية "الحفار والقابلة" لتوليد قصص فرعية سرعان ما تظهر شخصياتها وتغيب عن ساحة الحدث، مما دفع المخرج للتعويض عن ذلك بجماليات الإضاءة (عماد خدام) والتعويل على الجوقة، مقسّماً فضاء اللعب إلى مستويين: الأول هو المستوى الخلفي في عمق الخشبة، إذ جعله كمرآة للأحداث وعلى هيئة توابيت منفصلة، فيما جاء المستوى الثاني على يمين ويسار ومقدمة الخشبة كمساحة للفرجة. السينوغرافيا اللافتة (هاشم غزال) اتكأت على القماش الأبيض لتجسيد الأكفان والأقمطة كدلالتين على الحياة والموت، واستطاع غزال من خلال القماش الأبيض أن ينوّع في لونية الإضاءة تبعاً للحالات الدرامية.