Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مستقبل الديمقراطية في جنوب آسيا

تتوجه الهند وباكستان نحو نظام استبداد الغالبية وسط تساؤلات حول نزاهة الانتخابات بينما تستعد بنغلاديش لإجراء الاستحقاق الأول من نوعه

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي خلال أحد التجمعات الانتخابية رفقة رئيس وزراء ولاية بيهار نيتيش كومار (أ ف ب)

ملخص

أكبر ديمقراطيتين في جنوب آسيا تعملان على تقليص المساحة المتاحة للمعارضة المشروعة لديهما.

تعد منطقة جنوب آسيا موطناً لربع سكان الكرة الأرضية البالغ عددهم 8 مليارات، وأكثر من نصف سكان قارة آسيا، مما يجعلها منطقة ذات أهمية ديموغرافية وسياسية واقتصادية كبيرة، وباستثناء أفغانستان فإن بقية الدول السبع في المنطقة ديمقراطية، وتشمل ثلاث دول ضمن أكبر 10 ديمقراطيات من حيث عدد الناخبين المسجلين، وهي الهند وباكستان وبنغلاديش.

ويختلف المناخ السياسي حالياً في كل من الهند وباكستان وبنغلاديش، إذ تأمل المعارضة في الهند زعزعة السيطرة المحكمة لحكومة ناريندرا مودي الذي يواصل الحكم للدورة الثالثة على التوالي منذ عام 2014، ونجح ائتلافه أخيراً في اكتساح الانتخابات داخل إحدى أهم الولايات، أما الحكومة الباكستانية فعلى رغم إحكام سيطرتها على الحكم إلا أنها تقف على ثوابت هشة من حيث شرعية الحكومة، ويستمد الحزب الحاكم قوته في تنفيذ قراراته واستبعاد منافسيه من المؤسسة العسكرية المهيمنة بدلاً من الشعبية الحقيقية.

في الجانب الآخر تمر بنغلاديش بعملية انتقالية حساسة، حيث يجري الاستعداد لأول انتخابات عامة في الدولة بعد نجاح انتفاضة الطلاب وسقوط حكومة رئيسة الوزراء السابقة حسينة واجد التي تحكم بيد من حديد لقرابة عقدين، وفي ما يتعلق بصحة الديمقراطية في هذه الدول فإن المؤشرات لا تبشر بالخير، إذ تقدم الانتخابات في الهند وباكستان، والتي عقدت أخيراً، مؤشراً جيداً على صحة الديمقراطية، فيما تتجه بنغلاديش نحو الانتخابات خلال الأسابيع القليلة المقبلة، وتستعد كذلك لإعلان إجراءات دستورية جديدة، إلا أنه بالنسبة إلى منطقة تفخر بقيمها الديمقراطية، فلا يبدو التكهن مبشراً.

أجرت الهند اخيراً انتخابات محلية في ولاية بيهار في اختبار لشعبية حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي وأجندتها السياسية القومية ذات الصبغة الدينية، وكذلك أجريت انتخابات فرعية للجمعيتين الوطنية والإقليمية في باكستان في اختبار مماثل لمستوى دعم سياسات رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، وفي كلا البلدين عزز الائتلافان الحاكمان بقيادة حزب "بهاراتيا جاناتا" بزعامة مودي وحزب "الرابطة الإسلامية الباكستانية" بزعامة شريف غالبيتهما في المجالس الوطنية والإقليمية، وهزم كلا الحزبين منافسيهما السياسيين، على عكس بعض استطلاعات الرأي العام.

الأحزاب الحاكمة

أما في مدى صحة هذه النتائج ودعاوى التزوير فلا توجد أخطاء قانونية واضحة في هذه النتائج، وتبدو الاعتراضات من باب عدم قبول المعارضة النتائج لأنها ليست في مصلحتها، لكن ثمة أمراً مثيراً للقلق في شأن السياسة التي تحكم هذه العملية الانتخابية، والتي تجري بطبيعة الحال ضمن الأطر الديمقراطية الدستورية في كلا البلدين، فالهند وباكستان تتمتعان بالتعدد والتنوع في كل شيء، والمشهد السياسي والديموغرافيا الاجتماعية والاقتصادية والخلفية الكاملة للتمرين الانتخابي فيهما كانت تفوح منها رائحة الانتهازية الروتينية، وكذلك الاستعراض السياسي العدواني والاستفزازي.

على سبيل المثال وصلت الأحزاب الحاكمة في الهند وباكستان إلى السلطة العام الماضي بعد انتخابات شابتها اتهامات بالتزوير وتأجيج الرأي العام بطريقة شعبوية من أجل الحصول على الأصوات، واللغة السياسية التي استخدمت خلال الحملة الانتخابية في الهند كانت مليئة بشعارات غلبة الـ "هندوتفا" بدلاً من التركيز على السياسات التي تتعلق بحقوق الإنسان، أما في باكستان فقد حُرم أكبر حزب معارض في الدولة من رمزه الانتخابي، فضلاً عن نظام فرز الأصوات وتوثيقها الذي كان عرضة للتلاعب المشبوه، وقد أدت التدريبات الانتخابية الضخمة التي جرت هذا الشهر إلى تفاقم الوضع، إذ جرى تقييد المعارضة في كلا البلدين بشدة في كل من الفضاءات الانتخابية والبرلمانية والحكومية، في حين تتجاوز الأحزاب الحاكمة في الجانب الآخر نطاقها وتتحرك إلى ما هو أبعد من غالبيتها القانونية المشبوهة، وهذا يعني بعبارة سهلة بالنسبة إلى أولئك الذين يتتبعون جودة الديمقراطية في المنطقة، أن أكبر ديمقراطيتين في جنوب آسيا تعملان على تقليص المساحة المتاحة للمعارضة المشروعة لديهما.

إن هذا الاتجاه يضر بالتعددية السياسية والديمقراطية التشاركية، لأن الغالبية تعمل على تركيز السلطة في أيدي نخب محدودة مما يؤدي إلى تقويض المعارضة الهادفة إلى تحقيق المصلحة العامة والجاذبية الدائمة للديمقراطية، إذ إن الوجه الآخر للغالبية هو الاستبداد وفقدان المساءلة، ونرى هذا التوجه في باكستان في صورة الاعتماد على الحزب الواحد واستبعاد بقية الأحزاب المشاركة في الائتلاف الحكومي، مع تهميش كامل لحزب المعارضة الرئيس، والأمر نفسه ينطبق على الهند.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

التعددية السياسية

المؤسف أن بنغلاديش أيضاً تتوافق مع هذه الاتجاهات الاستبدادية من خلال حظر الحزب الحاكم السابق لرئيسة الوزراء السابقة المنفية الشيخة حسينة الذي يواجه عقبات كبيرة في المعارضة، ولاسيما خلال الانتخابات الوطنية المقبلة في فبراير (شباط) 2026.

تتراجع القيم الديمقراطية وكثيراً ما تنذر بالتصعيد إلى حرب، بل إن الهند وباكستان خاضتا بالفعل حرباً دموية قبل بضعة أشهر، ويجب أن يتغير هذا الوضع لأن الديمقراطيات التعددية خيار أفضل وأقل كلفة لحل النزاعات، وينبغي للسياسات الهندية والباكستانية وكذلك النظام الانتقالي في بنغلاديش أن تعزز التعددية السياسية بدلاً من إضعافها من أجل الحفاظ على جدوى الديمقراطية وتشاركيتها، كما ينبغي لها تطبيق قوانين تمويل الحملات الانتخابية بصرامة وتوفير فرص متساوية لأحزاب المعارضة في الحصول على التمويل الحكومي أو الإعلام.

إضافة إلى ذلك ينبغي للدول الثلاث أن تتعهد بإجراء إصلاحات قانونية لضمان استقلال المؤسسات الانتخابية، وضمان الحماية للأصوات المتنوعة مع ضمان عدم تهميش المعارضة هيكلياً، وسيساعد هذا على جني أهم فوائد الديمقراطية التي تشكل الإمكانات الهائلة للتوسع الاقتصادي، إذ تعد منطقة جنوب آسيا من أسرع مناطق العالم نمواً، ويتوقع غالباً أن يتجاوز معدل نموها السنوي ستة في المئة، إلا أنه لا تمكن استدامته إلا إذا كانت السلطة السياسية مصدر استقرار سياسي، والذي بدوره لا يمكن أن يتحقق من دون الكف عن التلاعب بنظام الغالبية باسم الديمقراطية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير