Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف نفذت الحرب إلى الأغاني السودانية؟

تحولت لدى كثر إلى أداة صريحة للتجييش والحشد تعكس بوضوح الانقسام الحاد داخل المجتمع

مثلت "الحكّامات" حضوراً اجتماعياً وثقافياً راسخاً في دارفور عقوداً طويلة (اندبندنت عربية - حسن حامد)

ملخص

في مجتمع يواجه التشظي والخوف والنزوح القسري، لم تعد الأغنية السودانية مجرد تعبير عاطفي أو مساحة للترفيه، بل تحولت إلى خطاب مقاومة، ووعاء للذاكرة الجمعية، وأداة لاستعادة الشعور بالانتماء وسط انهيار البنى الاجتماعية والثقافية.

منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات "الدعم السريع" في أبريل (نيسان) عام 2023، برزت الموسيقى السودانية ضمن لحظات التحول العميق التي تمر بها البلاد، وبوصفها أحد أهم الأصوات الثقافية التي أعادت تعريف دور الفن في مجتمع يواجه التشظي والخوف والنزوح القسري، لم تعد الأغنية مجرد تعبير عاطفي أو مساحة للترفيه، بل تحولت إلى خطاب مقاومة، ووعاء للذاكرة الجمعية، وأداة لاستعادة الشعور بالانتماء وسط انهيار البنى الاجتماعية والثقافية، فمن بين الركام ظهرت عشرات الأغنيات التي حملت دلالات الألم والفقد، لكنها أيضاً بثت الأمل ودعت للوحدة، لتصبح مع مرور الوقت جزءاً من محاولات السودانيين لصياغة معنى جديد للحياة في زمن الحرب.

ويكشف تطور الأغنية السودانية جذور هذا التحول، فمنذ أغنيات الفنان خليل فرح التي واجهت الاستعمار بالتورية والرمز، مروراً بأنشودة الهوية في "أنا سوداني" وأهازيج ثورة أكتوبر (تشرين الأول) عام 1964 التي ثبتت موقع الفن في قلب التحول السياسي، وصولاً إلى موجة ثورة ديسمبر (كانون الأول) عام 2018 حين أصبحت الموسيقى أداة تعبئة جماهيرية مباشرة، ظل الفن السوداني وثيق الصلة بحركة الشارع وتقلبات الوجدان الجمعي، لكن الحرب الحالية دفعت بالأغنية إلى مرحلة جديدة، أكثر حدة وصلابة، إذ باتت تسعى ليس فقط إلى تسجيل الألم، بل إلى مقاومته.

 

في ظل توقف الحفلات وهجرة الفنانين وانهيار المؤسسات الثقافية، أعاد الفنانون ابتكار أدوات إنتاجهم، فسجل بعضهم أعماله عبر الهواتف المحمولة، وشارك آخرون أغنياتهم من الملاجئ، في محاولة لتثبيت حضور الصوت، وعلى رغم الانقسام الجغرافي والاجتماعي الذي فرضته المعارك، تطرح هذه الأغنيات سؤالاً جوهرياً، ما إذا كان بإمكان الموسيقى أن تكون الجسر الأخير بين السودانيين، والعامل الذي يرمم ما تهشم من الوعي المشترك.

في ضوء هذا المشهد تبدو الأغنية السودانية اليوم مشروعاً ثقافياً أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، فهي ليست توثيقاً للحظة فحسب، بل محاولة جادة لتوجيه مسار الأحداث عبر إعادة بناء السلام.

سلطة رمزية

على امتداد تاريخ السودان الشفاهي شكلت "الحكّامات" إحدى أكثر الظواهر التعبيرية إثارة للجدل، فبين شدو يحتفي بالشجاعة والبطولة، وصوت قد يتحول، من دون قصد، إلى محرض على العنف، ظل حضورهنّ يقف عند الحد الفاصل بين سلطة الكلمة وجاذبية الإيقاع، وبين الوجدان الجمعي المتقلب وسياق الصراع الذي يمنح الأغنية قدرة على إشعال المشاعر أو تهدئتها، فقد مثلت "الحكّامات"، وهن النساء اللواتي يؤدين دوراً شعرياً وغنائياً في الحماسة والحرب، حضوراً اجتماعياً وثقافياً راسخاً في دارفور عقوداً طويلة، صوت القبيلة في لحظاتها المصيرية، يحضضن ويمجدن ويثبتن معايير الشرف وفق منظومة قيم محلية ذات جذور ضاربة في التاريخ.

وخلال حرب دارفور عام 2003 بلغ هذا الدور ذروته الأكثر حدة، إذ تحولت بعض الأغنيات إلى أدوات تعبئة مجتمعية تفخم صورة المحارب، وتشهر بالمتخاذل، وتعيد إنتاج الانقسام القبلي في لحظة كانت فيها الكلمة ذات أثر يوازي الرصاصة، فقد كانت "الحكّامات"، بما يمتلكن من سلطة رمزية، قادرات على توجيه المزاج العام للرجال وتحريك سلوك الجماعة، مما جعل أغاني الحرب آنذاك جزءاً من بنية الصراع، بل وقوداً يذكي النزاعات بين المكونات المحلية. هذا الاستخدام القاسي للصوت النسائي منح "الحكّامات" موقعاً مركزياً لكنه إشكالي، إذ بدت الأغنية في بعض الأحيان امتداداً للمعركة لا محاولة لفهمها أو تفكيكها.

لغة المصالحة

ومع التحولات اللاحقة، خصوصاً قبيل الحرب الحالية، بدا واضحاً أن هذا الصوت قادر على التحرر من أسر وظيفته القديمة، فقد نظمت منظمات دولية وحقوقية ورشاً تدريبية في جنوب دارفور جمعت أكثر من 20 "حكّامة"، لإعادة توجيه الفن نحو خطاب سلام يستبدل بالتحريض لغة المصالحة، انطلاقاً من تصور جديد لمسؤولية الكلمة ودورها في رأب الصدع المجتمعي، وفي بلد تتمتع فيه النساء بنفوذ كبير داخل مجتمعاتهن، شجعت الورش "الحكّامات" على تضمين الأغاني رسائل سلام وتعزيز ثقافة الحوار، فيما رأت ناشطات أن هذا الفن قادر على تعبئة المجتمعات لمنع خطاب الكراهية وتحويل الطاقة الغنائية إلى قوة للتهدئة.

وقالت المديرة التنفيذية لمنظمة "المستقبل" نهلة يوسف "إن تأثير أغاني الحرب التي أدتها بعض الحكّامات كان بالغ الخطورة، إذ يمكن أن تتحول تلك الأهازيج إلى شرارة تغذي مشاعر العداء بين المجموعات المحلية، أو حتى بين أفراد العائلة الواحدة، وقد تدفع الناس إلى حال من الانفلات العاطفي تفضي في نهاية المطاف إلى اندلاع اشتباكات واقعية"، وأشارت يوسف إلى أن الورش التدريبية دفعت المغنيات إلى التأمل في إرثهن الغنائي وفي الأثر الذي تركته أغانيهن في سياق النزاعات، مضيفة "طرحنا سؤالاً جوهرياً أمامهن، ما الرسالة التي تردن إيصالها؟ وهل ما تقدمنه يخدم المجتمع حقاً أم يسهم في إشعال النار الكامنة؟". وأبرزت يوسف كذلك النفوذ العميق لـ"الحكّامات" داخل مجتمعات دارفور، قائلة "إن النساء هناك لا يكتفين بالمساندة المعنوية وإنما يشاركن في القتال أحياناً، ولهن تأثير يسمع له الناس من دون تردد"، وأكدت "هذا الاحترام الكبير الذي تتمتع به الحكّامات هو بالضبط ما جعلنا نبدأ معهن، فهؤلاء النساء، إذا أُعيد توجيه أصواتهن، يمكن أن يتحولن إلى سفيرات للسلام بدل أن تكون أغانيهن امتداداً لصراعات السلاح".

نسق صوتي

يقدم الموسيقي أحمد الحاج مقاربة عميقة للمشهد الموسيقي السوداني، بوصفه نسقاً صوتياً يشهد على تحولات الوجدان الجمعي، لا مجرد ألحان تؤدى، فبرأيه، "تستطيع كل نوتة في الموسيقى السودانية أن تحمل شحنة معنوية خاصة، إذ يخرج الفرح في إيقاع الطنبور المتسارع كوميض ينهض من قلب النيل، بينما يستقر الحنين في مقامات رخيمة تنساب من الكمنجة بوصفها امتداداً للروح أكثر منها آلة"، وأورد أيضاً "يُعد الحزن في الموسيقى السودانية حالاً جمالية مخصوصة، تعبر عنها في التموجات الصوتية التي تتصاعد ثم تهبط، كأنها تجسد حركة الفقد نفسه، أما نبرة الحرب فتنبثق من ضربات الإيقاع الحادة التي تشبه وقع الخطى على أرض تغلي بالتوتر، وعلى الضفة الأخرى تأتي موسيقى السلام بانفتاح لحنها وقدرتها على منح المستمع فسحة من الطمأنينة، حتى وإن ولدت في قلب الخراب"، وأضاف "هذا التنوع ليس طارئاً، بل هو نتاج إرث ممتد من الألحان ذات الإيقاعات الراقصة، إلى مدارس الجاز السوداني التي أعادت صوغ الروح المحلية بلغة عالمية، وقد شكلت الأغنية السودانية، أرشيفاً حياً للذاكرة الوطنية، ففي الحرب الأهلية الثانية، لعبت أغنيات الدينكا دور السجل الشفاهي الذي وثق قصص النزوح والجوع وانكسار البيوت، لكنها حملت أيضاً بذرة الرجاء في العودة، مما منحها طابعاً مزدوجاً يجمع بين الوجع والصلابة"، وأوضح الحاج أنه "مع اشتعال هذه الحرب، استعادت الموسيقى هذا الدور، ولكن بحدة أكبر، إذ باتت الأغنية الاحتجاجية الحديثة امتداداً مباشراً لصوت الشارع، فهي تسمي المأساة وتقترح شفاء رمزياً، تدعو للوحدة، وتشد أزر المنهكين".

وفي استدعائه لأغنيات الحماسة إبان "الثورة المهدية"، ومنها تلك التي خُلدت فيها بسالة المناضل عبدالقادر ود حبوبة، لفت الحاج إلى أن الموسيقى السودانية كثيراً ما عبرت عن لحظات المواجهة، لكنها تغيرت أدواتها، من وهج السيف اللامع في قصائد القرن الـ19 إلى ضجيج المدافع والطائرات المسيرة اليوم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

طابع تعبوي

لم تكتفِ أغنيات فترة الحرب بتسجيل المأساة أو التعبير عن الحنين إلى السلام، بل تحولت لدى كثر إلى أداة صريحة للتجييش والحشد، تعكس بوضوح الانقسام الحاد داخل المجتمع، فكما أن للثقافة السودانية إرثاً غنياً في الأغاني التي تمجد قيم السلام والعودة والطمأنينة، فهي تمتلك أيضاً تقاليد راسخة في الأغنيات القتالية والحماسية، التي كثيراً ما رافقت الحروب والنزاعات منذ العهود القديمة، وما يحدث اليوم ليس استثناء، بل امتداد لهذا الإرث في سياق أشد فوضوية وتعقيداً.

فعلى الضفة الأولى برزت أغنيات تناشد وقف القتال، وتدعو إلى عودة النازحين إلى منازلهم، وتبث روح التفاؤل على رغم المخاوف والدمار، تعبر عن فتح المدن خصوصاً الخرطوم أبوابها، وبحياة تنبثق من بين الأنقاض، غير أن هذا الصوت المسالم بدا، في كثير من الأحيان، خافتاً أمام موجة أخرى من الأغاني التي سارعت إلى تغذية العنف وتمجيده، فقد ظهرت أعمال تحمل خطاباً مباشراً يدعو إلى "الحسم العسكري"، ويمتدح الطيران والمدفعية، ويحث كل طرف على دكّ حصون خصمه، في سردية تتقاطع مع منطق الحرب وتعيد إنتاجه داخل المخيلة الشعبية.

هذا النوع من الأغاني بات يمثل جزءاً من معركة الرموز الدائرة خارج ساحات القتال، فهي تمنح طرفاً من أطراف النزاع شرعية وجدانية، وتسهم في خلق بيئة نفسية تطبّع العنف وتبرره.

ولفتت الصحافية نوال الجيلي إلى أن "هذا الصراع داخل الحقل الفني ليس وليد اللحظة، فقد عرف السودان، عبر تاريخه، فنانين اصطفوا إلى جانب السلطة، وآخرين تماهوا مع نبض الشارع، لكن الجديد اليوم هو سرعة الإنتاج وارتجالية الرسالة في أغنيات الحرب، التي تُكتب وتُسجل وتُنشر بضغطة هاتف، مما يجعلها تتجاوز الضوابط الفنية والمهنية، وتتحول إلى منشورات صوتية ذات طابع تعبوي أكثر من كونها أعمالاً فنية مكتملة"، وأضافت "على رغم ذلك، لا يمكن تجاهل أن هذه الأغنيات، برأي بعض الفنانين، تحمل رسالة من نوع ما، حتى وإن وُلدت في مناخ مسموم، يمكن أن يُنظر لها على أنها شهادة على لحظة تاريخية تتنازع فيها الأصوات، ما بين صوت يدعو للسلام ببطء مثقل، وآخر يطالب بمزيد من النار، وفي هذا التناقض تكمن الحقيقة الأكثر مرارة، وهي أن الموسيقى، مثل الحرب نفسها، ليست محايدة".

 

قلب التجربة

في خضم هذه المأساة التي يعيشها السودان اليوم، حيث النزوح الجماعي أصبح قدر الملايين، برزت الأغنيات الحديثة بوصفها محاولة لاستعادة ما يمكن إنقاذه من إنسانية تتآكل تحت وطأة الحرب، ومن بين هذه الأعمال تطل أغنية "يا رحمن" لنانسي عجاج.

وقال الناقد أحمد علي "صدرت هذه الأغنية باعتبارها قادرة على ملامسة جوهر الأزمة، لا من زاوية سياسية أو صراعية، بل من قلب التجربة البشرية ذاتها، وفي لحظة يختنق فيها الفضاء السوداني بالدخان والدم، لتأتي كأنها تنفس جماعي في زمن ضاقت فيه الصدور، فهي لا تقدم خطاباً مباشراً عن الحرب، بل تعيد المتلقي إلى مساحة وجدانية أعمق، حيث يكون الابتهال طريقاً لتثبيت النفس في مواجهة الخراب، هذا الخيار لم يكن مجرد استعارة، بل كان استعادة لدور الصوت الروحي في الثقافة السودانية عندما تُغلق الطرق وتفقد الجماعة بوصلتها"، لكن علي رأى "أن هذا العمل يرتبط بوضوح بتراث المادح حاج الماحي، وهو تراث صوفي لا يعبر عن كل السودان، أعادته عجاج بالاقتباس أو المجاراة، وأعادت صياغته عبر رؤية معاصرة، تضع المتلقي أمام سؤال الوجود في لحظة السقوط، كيف يحتمي الإنسان من الفقد؟ وكيف يصون ما تبقى من روحه وهو يسير في طرقات النزوح بلا بيت ولا مدينة"، وتابع "تتقدم الأغنية محاولة الربط بين شتات الناس وذاكرتهم المشتركة، هي ليست أغنية عن الحرب بقدر ما هي عن الإنسان في مواجهة الحرب، عن الأم التي تحمل أطفالها تحت المطر، وعن العجوز الذي يغادر بيته للمرة الأولى، وعن المدن التي صارت مخيمات، وعن المخيمات التي لم تعد تكفي لتسمية الألم".

المزيد من تقارير