ملخص
تتحدث تقارير غربية والسلطات السودانية عن استخدام مطارات تشادية من أجل إمداد "الدعم السريع" بالسلاح، وعلاج مقاتليها أيضاً، لكن إنجامينا، التي تستضيف نحو 1.6 مليون لاجئ سوداني، نفت ذلك مراراً.
تعيش تشاد على وقع قلق متزايد مع تصاعد الحرب في إقليم دارفور السوداني وسقوط مدينة الفاشر الاستراتيجية بيد قوات "الدعم السريع" بقيادة محمد حمدان دقلو المعروف بـ "حميدتي".
وتنبع المخاوف التشادية من تنامي العنف ضد أفراد قبيلة "الزغاوة" في السودان، التي يشكل أبناؤها العمود الفقري للمؤسسة العسكرية في تشاد منذ عهد الرئيس الراحل، إدريس ديبي، ما قد يؤدي إلى اندلاع شرارة طائفيّة وقبلية في تشاد تضامناً مع "الزغاوة".
وذكرت صحيفة "لوموند" الفرنسية أن "القلق يتصاعد داخل الجيش التشادي باعتبار أن السلطات امتنعت عن إدانة المجازر التي ارتكبتها قوات 'الدعم السريع' في الفاشر". ونقلت الصحيفة عن جنرال تشادي قوله إن "سقوط الفاشر أغضب مجتمع الزغاوة كثيراً. هذا هو مصدر قلقنا الأكبر حالياً، إذ يجب الحذر كي لا يتسرب الصراع في دارفور إلى بلادنا".
مخاوف مشروعة
وتتفاقم المخاوف في العاصمة التشادية نجامينا في ظل التغيرات التي طرأت على موقف تشاد من الحرب في السودان، فبعدما دعمت السلطات الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان باتت الآن تدعم قوات "الدعم السريع".
وتتحدث تقارير غربية والسلطات السودانية عن استخدام مطارات تشادية من أجل إمداد "الدعم السريع" بالسلاح، وعلاج مقاتليها أيضاً، لكن نجامينا، التي تستضيف نحو 1.6 مليون لاجئ سوداني، نفت ذلك مراراً.
وعدّ الباحث السياسي التشادي، محمد أبكر، أن "الموقع الجيوسياسي لجمهورية تشاد يضعها في قلب منطقة إقليمية تتسم بالتعقيد وعدم الاستقرار، فإضافة إلى الأزمة السودانية، تحيط بتشاد دول تعاني من أزمات أمنية عميقة، مثل ليبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى، ناهيك عن التحديات المستمرة التي تشكلها جماعة 'بوكو حرام' في حوض بحيرة تشاد".
وأوضح أبكر أن "هناك بالفعل مخاوف مشروعة من محاولات أطراف خارجية استغلال التداخل والترابط الإثني بين سكان دارفور وتشاد لنقل الصراع الدائر في السودان إلى الداخل التشادي، ومع ذلك، من المهم النظر في الأسباب الجذرية لاندلاع الحرب في السودان، وما آلت إليه الأوضاع من دمار وكارثة إنسانية غير مسبوقة ومستمرة، ما أدى إلى زيادة تدفق اللاجئين نحو دول الجوار، ومن بينها تشاد".
وشدد على أن "الشعب التشادي خاض حروباً أهلية طويلة وذاق مرارتها، وهو اليوم يراقب عن كثب ما يحدث في السودان. وهذا الوعي الجمعي يمثل رادعاً قوياً، فلا يوجد أي تفكير لدى التشاديين بنقل الصراع السوداني إلى أراضيهم".
منع التمرد
وأفادت تقارير محلية في تشاد بأن الرئيس محمد إدريس ديبي يسعى من وراء دعم قوات "الدعم السريع" إلى تكريس سيطرة الأخيرة على دارفور لمنع أي حركات تمرد من قبائل الزغاوة ضد حكمه.
لكن "لوموند" نبهت من أن ذلك ينطوي على العديد من الأخطار، أبرزها تغذية الانقسامات داخل الجيش التشادي الذي يضم أعداداً هامة من أفراد قبائل الزغاوة. وكانت تشاد قد شكلت في الأيام الماضية قوة مشتركة مع "الجيش الوطني الليبي" بقيادة المشير خليفة حفتر في خطوة بدت وكأنها استباق لأي حركات تمرد.
وعلى مرّ التاريخ، شكّل دعم حركات التمرد حجر عثرة أمام العلاقات بين السودان وتشاد، فالخرطوم دعمت تمرد عام 1990 في إنجامينا الذي قاد إلى وصول الرئيس التشادي الراحل، محمد إدريس ديبي، إلى الحكم، وهو ما يعزز المخاوف من أن تهزّ تطورات الفاشر استقرار تشاد المجاورة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
واعتبر الباحث السياسي السوداني، عثمان عبد الرحمن يوسف، أن "الحرب في السودان تظهر للوهلة الأولى كأنها صراع إثني، حيث يُنظر إلى النزاعات بين القبائل المختلفة على أنها نتيجة للاختلافات الثقافية والعرقية". وأضاف أنه "مع ذلك، فإن الواقع أكثر تعقيداً مما يبدو، فالأسباب الحقيقية وراء النزاع تعود إلى عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية، تتجاوز الانتماءات الإثنية. إن الصراعات على بنية الدولة السودانية وعدالة توزيع السلطة والموارد يلعب دوراً أكبر من الهوية العرقية، مما يجعل من المهم فهم الديناميات الأوسع للسياق السوداني".
ولفت إلى أنه "بالنظر إلى التداخل الإثني للقبائل الحدودية بين السودان وتشاد، يمكن القول إن هذا التداخل لن يؤدي بالضرورة إلى نقل شرارة الحرب إلى تشاد. فالشريط الحدودي يضم مجموعة متنوعة من القبائل، وليس قبيلة واحدة، مما يخلق بيئة معقدة من التفاعلات الاجتماعية والسياسية، هذه القبائل تتعايش في غالب الأحيان بسلام، وتاريخياً لم تكن النزاعات في السودان سبباً مباشراً لاندلاع الأزمات في تشاد، لذا، فإن الوضع في تشاد قد يبقى مستقراً على رغم الأوضاع المتوترة في السودان".
إجراءات استباقية
ويزداد وضع تشاد تعقيداً مع مغادرة القوات الفرنسية، التي ساعدت لسنوات في التصدي للحركات المتمردة، ما يضع البلاد الواقعة في غرب أفريقيا أمام تحدٍ صعب.
وقال أبكر، "تاريخياً، عانت تشاد منذ استقلالها في عام 1960 من التدخل السافر للأنظمة السودانية المتعاقبة، التي أسهمت في زعزعة الاستقرار من خلال دعم وتسليح وإيواء حركات التمرد التشادية، وعلى رغم الظروف الراهنة، فإن الشعب التشادي لا يرغب في العودة إلى الذاكرة المؤلمة لتلك الصراعات الأهلية".
وأضاف أن "تشاد اتخذت إجراءات استباقية حاسمة حيث نشرت سلطاتها تعزيزات أمنية مكثفة على طول الحدود الشرقية لصد أي خروقات أو تسلل محتمل. وأيضاً تمّ تأمين ممرات محددة على الحدود للسماح بعبور المدنيين الفارين من القتال، إضافة إلى تأمين مخيمات اللاجئين وفرق المنظمات الإنسانية العاملة في الميدان".