ملخص
بعض مؤلفي الكتب الذين ظهروا أخيراً على الساحة في السنوات الأخيرة لهم حضور طاغ على منصات السوشيال ميديا كمؤثرين أو كأصحاب صفحات لها أعداد ضخمة من المتابعين ومنشورات تحظى بتفاعل واسع بغض النظر عن محتواها الذي يتحول لاحقاً لكتاب مطبوع منشور في معرض الكتاب، يستغل الكاتب ودار النشر على السواء هذه الشعبية على السوشيال ميديا للترويج للكتاب الذين غالباً يقيمون حفلات توقيع كبيرة بحضور هذا الجمهور وينشرون جوانب من هذا الحدث على منصاتهم فيوحي بشعبية جارفة للكاتب بغض النظر عن محتوى الكتاب، فالهدف هو الربح بأي ثمن حتى إنه يمكن القول إن بعض دور النشر أصبحت بمثابة مطابع للكتب لا مؤسسات ثقافية تفرز وتنتقي لتقدم للقراء منتجاً ثقافياً عالي الجودة.
"إنها أوقات عصيبة، الجميع أصبح يؤلف الكتب" عبارة منسوبة إلى الفيلسوف الروماني شيشرون، المولود عام 106 قبل الميلاد، للدلالة على انحدار مستوى الكتاب والفكر والفلسفة في زمنه، وفي عصرنا هذا بخاصة في السنوات الأخيرة تجسّدت هذه المقولة بشكل واضح، ويمكن أن نلمس هذا بشكل كبير في خلال الأحداث والفعاليات الثقافية الكبرى، من بينها معارض الكتاب.
حتى زمن قريب كانت الكتابة قيمة، وكان للكاتب طابع وسمت متعارف عليه، فهو شخص ذو تجربة تستحق أن تروى، أو ذو فكر يطرحه للنقاش، أو حتى يمتلك موهبة للكتابة وقدرة على صياغة الكلمات ليقدم منتجاً ثقافياً يطرح للجمهور فيقبله أو يرفضه أو يخضعه للبحث والجدل، أما ما يحدث حالياً فالكتابة فعلياً "أصبحت للجميع، وليس القراءة كما كان يعرف سابقاً". على حد توصيف متخصصين، تحدثوا إلى "اندبندنت عربية".
ومع كل حدث ثقافي كبير تظهر مجموعات قيّمة من الكتب، ويطرح نتاج كبار الكتاب للجماهير، وتظهر وجوه جديدة من الكتاب الذين يخطون خطواتهم الأولى في الكتابة بأعمال متميزة، إلا أنه في الوقت نفسه أصبح ملاحظاً في السنوات الأخيرة ظهور عدد كبير من عناوين الكتب التي تثير الجدل سواء من حيث الصياغة أو طريقة الكتابة أو حتى المعالجة الفكرية للقضايا التي تطرحها.
ولعل هذه الظاهرة الآخذة في التزايد وبعيداً من الهدف والغاية لأصحابها فإن لها انعكاسات على المشهد الثقافي عموماً، أسهمت في رواجها صفحات السوشيال ميديا، التي غذت شعور الكاتب لدى البعض، بعدما حصدت بعض تدويناتهم تفاعلات بين اللايك والشير، وكذلك دور النشر التي تحولت من عين ناقدة للنصوص إلى مطبعة ينتهي كل دورها هو خروج الكتب للنور على الأرفف، بعدما أصبح النشر المدفوع هو الآلية المتبعة من غالبية دور النشر المصرية، إضافة إلى أنه في زمن الذكاء الاصطناعي أصبحت الكتابة مهمة الآلة لا الإنسان المبدع.
كيف أصبح النشر سهلاً؟
من منظور الكاتبة والناقدة الأدبية سعاد صابر، "بعد فترة كورونا زاد اعتماد الناس على السوشيال ميديا بشكل كبير، خاض بعضهم تجربة الكتابة ونشر هذه الكتابات، ولاقت تفاعلاً من الناس، فأصبحت لديهم قناعة بأنهم يصلحون لأن يكونوا كتّاباً، وقرروا أن يخوضوا تجربة النشر، تحوّلت صفحاتهم لاحقاً إلى صفحة الكاتب فلان، بل إن بعضهم تجاوز فكرة الكاتب ليطلق على نفسه ناقداً. الأمر يحدث من منطلق أن الكتابة تمنح صاحبها شكلاً من أشكال الوجاهة الاجتماعية، حتى إن بعض هؤلاء الكتاب الذين ظهروا أخيراً أصبح يقيم صالوناً ثقافياً، ويدعو آخرين لمناقشة موضوعات وإصدارات، باعتبار أنه من النخبة المثقفة في مصر، وهذه ظاهرة أخرى جديرة بالملاحظة باعتبارها آخذه في الانتشار".
وتضيف صابر "هذه الإشكالية، التي لها انعكاس ومردود كبير على المشهد الثقافي لها عديد من الأسباب، من بينها غياب أو قلة إنتاج كبار الكتاب عن الساحة، وفي الوقت نفسه فإن اتحاد الكتاب في مصر يشترط لعضويته أن يكون الكاتب له ثلاثة كتب منشورة، في حين أنه لا توجد مراجعة أو تدقيق بشكل كافٍ لمحتوى هذه الكتب الثلاثة في الفترة الأخيرة فسمح هذا بحصول البعض على عضوية اتحاد الكتاب، في حين أنه لا يرتقي لها على الإطلاق، وهذا أمر اعتقد أنه يجب معالجته في الفترة المقبلة مع ظاهرة الانفلات في عالم الكتابة، باعتبار أن الساحة الثقافية تخسر كثيراً بهذا الوضع".
في سنوات سابقة كان وصول الكاتب لواحدة من دور النشر تتولى طباعة كتابه وتسويقه أمر له عديد من الإجراءات بداية من عرض الكتاب على لجنة لفحصه والإقرار بقيمته مروراً بتدقيق الكتابة لغوياً وأدبياً وتصميم غلاف يعكس المضمون على يد أحد الفنانين أو المصممين، فكان الأمر ليس بالهين بالتالي كان الناتج في أغلب الأحوال يستوفي حتى ولو الحد الأدنى من الجودة بحسب دور النشر وتوجهاتها، حالياً اختلف الوضع كثيراً، وأصبح الأمر أسهل بمراحل، حتى إنه يمكن القول إن أي شخص أصبح بإمكانه نشر كتاب.
وفق رؤية الكاتب والناقد أحمد صلاح هاشم "بعض دور النشر التي ظهرت في السنوات الأخيرة تعتمد بشكل شبه كامل على النشر لكتاب على نفقتهم الخاصة، الأمر بالنسبة إليهم أصبح تجارياً في المقام الأول بغض النظر عن المحتوى، بعض هذه الدور لا نجد لها جناحاً في معرض الكتاب من الأساس، إنما هي فقط تقوم بالطباعة، وتوزع من خلال دور نشر أخرى، هذا الوضع أثر كثيراً في نوعية الكتب الصادرة، وأتاح لأي شخص أن ينشر كتاباً من دون أن يمتلك الحد الأدنى من القدرة على الكتابة، وبالفعل بعض مؤلفي هذه الكتب لا يستطيع كتابة فقرة واحدة بالفصحى أو كتابة عدة أسطر من دون أخطاء لغوية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يضيف هاشم، "أزمة أخرى في هذا الصدد وهي قيام بعض النقاد بمدح أعمال دون المستوى فيعطى انطباعاً لآخرين بأن هذا هو الجيد، بالتالي يقيس البعض على ذلك، ويظن في نفسه القدرة على الكتابة، لكن هناك فئة من المؤلفين الظاهرين في السنوات الأخيرة لا يعنيها من الأساس النقاد ولا الجودة ولا الجمهور، إنما الهدف هو أن يكون كاتباً وصاحب مؤلفات لأغراض معينة، مثل الوجاهة الاجتماعية أو محاولة إضفاء هالة معينة على نفسه باعتباره من النخبة المثقفة".
ويلفت الناقد المصري إلى أن التحدي الذي يكشف الكاتب الحقيقي من المزيف هو "أن يستطيع أن يتحدث كما يكتب، البعض إذا حضر في محفل معين يظهر جلياً أن المكتوب في مؤلفاته لا يرتقي نهائياً لمستواه الفكري أو اللغوي، ويكشف هذا كثيراً من المدعين في المشهد الثقافي".
هل تصنع السوشيال ميديا كاتباً؟
بعض مؤلفي الكتب الذين ظهروا أخيراً على الساحة في السنوات الأخيرة لهم حضور طاغ على منصات السوشيال ميديا كمؤثرين أو كأصحاب صفحات لها أعداد ضخمة من المتابعين ومنشورات تحظى بتفاعل واسع بغض النظر عن محتواها الذي يتحول لاحقاً لكتاب مطبوع منشور في معرض الكتاب، يستغل الكاتب ودار النشر على السواء هذه الشعبية على السوشيال ميديا للترويج للكتاب الذين غالباً يقيمون حفلات توقيع كبيرة بحضور هذا الجمهور وينشرون جوانب من هذا الحدث على منصاتهم فيوحي بشعبية جارفة للكاتب بغض النظر عن محتوى الكتاب، فالهدف هو الربح بأي ثمن حتى إنه يمكن القول إن بعض دور النشر أصبحت بمثابة مطابع للكتب لا مؤسسات ثقافية تفرز وتنتقي لتقدم للقراء منتجاً ثقافياً عالي الجودة.
يعطى هذا انطباع للأجيال الجديدة من الشباب والناشئة بأن هذه هي الثقافة، وهؤلاء يمثلون نموذج المثقف، بخاصة ما هو معروف من تراجع للقراءة بشكل عام بين هذه الأجيال لمصلحة السوشيال ميديا ومحتواها وهي ظاهرة قائمة في العالم كله.
من وجهة نظر الكاتب محمد الناغي "الكتابة ونشر الكتب حق مشروع للجميع، لكن لا بد أن يكون الشخص مؤهلاً، ولديه القدرة على ذلك، أما ما نشاهده في السنوات الأخيرة فأصبح يشكل أزمة متزايدة تنعكس على المشهد الثقافي بشكل عام، بعض هؤلاء المؤلفين الذين ظهروا أخيراً يعترف صراحة بأنه لا يقرأ ولا يعرف عن كبار المفكرين، ولا يرى علاقة بين القراءة والكتابة من الأساس، وهذه نماذج موجودة بالفعل".
وفي تقدير الناغي أن "جزءاً من الأزمة أنهم يجيدون الترويج لأنفسهم على منصات السوشيال ميديا حتى لو بالتحايل، مثلما يعلن شخص عن صدور الطبعة العاشرة من كتابه في شهر واحد، وهذا شيء غير منطقي ولا يحدث حتى مع أكبر الكتاب، لكن ما يحدث هو أن دار النشر تطبع عدداً محدوداً جداً من النسخ وتعاود الطباعة وتصدر فكرة أنها طبعة جديدة، وأن الكتاب حقق نجاحاً ساحقاً".
ويتابع، "تصدر هذه الفئة من المؤلفين وقدرتهم على الدعاية لأنفسهم وشهرة بعضهم على السوشيال ميديا تجعلهم معروفين للشباب والناشئة الذين يرون فيهم صورة ذهنية عن الكاتب، وبعد اطلاعهم على مؤلفاتهم قد يعزفون بشكل كبير عن القراءة، باعتبار أن ما يقدموه ليست له قيمة أو فائدة، فبعض هذه الكتب نتاج مجموعة من المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي بنفس اللغة الركيكة وبنفس الأسلوب، وهنا الأزمة ليست في الكتابة باللهجة العامية، هناك أعمال ذات قيمة كبيرة كتبت بالعامية، وهناك كتاب كبار استخدموا العامية في كتاباتهم، لكنهم كانوا على درجة عالية من الثقافة والفكر، ولديهم أفكار يطرحوها ومضمون يقدموه للناس، وليس فقط مجرد رغبة في الوجود في عالم الكتابة من دون قدرة على الإبداع".
ويشير إلى أنه "قبل ظهور دور النشر التي تنشر على نفقة الكاتب لم تكن هذه المشكلة لها وجود من الأساس، باعتبار أنه لا يصدر إلا الأعمال التي تراجع وتقبل من دور النشر، حالياً تعلن دور النشر الكبرى في محافل ومنصات مختلفة بأنها لا تنشر بمقابل من الكتاب، ولا تصدر إلا الأعمال التي ترتقي للنشر، باعتبار أن الأمر أصبح ظاهرة بالفعل، وتسعى من خلال ذلك لنفي هذا الأمر عنها".
الذكاء الاصطناعي... كاتباً ومؤلفاً
في السنوات الأخيرة، ومع تصاعد تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي بشكل كبير بدأ ظهور فقرات أو أجزاء مكتوبة بالذكاء الاصطناعي في بعض الكتب، ولاحقاً مؤلفات كاملة كتبت بالآلة، ووضع كاتب اسمه عليها، انطلاقاً من أن الأمر لن يكتشف، أخيراً أصبح القراء لديهم خبرة أكبر مع تزايد الكتابات بواسطة الذكاء الاصطناعي في عالم الكتاب وغيره، وزادت قدرتهم على اكتشافه، بخاصة عندما تترك من دون أي تعديل أو محاولة لإضفاء جانب إنساني أو بشري عليها، فالكتابة في المقام الأول فعل إنساني لنقل التجارب والمشاعر والخبرات والحكايات التي عاشها البشر، وتفاعلوا معها، وامتلك بعضهم موهبة منحته القدرة على كتابتها لمشاركتها مع آخرين.
وفق ما يتوقعه الناقد أحمد صلاح هاشم "هذا العام سيشهد المعرض عدداً كبيراً من المؤلفات المكتوبة بالذكاء الاصطناعي، كان الأمر سابقاً له وجود لكن ليس بصورة كبيرة، لكن هذا العام ستكون هناك طفرة، وهذا شيء مؤكد، وهذه أزمة جديدة ستضاف إلى عالم صناعة النشر، أصبح واقعاً في العالم كله، أتصور أن هذا الأمر سيصبح مثاراً لنقاشات كثيرة في القريب العاجل حول كيفية التعامل معه، وماذا يجب القيام به في حال ثبوت أن أحد الكتاب ادّعى تأليفه كتاباً معيناً، واكتشف أنه كتبه الذكاء الاصطناعي، فباعتبار الأمر حديثاً نسبياً فإن السياق العام لم يستوعبه سواء المؤسسات الثقافية أو القوانين الخاصة بالملكية الفكرية أو حتى قدرة بعض القراء على التفريق بين إنتاج الآلة وإنتاج البشر".
يضيف هاشم، "منذ عدة سنوات كان درباً من الخيال أن نتحدث مع الآلة كما يحدث حالياً، والآن أصبحت الآلات تقوم بالكتابة وبإنتاج أنواع متعددة من الفنون وبصورة بها تطور متسارع، فحتى الأشياء التي تمكن الكتاب المحترفون من اكتشاف أن هذه المادة مكتوبة بالذكاء الاصطناعي ستتطور في القريب، وسيتم التغلب عليها، وسيكون الأمر أكثر صعوبة، باعتبار أنها ستشبه الكتابة البشرية بشكل كبير، وحتى إنها ستعتمد أسلوب الكاتب، الذكاء الاصطناعي لم يتطور كثيراً في كتابة الرواية، لكنه يكتب قصصاً قصيرة ومقالات بشكل جيد، وهذا سيكون الغالب على الساحة حالياً".
فيما ترى الناقدة الأدبية سعاد صابر "سابقاً كان المدعون من الكتاب يلجؤون إلى شخص محترف ليكتب لهم القصة أو الرواية أو المقال، وينشر الكتب بعد أن يضع اسمه عليها، وكان هذا واقعاً موجوداً بالفعل منذ سنوات طويلة، حالياً البديل أصبح هو الذكاء الاصطناعي، وهو أسهل وأكثر أمناً، وسيؤدى هذا إلى اتساع الدائرة، فأي شخص يمكنه الكتابة في أي مجال، وطالما وجدت دور النشر التي تنشر على نفقة الكاتب، ولا تدقق في المحتوى فالأمر أصبح سهلاً والظاهرة تتزايد، هذا واحد من التحديات الجديدة التي تواجه صناعة النشر في العالم كله في السنوات المقبلة".