Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تعديل دستور باكستان: نفوذ أكبر للجيش ومخاوف من الحكم الفردي

تبرر الحكومة الخطوة بأنها جزء من إصلاحات شاملة تهدف إلى الحد من تدخل القضاء في الشؤون التنفيذية وتعزز هيمنة البرلمان كأعلى مؤسسة تشريعية في البلاد

منح التعديل الدستوري الجنرال عاصم منير قيادة الإشراف على جميع القوات العسكرية الباكستانية وحصانة قضائية مدى الحياة (أ ف ب)

ملخص

لكن بعد عقدين من التوقيع على هذا الاتفاق، أقر الحزبان الأسبوع الماضي تعديلاً دستورياً ينافي كل ما جرى الاتفاق عليه في ميثاق الديمقراطية ويعزز نفوذ وسلطة المؤسسة العسكرية، يمنح التعديل الدستوري الـ27 حصانة قضائية مدى الحياة لمن يصل إلى رتبة "المشير الميداني" (أو فيلد مارشال كما تسمى في باكستان)، إضافة إلى خلق منصب قائد قوات الدفاع الذي سيشرف على القوات البرية والجوية والبحرية والذي سيتولاه دائماً، بحسب التعديل الدستوري، قائد القوات البرية.

 

شهدت السياسة الباكستانية تقلبات عدة خلال العقود الثمانية الماضية بين انقلابات عسكرية وحكم مدني متقطع، في ظل المؤامرات السياسية والتدخل العسكري في الشؤون المدنية، وبين قتل وإعدام عدد من الحكام السابقين واعتقال آخرين، لكن الثابت الوحيد خلال هذه الأعوام وعلى رغم الانفصال والخلافات، هو النفوذ المتزايد للجيش في السياسة والمؤسسات المدنية.

تحاول القوى السياسية بين الفينة والأخرى الحد من هذا النفوذ لكنها غالباً ما تصاب بالفشل قبل أن تأخذ مساراً جدياً، لأن المؤسسة العسكرية دائماً ما تجد من يتحدث باسمها ويقوض المحاولات لاستعادة الديمقراطية من الأحزاب السياسية نفسها مقابل تسليم السلطة بتأييد من الجيش.

في عام 2006، تعلم الحزبان السياسيان الرئيسان درسهما بالطريقة الصعبة، والتقى زعيم حزب "الرابطة الإسلامية" نواز شريف وقائدة "حزب الشعب" بينظير بوتو في لندن إبان الحكم العسكري للجنرال برويز مشرف لباكستان، واتفقا على "ميثاق الديمقراطية" التي حددت الخطوات لإنهاء الحكم العسكري وقطع طريق الانقلاب على الديمقراطية في المستقبل.

التعديل الـ27

ينص البندان الـ21 والـ22 من الميثاق على احترام التفويض الشعبي في الانتخابات وهدم اللجوء إلى الطرق غير الديمقراطية في المستقبل: "سنحترم التفويض الانتخابي للحكومات التمثيلية التي تقبل الدور اللائق للمعارضة، ونعلن أنه لا يجوز لأي منهما تقويض الآخر من خلال طرق خارج الدستور، لن ننضم إلى نظام عسكري أو أي حكومة مدعومة عسكرياً، ولن يطلب أي حزب دعماً عسكرياً للوصول إلى السلطة أو لإزاحة حكومة ديمقراطية".

لكن بعد عقدين من التوقيع على هذا الاتفاق، أقر الحزبان الأسبوع الماضي تعديلاً دستورياً ينافي كل ما جرى الاتفاق عليه في ميثاق الديمقراطية ويعزز نفوذ وسلطة المؤسسة العسكرية، يمنح التعديل الدستوري الـ27 حصانة قضائية مدى الحياة لمن يصل إلى رتبة "المشير الميداني" (أو فيلد مارشال كما تسمى في باكستان)، إضافة إلى خلق منصب قائد قوات الدفاع الذي سيشرف على القوات البرية والجوية والبحرية والذي سيتولاه دائماً، بحسب التعديل الدستوري، قائد القوات البرية.

يذكر أن الحكومة الباكستانية أعلنت منح رتبة المشير الميداني لقائد الجيش الباكستاني الحالي عاصم منير بعد النجاح المزعوم في المواجهة العسكرية مع الهند في مايو (أيار) الماضي.

بعبارة أخرى، منح التعديل الدستوري الجنرال عاصم منير قيادة الإشراف على جميع القوات العسكرية الباكستانية وحصانة قضائية مدى الحياة، إضافة إلى ضمان بقائه في المنصب إلى 2030 مع إمكان تمديد في الخدمة خمسة أعوام أخرى.

علاوة على ذلك، يتحدث التعديل الدستوري عن "إصلاحات" قضائية من خلال إنشاء محكمة دستورية منفصلة عن المحكمة العليا ويُعين قضاتها في المرة الأولى من قبل رئيس الوزراء، كذلك يمنح التعديل اختيار نقل قضاة المحاكم الإقليمية من إقليم إلى آخر، ويطلق بعض المتخصصين القانونيين على هذه الإصلاحات "تدخلاً سافراً" من قبل الجهة التنفيذية في الشؤون القضائية وتهديداً لمفهوم فصل السلطات.

السؤال المهم إذاً هو ما الذي تغير خلال الأعوام الـ20 الماضية التي أجبرت الجماعات السياسية التي وقعت على ميثاق الديمقراطية، أن تنقلب على نفسها وتسهم في كبح الديمقراطية؟

انتخابات 2024 انقلاب أبيض

أصيب جميع القوى السياسية والنافذة في باكستان بصاعقة شعبية مساء الثامن من فبراير (شباط) 2024 عندما ظهرت النتائج الأولية للانتخابات اكتساح حزب "حركة الإنصاف" في جميع المناطق، على رغم وجود قائدها عمران خان خلف القضبان، دقت النتائج الانتخابية ناقوس الخطر لدى الجماعات السياسية التقليدية وعلى رأسها حزب "الرابطة الإسلامية" و"حزب الشعب"، وأدركت أنها خسرت شعبيتها ونفوذها أمام الانقلاب الشعبي الصامت لمصلحة "حركة الإنصاف".

سارعت هذه الجماعات إلى تشكيل حكومة التحالف بتأييد من المؤسسة العسكرية التي لم ترد عودة عمران خان للسلطة، لكن ثمن الوصول إلى السلطة من دون وجود تمثيل شعبي حقيقي جرى دفعه بتسليم سلطات كبيرة للمؤسسة العسكرية.

العائق الوحيد أمام هذه المنظومة غير الديمقراطية التي تشكلت بعد انتخابات 2024 كان يتمثل في القضاء الذي يستطيع أن يصدر أمراً بإجراء تحقيقات في دعاوى التلاعب بنتائج الاختبارات، ومن ثم يهدد وجود النظام الحاكم، لذا سارعت الأحزاب الحاكمة بتمرير التعديل الدستوري الـ26 الذي قلص صلاحيات المحاكم في العام الأول من حكمها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومع تجييش العواطف الوطنية خلال الحرب القصيرة مع الهند وسقوط مقاتلات هندية وإعلان القنوات المحلية انتصار القوات الباكستانية على الهند وامتلاء الشوارع في المدن الكبيرة بصور قائد الجيش عاصم منير، وظفت المؤسسة العسكرية البيئة المواتية وعملت على تعزيز سلطاتها بصورة كبرى.

وبحسب الصحافي طارق متين فإن الجيش لديه اعتقاد راسخ بأن السياسيين مسؤولون عن تدهور البلاد، وكشف متين عن أن الجنرال عاصم منير عبر عن رأيه حول الانقلابات العسكرية بوضوح خلال أحد نقاشاته مع الطلاب، حين برر الانقلابات العسكرية بقوله إن الجيش يضطر إلى التدخل في السياسة للحفاظ على الوطن.

وعن التعديلات الدستورية المتعلقة بالقضاء، يقول المحامي البارز صلاح الدين "التعديل الدستوري الـ26 لم يلغ القضاء الذي بقي على رغم تقييده وإسكاته مصدراً محتملاً لمقاومة السلطة التنفيذية، كانت هناك خلافات داخلية بين القضاة كان من شأنها أن تدفع القضاء في النهاية إلى التخلي عن تبعيته للسلطة التنفيذية".

ويربط صلاح الدين هذا بإنشاء محكمة دستورية في التعديل الجديد "إن إنشاء محكمة دستورية عليا جديدة كلياً برئاسة قضاة يختارهم رئيس الوزراء شخصياً وإدخال سلطة نقل، أي القضاة ’غير المرغوبين‘ من المحكمة العليا، يضمن بقاء القضاء تحت السلطة التنفيذية".

من جانب آخر تبرر الحكومة التعديلات الدستورية المتعلقة بالمحاكم بأنها جزء من إصلاحات شاملة تهدف إلى الحد من تدخل القضاء في الشؤون التنفيذية، وتعزز هيمنة البرلمان كأعلى مؤسسة تشريعية في البلاد.

حصانة مدى الحياة

من جانب آخر يكتفي أعضاء الحكومة بالإشارة إلى "الانتصارات في المواجهة العسكرية مع الهند عند السؤال عن ضرورة منح القائد الحالي للجيش حصانة مدى الحياة"، لكن المراقبين يرون أنها سابقة غير جيدة للديمقراطية في باكستان.

وبحسب صلاح الدين فإن "منح المشير عاصم منير منصباً مدى الحياة وحصانة من جميع الإجراءات المدنية والجنائية وتوحيد صلاحيات القوات المسلحة الثلاث الخاضعة لقيادته، إضافة إلى النص الذي يسمح له بأداء واجباته حتى بعد انتهاء فترة خدمته العادية بموجب قانون الجيش، كلها تعزز وتدعم بصورة كبيرة سلطته الفعلية والقانونية على كل من الإدارة العسكرية والمدنية في باكستان".

أما الصحافي طارق متين فيرى أن الجيش يدرك أن الرأي العام ينحرف عن دعم الرأي التقليدي القائل إن السياسيين فاسدون وإن الجيش قادر على حل المشكلات، والتعديلات الأخيرة تضمن أن القيادة العليا لن تتأثر بمثل هذه المشاعر في المستقبل عندما لا يكون الوضع الحالي موجوداً.

تتحالف الأحزاب السياسية التقليدية مع المؤسسة العسكرية في النظام الحالي، لكن السلطة الحقيقية تكمن في يد الجيش، الذي يدرك أن الحكومة لا تتمتع بشعبية كبيرة ولا تستطيع الصمود من دون دعمها، لذا يتم تمرير تعديلات دستورية تهدف إلى تركيز القوة في يد القائد الجيش الباكستاني.

وقد أطلق سابقاً اسم "المهجن" على النظام السياسي الذي تدير فيه القوى المدنية المشهد بدعم ومشاركة المؤسسة العسكرية، لكن التعديلات الدستورية الحالية تدفع باكستان إلى ما بعد "نظام المهجن" إذ لا مراعاة للقيم الديمقراطية.

يقول صلاح الدين في هذا الصدد "أعتقد أن الأمر يتجاوز مجرد إضفاء شرعية دستورية على النظام الهجين السائد بحكم الأمر الواقع، بل هو خطوة تمهيدية نحو حكم الفرد الواحد ومركزية السلطة في باكستان".

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات