ملخص
أقبل الناس على التعامل بالليرة التركية في إدلب وبعموم الشمال المحرر منذ سنوات، لأسباب أنهم لا يرغبون في عملة النظام السابق أولاً، ولأسباب تتعلق بالتعاملات الكثيرة مع الجانب التركي، والأسواق هناك تضم ملايين من السوريين، وهذه التعاملات كانت بالتركي الذي لا يزال مستمراً التعامل به، مع تعامل بسيط ومحدود بالعملة السورية.
بعد سيطرة هيئة تحرير الشام على مدينة حلب في الـ29 من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وانتشار المقاتلين والعناصر المسلحة منذ اليوم الأول في أرجاء المدينة، تدفق القادمون من إدلب في شمال غربي سوريا، وهم يحملون عملات ورقية تركية في مشهد لافت.
الخوف من العملة
مشهد صادم في الأسواق والحوانيت شبه المغلقة، إذ بادر مقاتلون يحملون مئات من الليرات التركية يتسوقون احتياجاتهم من حانوت على جانب الطريق، هكذا يروي الرجل الستيني أحمد ريحاوي، بعد ما دس العنصر بيده عملة بالليرة التركية، سائلاً إياه "بتاخذ تركي".
تداول الليرة التركية سرياً قبل سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد يعد بمثابة خيانة عظمى، وإذا أمسك من يحملها من الأمن السوري في ظل نظام الأسد حتماً مصيره السجن ودفع غرامة مالية.
في غضون ذلك يروي العم ريحاوي هذا المشهد "في الأيام الأولى من عملية تحرير حلب وقبل أن تصل القوات المعارضة وقتها إلى دمشق، تدفق إلى المدينة أفواج من السوريين من مدينة إدلب وآخرون هم من أهالي حلب ممن هاجر قسرياً قبل عقد من الزمن جميعهم كانوا يحملون عملات أجنبية منها التركية. لقد فتحت الأسواق أبوابها للزائرين، كنا نخاف قبل سقوط الأسد من ذكر الدولار بل نستعيض عنه بكلمة الأخضر أو نسرف بالتمويه لنسميه (البقدونس)، بينما من يحمل العملة التركية، فالويل مما سيحدث به، سيكون أمام إجراءات أمنية صارمة من تحقيق وغيره عن كيفية وصول هذه العملة ليده".
من يكسب الليرة؟
وتعامل سكان الشمال السوري بصورة مطلقة بالليرة التركية وتحولت العملة بأن تكون أساسية في إدلب، شمال غربي البلاد المستفيدة من محاذاة المناطق الريفية في إدلب وحلب للأراضي التركية، واليوم بعد ثمانية أشهر من سقوط نظام الأسد، ووصول السلطة الجديدة برئاسة الرئيس السوري أحمد الشرع، لا تزال العملة التركية حاضرة بل أخذت بالانتشار بصورة أكبر في محافظة حلب، وانتقلت مع القادمين من إدلب والشمال السوري إلى المحافظات السورية، مع الانفتاح الواسع على العملات الأجنبية التي كان يحظرها البنك المركزي سابقاً منذ اندلاع النزاع المسلح في سوريا عام 2011، وأقر حينها مراسيم بتجريم التعامل بها.
وأثناء تجوالنا في مناطق مثل سرمدا والدانا وغيرها من مناطق إدلب التجارية يمكن ملاحظة الوصول الخجول لليرة السورية والتداول البطيء، ويعزو ذلك أحمد رامي مداراتي، من أهالي مدينة حلب ويعمل في الأدوات الكهربائية في مدينة سرمدا، إلى أن "العملة التركية قوية أكثر من الليرة السورية التي تحسنت أخيراً، لقد اعتدنا في الأسواق على التعامل بـ"التركي"، ومن المتوقع أن يأخذ الأمر بعض الوقت حتى تستقر عملتنا المحلية للتعامل بها".
واستقرت العملة المحلية (الليرة) بعد سقوط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، وانخفضت إلى 13 ألف ليرة في مقابل الدولار الواحد، بعد ما كسرت بعد معركة حلب حاجزاً غير متوقع بنحو 40 ألف ليرة، وناهزت 20 ألفاً في دمشق، واليوم تحاول الاستقرار وتتأرجح بين 10 إلى 11 ألف ليرة.
أخطار على الطريق
في غضون ذلك فسر الخبير الاقتصادي آدم خوري التمسك بالليرة التركية في الشمال السوري بكون التحول الحاصل إلى هذه العملة الأجنبية جاء بوقت سابق، أي في يونيو (حزيران) من عام 2020، إذ لم يكن وقتها خياراً اقتصادياً بحتاً، بل قراراً سياسياً بالمرتبة الأولى من القوى المسيطرة، ضمن أجندات إقليمية واضحة. وأضاف خوري "لاحقاً، ومع اعتياد الناس على التعامل بها، ومع غياب أي دور جاد لإعادة الليرة السورية، أصبح من الصعب التراجع، والأمر تعزز أكثر من خلال المؤسسات الخدمية مثل الكهرباء والخبز والرواتب عبر فروع الـPTT التركية".
ورأى الخبير الاقتصادي أنه حتى في الآونة الأخيرة بدأت بعض المؤسسات الوطنية مثل المؤسسة العامة للكهرباء في محافظة حلب، التابعة لوزارة الطاقة، بالسماح بالدفع بالتركية أو ما يعادلها، على رغم أنه يفترض الالتزام بالليرة السورية، "وبالتالي مع الأسف يترسخ واقع جديد يقوم على الليرة التركية بدل الوطنية، بدعم من المؤسسات الوطنية المركزية".
القدرة على التحكم بالأسعار
وأشار خوري إلى انعكاسات خطرة على الجانبين الاقتصادي والسياسي، من ترك العملة التركية تأخذ هذا الحيز في الأسواق والتعاملات التجارية، وأردف قائلاً "من الناحية الاقتصادية نحن أمام حالة تفتيت نقدي وفوضى اقتصادية، فالدولة تفقد وحدتها النقدية، ويصبح لكل منطقة عملتها الخاصة بها، وبالتالي سوريا تفقد سيادتها النقدية وتضعف قدرة الدولة على التحكم بالأسعار والسيولة، والأخطر أن أي اهتزاز في الاقتصاد التركي الذي هو بالأساس غير مستقر ينعكس مباشرة على حياة الناس في الشمال". وتابع "أما إذا تحدثنا سياسياً فإن استمرار التعامل بالليرة التركية، وترسيخ ذلك حكومياً يؤسس لتبعية تدريجية لاقتصاد دولة أجنبية، ومع الزمن تتحول هذه التبعية الاقتصادية إلى تبعية سياسية، وهو ما يضعف السيادة الوطنية ويعمق الانقسام الداخلي". وأعرب خوري عن أسفه من حال هيمنة الليرة التركية في الشمال السوري "ما نشهده اليوم ليس فقط أزمة نقدية، بل صورة من صور الفوضى الاقتصادية الشبيهة بما تعيشه سوريا عموماً من انهيار في الليرة السورية من جهة على رغم ما يعتقده بعضهم من تحسن لسعر الصرف ناتج من شح السيولة، واعتماد عملات بديلة في مناطق أخرى من جهة ثانية، والخطر هنا مزدوج ولعل أوله ضياع الاقتصاد الوطني وآخره تحول جزء من المجتمع السوري إلى تابع مباشر لسياسات خارجية".
ولعل الأخطار التي تحدث عنها خبراء الاقتصاد عن تأثر الأسواق السورية التي تعتمد على الليرة بالاهتزازات الاقتصادية بتركيا قد وجدت طريقها في الأول من يونيو (حزيران) الماضي، حين سجلت الليرة التركية تراجعاً إلى مستويات غير مسبوقة وصلت 40 ليرة تركي في مقابل الدولار الأميركي، مما ترك انعكاسه على أسعار المنتجات والسلع في إدلب.
وانتعشت الأسواق منذ خمس سنوات مع ضخ كميات كبيرة من العملة التركية، وفق الصيرفي قاسم سعدون، صاحب محل للصرافة في إدلب، الذي قال "لا نزال إلى اليوم نتعامل بالعملة التركية، لقد أقبل الناس على التعامل بها في إدلب وبعموم الشمال المحرر منذ سنوات، لأسباب أنهم لا يرغبون في عملة النظام السابق أولاً، ولأسباب تتعلق بالتعاملات الكثيرة مع الجانب التركي والأسواق هناك تضم ملايين من السوريين، وهذه التعاملات كانت بالتركي الذي لا يزال مستمراً التعامل به، مع تعامل بسيط ومحدود بالعملة السورية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الوضع الاقتصادي الصعب يلقي بظلاله على مدينة إدلب وريفها، على رغم توقف القصف مع سقوط نظام الأسد، لكن البلدات التي قصفت، لا سيما معرة النعمان وسراقب بريف إدلب الجنوبي الواقعتين على طريق إم 5 (حلب ـ دمشق)، وتحتاجان إلى دعم سريع بعد دمار واسع ألحقه بهما الجيش النظامي في عامي 2018 و2019 وانتزاعهما لموقعها الاستراتيجي، وعلى رغم احتياجات لوجستية من بنية تحتية لإعادة السوريين المهجرين قسراً، فإن الزائر لتلك البلدات التي فتحت أبوابها حديثاً بعد السقوط يرى أنه ظل القاطنون في البلدتين على استخدام العملة التركية في تعاملاتهم اليومية.
الطباعة وشح السيولة
من جهة رأى الخبير المصرفي عامر شهدا أن العملة التركية أصبحت متداولة بعد سقوط النظام للعلاقات الاقتصادية والتجارية بين المناطق الخارجة عن سيطرة النظام وغيرها، وفرضت نفسها بالسوق، لأنهم لا يملكون سوى التعامل معها، وبالتالي بحسب رأيه ليس من الممكن خلال ليلة وضحاياها استبدالها مع الكم الهائل من التذبذب، باتخاذ قرارات تخص الليرة السورية ومن جهة طباعتها الجديدة وشح السيولة. وتابع "فهي اليوم داعمة ريثما يجري إيجاد مجلس نقد وتسليف، لاتخاذ القرارات اللازمة من أجل تبديلها وتحقيق مقدارها بالتداول، والعمل على طرحها في مقابل العملة التركية". وعلى رغم أن هذا سيسبب خسارة للتجار نتيجة فرق الأسعار، لكن لا بد من اتخاذه في الاعتبار ومعالجته حالياً، وفق وجهة نظره، ومن الصعب الاستمرار بالتداول ريثما يحدث إيجاد حزمة من الحلول التي تواجه كل المشكلات في تبديل العمل السورية بالتركية.
واعتبر الخبير المصرفي شهدا أن التعامل بالليرة التركية أكثر ناتج من شح السيولة وطرح الكمية اللازمة، وهي حالة طبيعية لنقص السيولة في السوق وعدم قدرتها على سد متطلبات السوق من الكتلة النقدية من التداول، وأضاف "وضمن هذه الآلية التي يعمل عليها البنك المركزي لا يمكن تكوين رؤية عن العملة السورية إلى اليوم، إذ لا يوجد اهتمام عميق بكمياتها، ولا بد من بذل جهود واهتمام حقيقي لما له أثر لجهة المواطنة والانتماء".