Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مؤشر الغلاء يتسارع في إيران... سمسرة ورشاوى واحتكارات

البيض يتصدر قائمة السلع الأكثر ارتفاعاً والإعانات لا تصل إلى صغار المنتجين ولا رقابة على آليات الاستيراد والتوزيع

في العاصمة طهران لا تبدو الأوضاع أفضل، بل أسوأ في بعض المناطق (أ ف ب)

ملخص

حذر المنتجون الداعمون لتحرير أسعار الأعلاف من أن السياسات الرقابية أدت إلى نقص الغذاء على نطاق واسع في قطاع الدواجن، وأن المزارعين لا يستطيعون تحمل فترات طويلة من توفير العملة الأجنبية المدعومة. وأضافوا أن الموت الجماعي للدجاج سيكون له أثر كارثي على الصناعة.

تحولت سوق البيض، أحد أهم مصادر البروتين في السلة الغذائية للإيرانيين، خلال الأشهر الأخيرة إلى أحد أبرز مظاهر التضخم المتفاقم في قطاع المواد الغذائية، فوفقاً للإحصاءات الرسمية تجاوز سعر الطبق المكون من 30 بيضة حدود 250 ألف تومان (2.5 دولار) منذ بداية نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وبلغ في بعض المحافظات 290 ألف تومان (2.7 دولار).

وفي العاصمة طهران لا تبدو الأوضاع أفضل، بل أسوأ في بعض المناطق، حيث تجاوز سعر الطبق 300 ألف تومان (نحو 2.75 دولار)، بينما وصل البيع بالمفرد في بعض المتاجر إلى 15 ألف تومان للبيضة الواحدة، في مستوى غير مسبوق جعل هذا المنتج الذي كان يعرف بأنه "البروتين الرخيص"، أحد أبرز مظاهر الضغوط المعيشية على الأسر المحدودة الدخل.

وبذلك تشهد سوق البيض في إيران التي يغطي إنتاجها السنوي أكثر من 1.3 مليون طن، تقلبات حادة في الأسعار منذ مطلع أبريل (نيسان) الماضي. وبحسب تقرير اتحاد مربي الدواجن في إيران، وعلى رغم تثبيت الأسعار إدارياً خلال فصل الصيف بسبب ارتفاع درجات الحرارة وتقليص فترة صلاحية المنتج، فإن موجة التضخم عادت للانفجار مع حلول فصل الخريف.

وبحلول نوفمبر الماضي، تخطى السعر المستوى الرسمي الذي حددته اللجنة الحكومية لتنظيم السوق عند 184 ألف تومان (1.7 دولار) للطبق الواحد، مسجلاً قفزة بنسبة 144 في المئة ليصل إلى 250 ألف تومان (2.5 دولار). وتظهر بيانات الأسبوعين الماضيين ارتفاعاً جديداً بنسبة 20 في المئة خلال أقل من 10 أيام، لتصبح حدود 300 ألف تومان (2.75 دولار) أساس التسعير في متاجر البلاد.

ويرجع العاملون في قطاع الدواجن هذا الارتفاع السريع إلى اعتماد الإنتاج بنسبة 70 في المئة على مدخلات مستوردة مثل الذرة وفول الصويا، مما يجعل الكلفة شديدة الحساسية لتقلبات سعر الصرف، مؤكدين أن الزيادة الأخيرة في سعر الدولار انعكست مباشرة على أسعار الأعلاف ومن ثم على سعر المنتج في المزارع. وبناء على ذلك تشير تقديرات مهنية إلى احتمال تجاوز سعر الطبق 350 ألف تومان (3.20 دولار) بحلول منتصف الشتاء.

سمسرة وفشل

يشدد مربو الدواجن والعاملون في هذا القطاع على أن جزءاً من القفزة الحالية في الأسعار لا يعود لنقص حقيقي في الإنتاج، بل هو نتيجة مباشرة لشبكات السمسرة وسوء إدارة توزيع الأعلاف، على رغم أن قطاع تربية الدواجن في إيران قادر حالياً على تغطية كامل الطلب المحلي.

لكن الإخفاق في استيراد الأعلاف وتوزيعها أديا إلى تداولها في سلسلة إنتاج البيض بأسعار حرة تصل إلى ثلاثة أضعاف السعر الرسمي. وتحول نظام البيع (بازارگاه) التابع لوزارة الزراعة الذي كان من المفترض أن يكون منصة لترشيد الدعم وضمان التوزيع العادل للأعلاف، إلى سوق ثنائية يهيمن عليها الوسطاء، بحسب تأكيدات العاملين في القطاع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وانتقد الرئيس السابق لاتحاد مربي المواشي في إيران مجتبى عالي بشدة أداء هذا النظام، واصفاً إياه بأنه تحول من منصة لتوزيع الأعلاف الحكومية إلى سوق للسمسرة والسرقة، وأوضح أن الأعلاف الحيوانية لا تسلم إلى مربي الماشية والدواجن إلا مقابل دفع رشاوى، مشيراً إلى أن أية شركة لا تقوم ببيع فول الصويا والشعير والذرة بأسعار الحكومة داخل هذا النظام.

ويعد التمييز في آلية منح الإعانات من السياسات المدمرة للحكومة في هذا القطاع، وفقاً لمربي الدواجن، إذ إن الإعانات عملياً لا تصل إلى المنتجين الصغار، على رغم أن نسبة 80 في المئة من إنتاج البيض في البلاد تأتي من الوحدات المتوسطة والصغيرة التي تضطر إلى الحصول على مستلزماتها من السوق الحرة بأسعار مرتفعة جداً.

من جهة أخرى، يرى بعض المنتجين أن إيقاف الصادرات إلى قطر والعراق لم يسهم في ضبط أسعار السوق المحلية، بل زاد الضغوط على السوق بسبب تراجع الإيرادات بالعملة الأجنبية للمنتجين. ووفقاً لهم فإن هذه السياسات لم تحقق منفعة لا للمستهلك ولا للمنتج.

احتكار الواردات

ويشكل احتكار واردات الأعلاف جانباً آخر من الصورة التي يرسمها الهيكل المعيب لهذه السوق، فقد أظهر انحصار استيراد المواد الغذائية والأعلاف لدى عدد قليل من الشركات المملوكة لعائلات محسوبة على النظام أنه عندما يسيطر أكثر من نصف السوق على مجموعة محددة من دون رقابة دقيقة على آليات الاستيراد والتوزيع، لا تكون النتيجة سوى تكريس الريع ونقص المعروض وارتفاع الأسعار.

ويشير بعض المتخصصين إلى أن هذه الشركات ومن بينها "مدلل" و"فضلي" و"بایداري" التي تحولت خلال الأعوام الماضية إلى اللاعبين الرئيسين في استيراد السلع الأساسية، بحصولها على أكثر من 1.5 مليار دولار من العملة الأجنبية المدعومة، لم تقُم باستيراد الكميات المعلن عنها وحسب، بل أسهمت أيضاً في فوضى التوزيع وارتفاع الأسعار المستمر للسلع الأساسية.

ويعد ارتفاع كلف التعبئة والنقل، فضلاً عن زيادة أسعار الطاقة، عاملاً مؤثراً آخر في رفع الكلفة النهائية للبيض في المزارع، إذ أضافت هذه العوامل نحو 30 في المئة إلى متوسط الكلف، وهو رقم ينقل مباشرة إلى المستهلك بسبب هامش ربح البيض الضئيل.

وحذر المنتجون الداعمون لتحرير أسعار الأعلاف من أن السياسات الرقابية أدت إلى نقص الغذاء على نطاق واسع في قطاع الدواجن، وأن المزارعين لا يستطيعون تحمل فترات طويلة من توفير العملة الأجنبية المدعومة. وأضافوا أن الموت الجماعي للدجاج سيكون له أثر كارثي على الصناعة.

وأدت هذه الظروف إلى ذبح الدواجن مبكراً نتيجة عدم جدوى استمرار التربية، مما خفض الإنتاج بنسبة 20 في المئة في نوفمبر الماضي، بحسب المزارعين، وأصبح من غير الممكن توفير 1.3 مليون طن كما كانت الحال العام الماضي في ظل الأوضاع الحالية.

وقال رئيس مجلس إدارة اتحاد مزارعي الدواجن الوطني حميد رضا كاشاني في الـ14 من نوفمبر الماضي إنه "حتى يجري توفير الأعلاف بأسعار مدعومة، لا يمكن إجبار المنتج على بيع محصوله بنصف السعر، وقد حذرنا مراراً خلال الأشهر الماضية من الوصول إلى وضع الفوضى الحالية في السوق".

تهديد الأمن الغذائي

والأزمة لا تقتصر على ارتفاع أسعار البيض فقط، إذ يعد نقص الأعلاف وانخفاض جدوى الإنتاج والإغلاق المتكرر للمزارع والبطالة الواسعة بين العاملين في هذا القطاع من النتائج المباشرة لهذه الوضعية. وصرّح الناشط في قطاع الثروة الحيوانية والدواجن علي تقوي‌ فر في أيار (مايو) الماضي بأن "الضغوط الاقتصادية لا تترك أي دافع للاستمرار في العمل، وأرغمت كثيراً من المنتجين على إغلاق وحداتهم".

وأوضح أن التركيز الظاهري على أهمية الأمن الغذائي لا يقابله دعم حقيقي للمنتجين الذين يضمنون هذا الأمن، مشيراً إلى أن منح تراخيص عشوائية لإنشاء مزارع دجاج البيض من دون دراسة حاجات السوق أدى إلى زيادة الإنتاج بصورة مفرطة وارتفاع الكلف وتراكم الخسائر لدى المنتجين، مما ينتهي بإغلاق الوحدات وفرض صدمات تضخمية على السوق نتيجة انخفاض الإنتاج.

وأضاف أن ما نشهده اليوم في سوق البيض ليس مجرد تقلب قصير المدى وحسب، بل هو نتاج أعوام من السياسات غير الفاعلة واحتكار الواردات وسوء إدارة توزيع الأعلاف والتمييز في منح الإعانات وعدم استقرار القرارات المتعلقة بالعملة الأجنبية، وإن استمرار هذا الوضع لن يؤدي فقط إلى استبعاد البيض من سلة الغذاء للفئات ذات الدخل المنخفض، بل سيضع أمن الغذاء لنحو 85 مليون إيراني تحت تهديد حقيقي.

نقلاً عن "اندبندنت فارسية"

اقرأ المزيد