ملخص
القمة الأخيرة في البيت الأبيض بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس دونالد ترمب، حيث أكمل الحفيد ما بدأه الجد والأعمام والأب الملك سلمان بن عبدالعزيز وأوصله إلى ما وصفه ترمب بأنه اتفاق تعاون "أكبر وأعمق".
تغيرت الدنیا بين عامي 1945 و2025، لكن العلاقات السعودية - الأميركية حافظت على مسارها الصاعد والمتنوع، 80 عاماً كانت في حساب الأحداث والمتغيرات كأنها دهر عاصف سقطت فيه إمبراطوریات ودول وظهرت دول، وبقي البروز والحرص على التطور من ضمن الأصالة محصوراً بدول قليلة خارج نادي الكبار، 80 عاماً بين قمتين تخللتهما قمم كثيرة في واشنطن والرياض.
القمة الأولى كانت على ظهر البارجة "كوينسي" في البحيرات المرة في قناة السويس عام 1945 بين الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن موحد أرض الحرمين الشريفين، والرئيس المنتصر في الحرب العالمية الثانية فرانكلين روزفلت، حيث جرى وضع حجر الأساس للعلاقات بين السعودية وقوة عظمى.
القمة الأخيرة في البيت الأبيض بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس دونالد ترمب، حيث أكمل الحفيد ما بدأه الجد والأعمام والأب الملك سلمان بن عبدالعزيز وأوصله إلى ما وصفه ترمب بأنه اتفاق تعاون "أكبر وأعمق"، منذ مرحلة ما قبل النفط، ومرحلة القوة النفطية الهائلة، وصولاً إلى تطوير مرحلة ما بعد النفط، وإن بقيت "الطاقة حجر الأساس في الشراكة السعودية - الأميركية"، کما قال وزير الاستثمار خالد الفالح.
ولیس تعهد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان استثمار تریلیون دولار في الاقتصاد الأميركي هو مجرد رقم فلكي، ولا ما ملأ به سلته من أميركا هو مجرد تقدمات أميركية، فالاستثمارات والاتفاقات هي جميعاً مشتركة تعود بالفائدة المالية والاقتصادية والأمنية والتكنولوجية على الطرفين، لم يطلب ولي العهد شيئاً من دون أن يحصل عليه، في حين طلب ترمب دخول السعودية في "اتفاقات أبراهام" فكان شرط محاوره قيام دولة فلسطينية على أساس المبادرة العربية للسلام التي قدمها ولي العهد ثم الملك آنذاك عبدالله بن عبدالعزيز وتمت الموافقة عليها في قمة بيروت العربية عام 2002، وليس ما حصل عليه ولي العهد السعودي عادياً، لا إعلان ترمب وضع المملكة في مرتبة "حليف رئيس لأميركا من خارج الناتو"، ولا التوصل إلى"اتفاق دفاع إستراتيجي"، ولا "التعاون الإستراتيجي حول الذكاء الاصطناعي"، بما في ذلك توفير "أشباه الموصلات المتقدمة" وتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي والبنى التحتية المتقدمة، ولا الاتفاقات المشتركة التي تم توقيعها بمبلغ 270 مليار دولار، لكن ما يزيد كل ذلك في الأهمية هو التركيز الأميركي على الدور السعودي المحوري في مرحلة اندفاع ترمب لترتيب نظام أمني إقليمي برعاية واشنطن، نظام يبدأ العمل له من غزة إلى لبنان ثم سوريا والعراق واليمن، حيث للرياض دور بالغ الأهمية، فالرياض تعرف، بصرف النظر عن اتفاقها الدفاعي الأخير مع باكستان وتقوية علاقاتها مع روسيا والصين، أنه لا غنى عن الدور الأميركي في ضمان الأمن، كما تعرف واشنطن أنه لا غنى عن الدور السعودي المتنوع في نظام الأمن الإقليمي، فضلاً عن أن سلام ترمب للشرق الأوسط يواجه تحديات كبيرة، وأي عرقلة في غزة أو لبنان أو سوريا أو العراق أو اليمن تعرقل المشروع الأميركي للمنطقة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وإذا كانت واشنطن تراهن على الدور الإسرائيلي في سلامها الشرق أوسطي وحروبها التي تراها مفتاح تمهيد الأرض للسلام، فإنها تراهن أيضاً على الدور السعودي والدور المصري والدور التركي والدور السوري وسواها. وإذا كان ما شهدته المنطقة منذ "طوفان الأقصى" ثم حرب غزة ولبنان وانهيار نظام الأسد في سوريا والتزام "الحشد الشعبي" في العراق الهدوء وحرب إيران والحرب على الحوثيين في اليمن، هو انحسار المشروع الإقليمي الإيراني الذي عملت عليه طهران على مدى 40 عاماً، فإن ولي العهد السعودي طلب من ترمب معاودة التفاوض على الملف النووي مع إيران التي بعثت برسالة إلى السعودية تعلن الرغبة في التفاوض، كذلك طلب السعي إلى لتسوية توقف الحرب في السودان.
في مقال تحت عنوان "إعادة صنع الشرق الأوسط" نشرته "فورين أفيرز" قبل عام، دعا الباحثان ولي نصر وماريا فانتامي إلى "إستراتيجية أميركية جديدة في الشرق الأوسط" تقوم على ثلاثة أمور أساسية: أولها "معاهدة دفاعية مع السعودية التي يكبر دورها"، وثانيها "وقف النار في حرب غزة وإقامة دولة فلسطينية"، وثالثها "ترتیب إقليمي يسمح لأميركا بالتركيز علی آسيا وأوروبا" لمواجهة الصين وروسيا، وبعض هذا ما يتحقق. وفي مقال آخر قال ريتشارد هاس إن أميركا تعرف "كيف تدير العلاقات مع الخصوم، لا مع الحلفاء"، وادعى أن "المشكلة مع الحلفاء"، لكن رحلة الأمير محمد بن سلمان إلى أميركا رسمت لإدارة ترمب خطوط إدارة العلاقات بين الحلفاء، لا مجرد إدارتها من واشنطن.
كان الإمبراطور الروماني هادريان أول من استخدم تعبير "السلام من موقع القوة" وهو ما مارسه رؤساء أميركا ولا سيما ريغان وترمب، لكن الدرس السعودي لأميرکا هو التحالف من موقع القوة.