ملخص
وجهت "اندبندنت عربية" سلسلة أسئلة لمتخصصين في الشأن العسكري والسياسي للإجابة عن أبرز القضايا التي يتساءل حولها الجمهور، وتوضيح ما يعنيه التصنيف فعلياً للسعودية وللعلاقات الدفاعية مع الولايات المتحدة، بعيداً من التفسيرات المتداولة أو المقارنات مع حلف "الناتو"
أثار تصنيف الولايات المتحدة للسعودية "حليفاً رئيساً من خارج حلف الناتو" نقاشا واسعاً حول دلالاته العسكرية والاستراتيجية وانعكاساته على أمن المنطقة والتعاون الدفاعي مع واشنطن. وفي ظل غياب معاهدة دفاع جماعية رسمية وفي وقت تتجه السعودية لتعزيز صناعاتها العسكرية ونقل التقنية ضمن رؤية 2030، برزت أسئلة حول الفرق بين هذا التصنيف والتحالفات التقليدية، وما يتيحه من تسهيلات تسليحية ولوجيستية واستخباراتية، ومدى تأثيره في الملفات الساخنة مثل اليمن والبحر الأحمر والتوازنات الإقليمية.
وفي هذا السياق، وجهت "اندبندنت عربية" سلسلة أسئلة لمتخصصين في الشأن العسكري والسياسي للإجابة عن أبرز القضايا التي يتساءل حولها الجمهور، وتوضيح ما يعنيه التصنيف فعلياً للسعودية وللعلاقات الدفاعية مع الولايات المتحدة، بعيداً من التفسيرات المتداولة أو المقارنات مع حلف "الناتو".
دلالات عسكرية واستراتيجية
المحلل السياسي السعودي حمود الرويس قال في حديث خاص إلى "اندبندنت عربية"، إن تصنيف السعودية "حليفاً رئيساً من خارج حلف الناتو" يحمل دلالات عسكرية واستراتيجية عدة، إذ يتيح للمملكة الحصول على تكنولوجيات عسكرية متقدمة وأنظمة أسلحة من الجيل الحديث، بما يعزز قدرتها على الردع العسكري. مضيفاً أن هذا التصنيف يمنح السعودية مساحة أوسع للوصول إلى تقنيات عسكرية متقدمة من دون اتباع المسار التقليدي الذي غالباً يحتاج إلى موافقات مطولة داخل الكونغرس أو يرتبط بملفات سياسية موازية، بما يجعل قنوات الحصول على التكنولوجيا الدفاعية أكثر مرونة وتسريعاً لخطوات التعاقد.
ويضيف أن وجود مخزون أميركي من المعدات العسكرية على الأراضي السعودية، وفق ما يتيحه هذا التصنيف، يعني قدرة أعلى على التنسيق بين واشنطن والرياض في أوقات الأزمات، مع خفض زمن الاستجابة وتعزيز جاهزية الدفاع، خصوصاً في ظل التهديدات الإقليمية.
ويقول الرويس، إن التصنيف يفتح المجال أمام السعودية للمشاركة في برامج بحث وتطوير مشترك في مجالات مثل التكنولوجيا العسكرية والذكاء الاصطناعي والدفاع الجوي والصواريخ، بما يرفع الكفاءة التقنية ويعزز القدرات الدفاعية للمملكة، إلى جانب تعاون استخباراتي أوسع يمنح الرياض وصولاً أكبر إلى معلومات أمنية استراتيجية.
ويشمل التصنيف تسهيلات أوسع لشركات الدفاع الأميركية في السوق السعودية مع حوافز لتقاسم الأعباء عبر مساهمة مالية سعودية في بعض كلف التطوير، إضافة إلى تهيئة البنية التحتية العسكرية في السعودية لتكون أكثر توافقاً وربطاً مع الأنظمة الأميركية ومعايير "الناتو"، إلى جانب مواءمة برامج التدريب العسكرية السعودية مع منظومات الحلف لتوحيد المفاهيم والخطط المشتركة.
ما أهم الامتيازات التي ستحصل عليها السعودية من هذا التصنيف؟
ويؤكد الباحث العسكري والسياسي حمود الرويس، أن التصنيف يمنح السعودية امتيازات تشمل أولوية في شراء الأسلحة المتطورة والتكنولوجيا العسكرية، مع إمكانية المشاركة في تطويرها وتمويل الأبحاث والتجارب المشتركة، إضافة إلى توسيع نطاق التدريبات والتعاون اللوجيستي وتبادل المعلومات. ويضيف أن التصنيف يمثل إطاراً لشراكة أمنية متقدمة تمنح الطرفين مرونة أكبر، لكنه لا يحمل التزامات دفاعية مباشرة على غرار معاهدات "الناتو".
كما يشير الرويس إلى أن التصنيف يتيح لشركات سعودية المشاركة في مناقصات صيانة وتحديث معدات تابعة لوزارة الدفاع الأميركية خارج الولايات المتحدة، إلى جانب الأهلية للحصول على معدات ومواد لأغراض البحث والتطوير والاختبار، فضلاً عن إمكانية استضافة مخزون احتياط حربي أميركي في المملكة.
ويرى الباحث السعودي، أن هذا التصنيف يزيد من اعتماد السعودية على الولايات المتحدة كمزود رئيس للتكنولوجيا العسكرية، لكنه يأتي ضمن استراتيجية أوسع لتنويع الخيارات الأمنية، والتعاون مع دول مثل الصين وروسيا وباكستان، بما يعزز بناء قدرات متعددة الاتجاهات.
ويطرح التصنيف سؤالاً جوهرياً حول ما إذا كان يفرض التزامات مباشرة على الولايات المتحدة للدفاع عن السعودية في حال تعرضت لاعتداء. ويجيب الباحث العسكري والسياسي بهذا الخصوص أن هذا التصنيف لا يفرض التزامات مباشرة على الولايات المتحدة للدفاع عن السعودية في حال تعرضت لاعتداء، موضحاً أن القرار لا يمثل "معاهدة حماية" مشابهة للاتفاق المبرم مع قطر، بل يشكل إطاراً للتعاون والتنسيق والعمل المشترك في مواجهة التهديدات. ويضيف أن هذا التعاون يعني دعماً متبادلاً وتسهيلاً أسرع لتبادل المعلومات وتعزيز القدرات الدفاعية، لا اعتماد طرف على الآخر للدفاع نيابة عنه.
مؤكداً بالقول، إن السعودية لم تسعَ يوماً إلى أن تكون تحت حماية دولة أخرى، بل اتجهت إلى بناء شراكات وتعاون عسكري مع قوى كبرى لحماية مصالحها الاستراتيجية، موضحاً أن المملكة تمتلك قدرات عسكرية كبيرة، وتتفوق على دول المنطقة في مجالات عديدة، مما يجعل أي اتفاق مستقبلي مع الولايات المتحدة أقرب إلى شراكة وتنسيق وتكامل قدرات، لا اتفاق حماية أحادي الطرف.
مقاربة دفاع خليجية موحدة
ويرى الباحث العسكري والسياسي حمود الرويس، أن دول الخليج تملك أساساً بنية متقاربة في علاقاتها الفردية بالولايات المتحدة، إذ تربط كل دولة اتفاقات ثنائية خاصة بها، مع وجود توحيد للعقائد العسكرية وإجراءات التدريب العسكري الخليجي الموحد، مما يجعل التعاون الخليجي- الأميركي قائماً على بنية مترابطة بين الأطراف. ويضيف أن هذا الواقع يوفر أرضية مناسبة للتعامل بصوت خليجي واحد مع واشنطن، على رغم اختلاف بعض الرؤى الخليجية في تحديد مهددات الأمن القومي، مما قد يفتح المجال أمام صياغة مقاربة أمنية أوسع مع الولايات المتحدة من دون إلغاء الخصوصية الدفاعية لكل دولة.
تعزيز النفوذ في ممرات البحر الأحمر
ويقول الباحث العسكري والسياسي حمود الرويس، إن هذا التصنيف قد يغير طريقة تعامل السعودية والولايات المتحدة مع الملفات الساخنة في المنطقة مثل حرب اليمن والبحر الأحمر والممرات البحرية، موضحاً أن واشنطن ستتعامل مع قضايا الشرق الأوسط من خلال الحلفاء الموثوقين، وفي مقدمهم المملكة العربية السعودية، مستشهداً برفع العقوبات عن سوريا والتعهد بإنهاء الحرب في السودان ووقف حرب غزة بوصفها نتائج ترتبط بالتنسيق مع ولي العهد السعودي. ويرى الرويس أن هذا النهج ينسحب على بقية قضايا أمن المنطقة، مشيراً إلى أن التصنيف يعزز مكانة السعودية كقوة إقليمية أكبر في مواجهة مشاريع التدخلات الإقليمية في النزاعات، مما سيجعل قوى أخرى تعيد حساباتها في الخليج العربي والبحر الأحمر.
تسريع الصناعات الدفاعية
ويتحدث الباحث العسكري والسياسي حمود الرويس عن انعكاسات التصنيف على برامج التصنيع العسكري في السعودية ضمن رؤية 2030، موضحاً أن الرؤية تتجه إلى رفع مستوى البحث والتطوير وتعزيز المحتوى المحلي في الصناعات الدفاعية، وأن هذا النوع من التحالفات يدعم توجه المملكة نحو المشاركة في الأبحاث والتطوير العسكري في الولايات المتحدة والدول الحليفة، إضافة إلى دعم نقل التقنية والتعاون في مشاريع مثل الدرونز والدفاع الجوي، إلى جانب توسيع الشراكات مع شركات في دول أخرى بصفتها حليفاً رئيساً من خارج "الناتو".
ويشير الرويس إلى أن الخطوات العملية التي يمكن مراقبتها خلال الأشهر المقبلة تشمل عقود بيع معدات عسكرية متقدمة مثل طائرات "F35" ومنظومات الدفاع الجوي، وزيادة برامج التدريب العسكري المشترك، ودعم مشاريع الأبحاث الدفاعية في المراكز العلمية المتخصصة في الولايات المتحدة، فضلاً عن تعزيز الصناعات العسكرية وتدفق المحتوى المحلي في السعودية وفي الشركات الأميركية المتعاونة معها.
وختم الرويس حديثه بأن هذا المسار يعزز قدرة السعودية على بناء صناعات دفاعية مستقلة ومتطورة من خلال شراكات واسعة، لا عبر الاعتماد على مصدر واحد للسلاح أو التقنية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
شراكة استراتيجية
يقول الباحث المتخصص في الدراسات الأمنية والاستراتيجية عبدالله القحطاني، إن العلاقات السعودية- الأميركية "استراتيجية ومتجذرة تاريخياً" وليست وليدة اللحظة، موضحاً أن المملكة كانت "لاعباً رئيساً في المنطقة منذ عقود" وأن تأثيرها "يتجاوز الإطار السياسي إلى الاقتصادي والديني والطاقة والعمق العربي"، مما يجعلها طرفاً مؤثراً في المعادلات الدولية.
ويشير القحطاني إلى أن الإدراك الأميركي لثقل السعودية يعود إلى ما قبل تأسيس العلاقات الرسمية، مستشهداً بلقاء الملك عبدالعزيز والرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت عام 1945، مضيفاً "أميركا تدرك أهمية المملكة منذ ما قبل قيام العلاقات، وبعد ذلك أصبحت السعودية دولة مؤثرة في الإقليم والعالم في شتى الاتجاهات".
ويؤكد القحطاني أن إعلان تصنيف السعودية "حليفاً استراتيجياً من خارج حلف الناتو" يأتي في مرحلة جديدة مختلفة عن التعاون التقليدي، قائلاً "نحن أمام تعاون استراتيجي بين الجيشين الأميركي والسعودي يحقق الأمن والاستقرار في المنطقة ويضمن حماية المصالح المشتركة". ويضيف، أن ذلك "لا يعني أن السعودية ضمن حلف الناتو أو تخضع لمعاهداته، بل هي شريك مؤثر له وزن اقتصادي واستراتيجي عالمي".
ويرى القحطاني أن وزن السعودية الاستراتيجي يتعزز بدورها في الطاقة التقليدية والنظيفة والنووية، وبمشاريع الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تأثيرها في الاقتصاد الأميركي وسلاسل الإمداد بالطاقة، قائلاً "هذا التحالف بني على أساس ثابت ومستقر ودائم ومتنامٍ، وهو الجانب السياسي والاقتصادي".
ويشدد القحطاني على أن العلاقة مع واشنطن تجاوزت مرحلة "توفير ما تحتاج إليه المملكة من مواد دفاعية" إلى مرحلة "شراكة استراتيجية" تقوم على المصالح، مضيفاً "لا يمكن لأي إدارة أميركية قادمة التأثير سلباً على هذا المستوى من العلاقات، بل يجب تطويره".