Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

محمد بن سلمان ودونالد ترمب: قمة القمم

العلاقات الأميركية- السعودية قديمة من قرن واحد وأنتجت شراكة طويلة الأمد قبل الحرب العالمية الثانية وحتى قمة الرياض في 2017

استقبال حافل للأمير محمد بن سلمان في البيت الأبيض (أ ف ب)

ملخص

دور السعودية في العلاقات الدولية هو دور أساس في قيام النظام العالمي الحديث بعد انهيار منظومة الإمبراطوريات التاريخية الكبرى بما فيها البريطانية والألمانية والفرنسية والبرتغالية والسلطنة العثمانية في منتصف العشرينيات.

بعد جولة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على عواصم الخليج الثلاث، الرياض والدوحة وأبوظبي، وحصاده 3 تريليونات و200 مليار دولار استثمار في الاقتصاد الأميركي بات واضحاً أن الشراكة الاقتصادية والسياسية مع الكتلة الخليجية وحلفائها العرب والمسلمين في غاية الأهمية بالنسبة للإدارة الحالية على كل الأصعدة. وبات واضحاً أن البيت الأبيض وضع الكتلة الخليجية على سلم الأولويات الدبلوماسية والأمنية، لا سيما أن إنهاء الحرب في أوكرانيا لا يبدو أنه مسرع حتى الآن. لذا فالعلاقات الجماعية مع الدول الخليجية الثلاث والعلاقات الثنائية مع كل منها باتت في سلم أولويات ترمب. فالقمم الثلاثة كانت كافية لتثبت للإدارة أن الشركاء الخليجيين هم شركاء أساسيون في سياسة واشنطن الخارجية. ولكن من الواضح أيضاً أن السعودية هي اللاعب الأساس في العلاقات الأميركية- العربية حتى ولو أن دولاً أخرى لها أهمية اقتصادية أو صورة إعلامية واسعة.

العلاقات الأميركية- السعودية قديمة من قرن واحد وأنتجت شراكة طويلة الأمد قبل الحرب العالمية الثانية وخلال الحرب الباردة وبعدها ومنذ 11 سبتمبر (أيلول) 2001 وبعد الربيع العربي حتى قمة الرياض في مايو (أيار) عام 2017 حتى إدارة ترمب الثانية. هذه العلاقة بدأت قبل تأسيس الجامعة العربية واستقلال دول الهلال الخصيب واستقلال إيران الكامل وبالطبع قبل تشكيل دول الخليج الحديثة. لذا فجذور الشراكة الأميركية- السعودية عميقة وتأسيسية لأنها ولدت قبل الحرب العالمية الثانية، والحرب الباردة وحروب الإرهاب المتعددة.

لذا فدور السعودية في العلاقات الدولية دور أساس في قيام النظام العالمي الحديث بعد انهيار منظومة الإمبراطوريات التاريخية الكبرى بما فيها البريطانية والألمانية والفرنسية والبرتغالية والسلطنة العثمانية في منتصف العشرينيات. ومع تساقط المستعمرات الغربية في المنطقة العربية صعدت السعودية ممثلة للأمتين العربية والإسلامية دولياً وباتت الصوت العربي الأول والأعلى في رابطة الأمم المتحدة حتى مع انسحاب الولايات المتحدة منها حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. ومن موقعها التاريخي المميز وحلفها مع واشنطن لعبت الرياض دوراً أساساً في إطلاق منظمة الأمم المتحدة في عام 1943، وفي إقامة الحلف المقاوم للاتحاد السوفياتي، الذي أخرج قوات صدام من الكويت، ودعم سقوط "طالبان" وإسقاط "القاعدة"، واستقبل الرئيس ترمب في قمة الرياض وأيد الحلف الذي تصدى لـ"داعش" وبدد خلافتها المتطرفة، وقاد حملة التصدي للحوثيين قبل أن تتحرك أساطيل أميركا و"الناتو"، وأطلق أول مركز عربي لمكافحة الإرهاب في العاصمة السعودية، هذا وأكثر على مدى أعوام.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولكن السعودية عانت من بعض الإدارات الأميركية أيضاً، لا سيما إدارتي باراك أوباما وجو بايدن، بسبب تأثير لوبيات لقوتين إقليميتين، الجمهورية الخمينية والإخوان المسلمين. فتعرضت قيادة السعودية لحملات حادة في الإعلام الأميركي بسبب مواجهتها للميليشيات الحوثية ودحرها للتيارات التكفيرية في المنطقة. وقد دامت هذه الحملات طيلة ثمانية أعوام تحت إدارة أوباما وأربعة أعوام خلال ولاية بايدن. إلا أن صعود نجم الأمير محمد بن سلمان لا سيما منذ عام 2015، وتلاقي قيادته مع وصول الرئيس ترمب إلى البيت الأبيض في بداية عام 2016 خلق ديناميكية جديدة تخطت الديناميكيات السابقة خلال العقود الأولى للعلاقة الثنائية. إذ قرر البيت الأبيض الجديد، بعد تعرفه على رؤية 2030 دعم قيادة السعودية علناً وبقوة، ورد الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود وولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز بحشد طاقات العالمين العربي والإسلامي عبر تحالف واسع للتصدي للإرهاب ونشر الحداثة والاعتدال في المنطقة.

وخلال عامي 2016 و2017 اطلعت مباشرة على رؤية 2030 من وزراء في الحكومة السعودية وأدركت أن هذا القائد الشاب يقود أهم حركة تغيير ليس فقط داخل السعودية ولكن في كامل العالمين العربي والإسلامي لما للسعودية من موقع تاريخي واستراتيجي في الإقليم وحتى في العالم. وجسدت قمة الرياض في مايو عام 2017 ذروة التحالف بين القيادة السعودية وإدارة الرئيس ترمب على مختلف الأصعدة والتعاون الاستراتيجي في القرارات الجيوسياسية بما فيها التعاون ضد الإرهاب، واحتواء الجمهورية الخمينية، وحصر الحوثيين، إضافة إلى مسألة الطاقة. ولكن هزيمة ترمب في عام 2020 على يد وريث أوباما خلطت الأوراق وأضعفت العلاقة بين واشنطن والرياض. فباتت السعودية تحت ضغط إدارة بايدن إلا أن عودة الرئيس ترمب أعادت العلاقة الثنائية إلى عهدها الذهبي وربما فاقت قوتها في الفترة الرئاسية الأولى. فمنذ إعادة التواصل بين الإدارة الجديدة والقيادة الشابة للسعودية عاد القائدان إلى إعادة بناء جسر عام 2017 الذي أطلق الشراكة ووضعها في أعلى المستويات.

ولعل القمة الحالية سبقتها اجتماعات كثيرة وعميقة خلال الأشهر السابقة إضافة لزيارة ترمب للسعودية هذا الصيف حيث أعلنت الرياض أنها سوف تستثمر حوالى 600 مليار دولار داخل الولايات المتحدة وهو رقم كبير يحتاجه الرئيس ترمب لسد الديون الهائلة التي تراكمت في الفترات السابقة. وقد كتبنا في مقال سابق أن إدارة ترمب تضع أولويات قصوى لإعادة إطلاق الشراكة، وظهر ذلك بوضوح خلال زيارة ترمب إلى الرياض وقمة واشنطن الثلاثاء. الأولوية الأولى عقد صفقات مالية تساعد الدولة الأميركية على تقليص الديون لا سيما أن الصين تملك معظم هذه الديون. ويشار أيضاً هنا إلى أن الدولة السعودية لا تستعمل استثماراتها لتحقيق أهداف سياسية. وقد عبر عن ذلك الأمير محمد بن سلمان عندما قال للرئيس ترمب في البيت الأبيض، إن هدفه الأساس هو تحقيق اتفاقات اقتصادية لمصلحة البلدين على المدى الطويل أي بين مؤسسات الدولتين بغض النظر عن القيادات والرؤساء.

من هنا شهدت واشنطن سلسلة اتفاقات وصفقات بين الطرفين ركزت في معظمها على الذكاء الاصطناعي والتجارة والصناعة وأشباه الموصلات وبالطبع على الشؤون الدفاعية والأمنية. ومن أهم التطورات بعد إلحاح من قبل ترمب، قبل الأمير محمد بن سلمان أن يرتفع الاستثمار السعودي إلى تريليون دولار مما شد التقارب بين الزعيمين إلى حد التحالف الأطلسي في الشكل والمستوى. وبناء على المستوى الجديد من الشراكة ارتفعت العلاقات الدفاعية إلى المستوى الأعلى حيث قبل الرئيس بيع مقاتلات "أف- 35" الأكثر تقدماً في العالم إلى السعودية، وعقد اتفاقات أمنية متقدمة جداً. ويعد الاتفاق الدفاعي الإنجاز الأكبر حيث باتت السعودية شريكاً بمستوى الحلف الأطلسي. ولكن الملفات الجيوسياسية تبقى الأهم، وسنستعرضها في مقال منفصل.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء