ملخص
لم يقتصر سعي بن غفير ومن معه في الحكومة الإسرائيلية على فرض السيطرة على مختلف نواحي الحياة السياسية والثقافية والدينية للفلسطينيين في شرق القدس، بل تجاوزه إلى محاولات ممنهجة لإعادة تشكيل الوعي الفلسطيني.
بعد أشهر من التمرين داخل "ملتقى الشباب التراثي المقدسي"، اعتلت أسيل زغير (15 سنة) المسرح الوطني الفلسطيني (الحكواتي) في القدس وهي تحتضن آلتها الموسيقية استعداداً لأداء فقرة عزف جماعية وعروض دبكة شعبية مع 70 مقدسياً من أقرانها تحت شعار "أحلام تحت شجرة الزيتون".
ما إن لوحت أسيل لوالديها بحماسة قبيل بدء الحفل، حتى حصل ما لم يكن في الحسبان، فقبل دقيقة واحدة فقط من انطلاق العرض، اقتحمت الاستخبارات والشرطة الإسرائيلية المكان بطريقة عنيفة أرهبت الحضور بمن فيه من أطفال ونساء، وأجبروهم على إخلاء القاعة وإغلاق المسرح على الفور، بعد تفتيشه والعبث في كل محتوياته واعتقال القائمين على الفعالية، بادعاء أنهم مرتبطون بعلاقات مع السلطة الفلسطينية ويحصلون على تمويل منها.
وعلى رغم أن المحققين الإسرائيليين لم يقدموا أية أدلة تؤكد الادعاءات أمام من اعتقلوا وجرى التحقيق معهم، فإن أمر الإغلاق الذي علق على مدخل المسرح الفلسطيني وحمل توقيع وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ادعى أن العرض نظم من دون الحصول على تصريح مكتوب وفق البند "3 أ" من "قانون تطبيق اتفاق الوسط في شأن الضفة الغربية وقطاع غزة المتعلق بتحديد النشاطات الذي يعود لعام 1994.
ووفقاً لما جاء في كتاب القدس الإحصائي السنوي الذي أصدره الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني العام الماضي، فقد بلغ عدد المراكز الثقافية العاملة في محافظة القدس 52 مركزاً ثقافياً وأربعة متاحف ومسرحين اثنين. في المقابل، يوجد في القدس بشطريها الغربي والشرقي 68 مؤسسة إسرائيلية عاملة في مجال الموسيقى و29 مسرحاً و33 مؤسسة تعمل في مجال الفنون وأربع دور سينما، فضلاً عن 123 مؤسسة أخرى تعمل في برامج متعددة ضمن نطاق الفنون، نحو 60 في المئة من دخلها يقدم من المؤسسات الحكومية الإسرائيلية وبلدية القدس، في حين أن قرابة 11 مؤسسة إسرائيلية متخصصة في مجال الفنون الأساسية تعمل بمعدلات دخل تزيد على 150 ألف دولار لكل واحدة منها، وهي تساوي مداخيل كل المؤسسات الفلسطينية العاملة في القدس في مجالات الفنون شتى.
في المقابل، أكد فنانون ومتخصصون في مجال الفنون في القدس أن عدد المؤسسات الثقافية والفنية الفلسطينية الفاعلة في القدس داخل الجدار أو ما يعرف بمنطقة "جي 1" لا يتجاوز 24 مؤسسة، فيما يعتقد بعضهم أن عدد المؤسسات الفنية المتخصصة في مجالها الفني لا يتجاوز 10 مؤسسات فقط، أي بمعدل مؤسسة فنية واحدة لكل 100 ألف مقدسي.
طمس الهوية
على رغم أن "اتفاقية جنيف الرابعة" لعام 1949 تلزم إسرائيل كقوة احتلال توفير الخدمات الأساسية للسكان الفلسطينيين الواقعين تحت سلطتها، فإن حضورها الرسمي منذ احتلالها الجزء الشرقي من القدس عام 1967 اقتصر على تقديم الحد الأدنى من الخدمات الأساسية وأبقى على سياسة الإهمال الممنهج تجاه الأحياء الفلسطينية ومؤسساتها الثقافية وفرض عليها قيوداً صارمة.
وإضافة إلى حرمانها من منح التراخيص وشهادات حسن الإدارة اللازمة لاستمرار عملها، والضرائب المرتفعة وحرمان كثير من الفنانين والناشطين في المجال الثقافي من دخول القدس والمشاركة في نشاطاتها الثقافية، أدت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023 إلى تدهور النشاط الثقافي الفلسطيني في القدس إلى مستويات غير مسبوقة، فالسياسات الجديدة التي باتت تتضمن زيادة الرقابة على الأنشطة والفعاليات الثقافية والكتب والإصدارات والأفلام قبل عرضها، إضافة إلى المداهمة والتفتيش والاعتقال، تقوض عمل المؤسسات الثقافية في القدس، فكل الأعمال الثقافية والفنية التي قد تعرض متهمة بالتحريض من وجهة نظر إسرائيل إلى حين ثبوت العكس.
وقبل إغلاق المسرح الوطني (الحكواتي) بأيام قليلة، أبلغت الاستخبارات الإسرائيلية القائمين على "بازار" يضم 100 مشروع صغير لرياديين ورياديات من القدس، تتخلله فعاليات تراثية وأخرى للأطفال على مدى يومين في حي رأس العامود ببلدة سلوان شرق القدس، بمنع تنظيمه لأنه ممول من قبل السلطة الفلسطينية، وهو أمر محظور لأن القدس بشطرها الشرقي تخضع للسيادة الإسرائيلية ولا سيادة للفلسطينيين عليها.
وللسبب ذاته اقتحمت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية في أكتوبر الماضي مقر اتحاد الجمعيات الخيرية في القدس الذي تأسس عام 1958، ويعد أول اتحاد فلسطيني مستقل غير ربحي للجمعيات الأهلية الخيرية والتنموية، ومنعت عقد اجتماع للأندية والجمعيات الثقافية والرياضية فيه. وأدت كثرة التضييقيات وعجز الاتحاد عن مقاومة الوضع الاقتصادي والسياسي الصعب والمعقد خلال العقد الأخير، إلى تقليص عدد الجمعيات التي تنتسب إليه تدريجاً من 150 إلى 51 جمعية فقط.
ولم يكن اتحاد نقابات عمال فلسطين في القدس أوفر حظاً من اتحاد الجمعيات الخيرية، ففي أبريل (نيسان) الماضي أغلقت السلطات الإسرائيلية مقر الاتحاد وحظرت عمل "صندوق وقفية القدس" و"نقابة المحامين الفلسطينيين" وأقفلت مكاتبها في القدس، واعتقل خلال الفترة نفسها ثلاثة مقدسيين يملكون مكتبات في البلدة القديمة ومحيطها وأخضعوا واحداً منهم لشروط الحبس المنزلي وحكم عليه بدفع كفالة مالية وإغلاق المكتبة لمدة شهر بادعاء "وجود شبهات بأعمال تخل بالنظام العام من خلال بيع كتب تحوي مواد تحريضية تمس بالأمن والسلم العام"، في حين أن المادة الوحيدة التي عرضت أمام المحكمة هي كراسة تلوين للأطفال تحمل عنوان "من النهر إلى البحر".
وعدت المكتبة الوطنية الفلسطينية في رام لله ما جرى ويجري بحق المكتبات العلمية في القدس "تدميراً للبنية الثقافية والتعليمية الفلسطينية في القدس، تفرض الرقابة القسرية على الإنتاج الفكري الذي يعبر عن الهوية الفلسطينية".
وأعرب المرصد الأورومتوسطي عن قلقه من أن ممارسات إسرائيل التمييزية في الاعتقال التعسفي للأفراد، والاستهداف الممنهج لعمل المؤسسات الفلسطينية في القدس الشرقية يهدفان إلى تقويض أي وجود فلسطيني في المدينة، والتضييق على حياة الفلسطينيين هناك بهدف طردهم"، وأوضح المركز أن تلك الممارسات "ترقى إلى جريمة حرب بموجب القانون الدولي".
من جانبه شدد وزير الثقافة الفلسطيني عماد حمدان على أن الاستهداف الإسرائيلي للمؤسسات الثقافية في القدس يأتي ضمن سياسة ممنهجة لإسكات السردية الفلسطينية وطمس ملامح الهوية العربية للمدينة.
ووفقاً لأرقام رسمية فلسطينية، فقد أغلقت السلطات الإسرائيلية منذ عام 1967، أكثر من 100 مؤسسة فلسطينية في القدس، من بينها نادي الأسير الفلسطيني ولجنة التراث المقدسية ودائرة الأسرى والمعتقلين وغيرها.
خطة ممنهجة
ولم يقتصر سعي بن غفير ومن معه في الحكومة الإسرائيلية على فرض السيطرة على مختلف نواحي الحياة السياسية والثقافية والدينية للفلسطينيين في شرق القدس، بل تجاوزه إلى محاولات ممنهجة لإعادة تشكيل الوعي الفلسطيني.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعام 2023 وتحت عنوان "تقليص الفجوات الاجتماعية والاقتصادية والتنمية الاقتصادية في القدس الشرقية"، خصصت الحكومة الإسرائيلية لهذه الخطة التي تمتد بين أعوام 2024 و2028 موازنة ضخمة بلغت 3.2 مليار شيكل (970 مليون دولار) كتوجه استراتيجي لاستخدام التنمية والخدمات والفنون كأدوات لضبط المجتمع الفلسطيني، واحتوائه داخل المنظومة الإسرائيلية، فمن خلال دمج واحتواء الفنانين المقدسيين في المؤسسات الإسرائيلية ضمن برامج وأنشطة تروج لمبدأ "التعايش والسلام" وتوظيفهم في الفعاليات الثقافية والفنية، سيعاد بناء المشهد الثقافي للقدس في عيون الفلسطينيين من وجهة نظر إسرائيلية.
وفضلاً عن أن تلك المؤسسات تتمتع بدعم مالي هائل وإمكانات كبيرة، تصعب على الفلسطينيين في حقل الفنون مجاراتهم، تتولى بعض المهرجانات الإسرائيلية، ومن بينها "مهرجان القدس العالمي للسينما" و"مهرجان إسرائيل للثقافة" و"الأنوار" و"أوتو فود" و"شيش بيش" وغيرها مهمة تحويل معالم القدس التاريخية والأثرية إلى منصات تروج الرواية الإسرائيلية، وتخلق مراكز ثقافية وفنية بديلة عن تلك الفلسطينية.
في المقابل يمنع المقدسيون من إقامة أي نشاط ثقافي وفني في الشطر الشرقي من القدس وتغلق المؤسسات الفكرية والثقافية التي تعمل على إحياء واستنهاض ما بقي من الحالة الثقافية العربية في القدس. ويرى كثرٌ ممن يعملون في المؤسسات الثقافية الفلسطينية في القدس أنهم كمن يخوض معركة يومية صامتة من أجل البقاء والدفاع عن حقه في التعبير والمشاركة.
ووفق ما ذكرته مديرة "مركز يبوس الثقافي" في القدس رانيا إلياس ضمن مقالة لها، فإن "المؤسسات الثقافية في القدس تجد نفسها تقاتل وحيدة أمام الاستعمار للمحافظة على بقائها، وتكافح وسط غياب وإهمال واضحَين للدعم الرسمي الفلسطيني، وتدخل عربي لا يتجاوز حدود المجاملة الرمزية".
مشهد ثقافي
إضافة إلى كل تلك التحديات والضغوط الإسرائيلية التي تواجه المؤسسات المقدسية، ومن بينها الثقافية، ازدادت القيود الأوروبية على تمويل المشاريع الثقافية، فقد أقر الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء مادة جديدة تلزم المؤسسات المستفيدة قبول التدابير التقييدية للاتحاد الأوروبي التي تتضمن بصورة مباشرة تصنيف بعض الفصائل السياسية الفلسطينية كـمنظمات "إرهابية".
وصادق الكنيست الإسرائيلي مطلع العام الحالي بالقراءة التمهيدية على اقتراح تعديل "قانون الجمعيات" الذي ينص على فرض ضريبة بنسبة 80 في المئة على أي تبرع من كيان سياسي أجنبي لمصلحة جمعية غير ممولة من جانب إسرائيل.
وعلى رغم تصاعد السياسات الإسرائيلية من جهة وتقلص فرص التمويل المستقل وغير المشروط سياسياً من جهة أخرى، تشهد القدس الشرقية سلسلة من المهرجانات الثقافية والفنية كمهرجان القدس ومهرجان القدس للفنون الشعبية ومهرجان الحكايات الذي يحتضنه "مركز يبوس الثقافي"، فضلاً عن "ليالي الطرب في قدس العرب" التي ينظمها المعهد الوطني للموسيقى، ومهرجان الدمى الذي يقدمه المسرح الوطني الفلسطيني (الحكواتي).
ومن وجهة نظر خبيرة السياسات الثقافية بثينة حمدان، "فإن المؤسسات الفلسطينية التي تستخدم الفن والصورة والألوان والأغنيات والدبكة كوسيلة لتعزيز الصمود والهوية على رغم كل المنغصات عصية على الكسر والتهويد".