ملخص
عند مقارنة عدد السكان في غزة بعدد حالات البتر نستنتج أن القطاع تحول إلى "مدينة المبتورين"، وبات يسجل أعلى معدل لبتر الأطراف على مستوى العالم وفقاً لبيانات منظمة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة.
فجأة دوى صوت انفجار ضخم هز مدينة غزة، خافت الطفلة تسنيم وهرعت نحو والدتها تصرخ "كأن الحرب عادت من جديد" وارتمت في حضن أمها مستجدية عناقاً يهدئ قلقها، لكن الصغيرة لم تجد سوى نظرة عيون حزينة من الأم فداء التي بترت ذراعاها قبل أشهر.
تداركت الأم فداء بسرعة عجزها عن حضن صغيرتها وابتسمت، لكن ملامح العجز كانت واضحة على وجهها ففهمت الطفلة تسنيم، وفي محاولة لتغيير الموقف أخذت الوالدة تشرح "ربما هناك خرق لاتفاق وقف إطلاق النار، وبسبب ذلك سمعنا صوت الانفجار، لا داعي للخوف أنت بطلة وقوية".
من دون حضن
بهدوء غادرت تسنيم المكان، من دون أي كلام، لكن فداء بكت كثيراً "لا أستطيع مواساة صغيرتي والتخفيف عنها، بعد بتر ذراعي أتمنى كل يوم الموت، لقد فقدت مشاعر كثيرة، وكل لحظة أشعر بأني عاجزة، إحساس العجز صعب جداً ولا أستطيع تجاوز مشاعري الحزينة التي تسيطر على قلبي".
في خضم الحرب على غزة، قصفت الطائرات الإسرائيلية منزلاً حيث كانت فداء موجودة بخمس صواريخ، وتعرضت لإصابات خطرة وتقول "نزفت كثيراً، ثم استيقظت في المستشفى لأجد أنني بلا ذراعين، فجأة هكذا أصبحت من ذوي حالات الإعاقة الجسدية، أعيش من دون ذراعين".
صدمت فداء من بتر أطرافها العلوية، ولكن لم تكُن هذه الصدمة الكبرى، فقد تعرضت بعد ذلك لطامة، عندما رأتها صغيرتها تسنيم للمرة الأولى، وتضيف "خافت مني ولم تقترب، كانت تبكي، وتطرح أسئلة تفوق عمرها، فعندما ترى طفلة أخرى تساعدها أمها في ارتداء الملابس، تلتفت نحوي بحزن وتسأل ’أمي ألا يمكنك مساعدتي مثلها؟'".
غزة "مدينة المبتورين"
تبكي فداء كثيراً وتشعر بأنها وطفلتها، طفلتان كل واحدة منهما بحاجة إلى رعاية الأخرى، تلفظ زفيرها ببطء وتقول "البتر أسوأ ما في الحياة، بخاصة إذا كان لأنثى، كل أحلامي وطموحاتي في الحياة انتهت فجأة".
وبسبب الحرب الإسرائيلية على غزة، سجلت وزارة الصحة في غزة 7000 حالة بتر في الأطراف، بينها 711 امرأة فقدت طرفاً واحداً في الأقل من جسدها، وأكثر من 850 من مبتوري الأعضاء كانوا أطفالاً دون عمر 12 سنة.
وعند مقارنة عدد السكان في غزة بعدد حالات البتر، نستنتج أن القطاع تحول إلى "مدينة المبتورين"، وبات يسجل أعلى معدل لبتر الأطراف على مستوى العالم وفقاً لبيانات منظمة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة.
الطفلات يعانين الطموح
المؤلم في البتر، ليس الوجع الذي يصيب الفرد بعد فقدان أحد أطرافه، ولكن هناك الأنين الذي يبدأ عندما لا يجد المريض علاجاً يخفف عنه، والعذاب المهين ينطلق عندما يغادر المبتورين المستشفى من دون أي طرف اصطناعي ولا تأهيل ويطلب منهم استكمال حياتهم الطبيعية بلا أطراف.
يصبح البتر أشد قساوة وأكثر وجعاً عندما يكون المصاب طفلة، وهذا ما حدث مع ياسمين التي قالت أول ما التقيت بها "أصبحت كالسجينة في المعتقل، أجلس فقط مكاني، ولا أستطيع حتى الذهاب إلى المرحاض".
انقلبت حياة ياسمين التي تبلغ من العمر تسع سنوات بعدما فقدت ساقيها بقصف إسرائيلي طاول بيتها، وفقدت خلاله أيضاً كل عائلتها وتعيش اليوم في بيت عمتها، وتضيف "طول النهار وأنا على الكرسي المتحرك وفي الليل على فراشي".
قبل الحرب كانت ياسمين من عشاق لعب كرة القدم، وتقول "بعد أن أصبحت بلا ساقين، أحتاج إلى من يأخذني إلى الحمام، كل يوم أفتح صورة لي قبل بتر قدمَي أحدق فيها بعمق وأصاب باليأس، كل ما أطمح له أن أحصل على طرف اصطناعي وأتعلم المشي مجدداً لأتمكن من لعب الكرة، أعني أن تعود حياتي نوعاً ما لطبيعتها".
البتر بعد محاولات العلاج أشد وجعاً
كان يمكن تفادي بتر أطراف نصف الحالات، إذا توافر الدواء والإمكانات الطبية اللازمة للعاملين الصحيين، لكن هذا لم يكُن متاحاً في غزة، ولذلك لجأ الأطباء إلى أبغض الحلول واضطروا إلى علاج المصابين بالبتر.
ففي حالة رزان لم تكُن أطرافها السفلية تحتاج إلى قطع، ولكن ما حدث معها كان اضطرارياً، فبعد أن أصيبت بغارة إسرائيلية لحقت بها كسور في ساقيها، وفي المستشفى ركب الأطباء لها شرائح من البلاتين في ساقها اليمنى، وكتبوا لها علاجاً من أنواع المضادات الحيوية، وتقول "الدواء غير متوافر في كل أنحاء قطاع غزة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لم تتناول رزان أية مضادات حيوية، مما تسبب في حدوث التهابات خطرة، حينها اضطر الأطباء إلى استبدال البلاتين بجبيرة، أملاً في التئام الكسر، ولكن عبثاً يفعلون ذلك فجسدها الهزيل الجائع بحاجة إلى أدوية ونظام غذائي صحي لا يتوافر في غزة.
ظلت رزان شهراً تتألم، من دون أن يطرأ أي تحسن على حالها، حينها بتر الأطباء ساقها اليسرى، وتضيف أن "هناك جرحاً لم يندمل في قدمي اليمنى، أخشى أن يضطر العاملون الصحيون إلى بتره، وحينها أصبح عاجزة تماماً عن الحركة في ظل عدم توافر الأدوية والعلاج المناسب".
البتر أبغض العلاجات
يعرف الأطباء أن بتر الأطراف صعب جداً على حياة الغزية البدائية، ولكن هذا الحل المشروع الذي يعد أبغض العلاجات تحول إلى أبسط تدخل طبي في فترة الحرب ويراد منه إنقاذ حياة المصاب.
ويقول وزير الصحة الفلسطيني ماجد أبو رمضان إنه "بسبب عجز الأطباء عن علاج إصاباتهم، جراء تهالك المنظومة الصحية، وشح المستلزمات الطبية والدوائية، فضلاً عن النقص الحاد في الأطراف الاصطناعية، تحول البتر إلى علاج في غزة، لكن من دون استكمال رحلته، إذ لا يوجد تأهيل نفسي لما يعانونه إثر فقد أطرافهم".
ويضيف أن "إسرائيل التي منعت دخول مساعدات طبية وغذائية بكميات كافية إلى غزة أسهمت في زيادة حالات البتر، وغالبية هؤلاء المعوقين يحتاجون إلى تركيب أطراف اصطناعية ومتابعة ورعاية وتأهيل نفسي لما يعانونه من ويلات معنوية إثر فقد أطرافهم".
ويتابع أبو رمضان أن "في غزة نقصاً حاداً في الكوادر والمعدات، إذ لم يبقَ سوى ثمانية اختصاصيين فقط في مجال الأطراف الاصطناعية يعملون بقدرات محدودة، فضلاً عن تدمير أو توقف أكثر من ثلثي مرافق التأهيل".
وبحسب الوزير، فإن نسبة البتر في الأطراف العلوية 76 في المئة، وتصل في الأطراف السفلية إلى 24 في المئة، ولكن أبو رمضان يؤكد أن أصعب الحالات هي النسوة اللواتي بترت أطرافهن في الحرب، فإنهن يعانين آثاراً مضاعفة جداً من النواحي الاجتماعية والحياتية والمعيشية، وترك قطع أطرافهن صدمات نفسية قد يكون من الصعب عليهن تجاوزها.
قيود إسرائيل تشمل الأطراف الاصطناعية
رصد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن القيود الإسرائيلية على المساعدات تشمل إدخال أجهزة مساعدة في الحركة مثل العكاكيز والعربات المتحركة، ولذلك طلب من إسرائيل إما إدخال الأطراف الاصطناعية إلى القطاع من دون قيود، أو السماح بالسفر للعلاج في الخارج.
لكن بحسب رئيس قسم الاستقبال والطوارئ في مستشفى شهداء الأقصى محمد ريان، فإن القيود لا تقتصر على مساعدات الحركة وإنما تشمل جوانب أخرى، ويقول "الأمور وصلت إلى ذروتها، هناك نقص شديد في المستلزمات، والمضادات الحيوية التي هي عمود أساسي في شفاء المبتورين، ويصل النقص من 60 إلى 70 في المئة من هذه الأدوية والمضادات الحيوية".
وضمن تقرير أعده المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان عن انتشار واسع لحالات بتر الأطراف بين النساء جاء أن "هذه الإصابات لا تؤثر في الجسد وحسب، بل تمتد إلى أبعاد نفسية واجتماعية كبيرة، بخاصة في ظل انهيار النظام الصحي والحصار"، وأشار التقرير إلى أن "هذه الأفعال جزء من الفعل الثاني لجريمة الإبادة الجماعية، المتمثل في إلحاق أذى جسدي أو نفسي خطر".
تبليغ بالتدريج
يقول رئيس وحدة المعلومات في وزارة الصحة في غزة زاهر الوحيدي "النساء المصابات بالبتر في أحد أطرافهن يعشن معاناة مركبة، بخاصة إذا كن أمهات لأن المرأة في غزة تتحمل أعباء كبيرة، بدءاً من الواجبات المنزلية ووصولاً إلى العمل لمساعدة الأزواج، وعندما تفقد الأم أحد أطرافها أو كليهما، فإن معاناتها لا تقتصر على الألم الجسدي فقط، بل تمتد إلى الحرمان من ممارسة دورها الطبيعي في رعاية أطفالها، مما يسبب لها صدمة نفسية كبيرة".
ويضيف أن "الفريق الطبي يبلغ المصابة بالتدريج بحالها حتى لا تدخل في صدمة أو نكران قد يتطور إلى اكتئاب شديد وعزلة، نتيجة شعورهن بالعجز واعتقادهن بأنهن عبء على أزواجهن وعائلاتهن".
ويوضح الوحيدي أن "النسوة اللواتي بترت أطرافهن بحاجة إلى السفر خارج غزة، لكن ذلك غير متاح حالياً بسبب إغلاق معبر رفح، وعلاجهن في غزة صعب، فليست هناك أطراف اصطناعية ولا مراكز تأهيل، لذلك نعيش اليوم في مجتمع مهزوز نفسياً، وربما آثار ذلك ستظهر خلال الأعوام المقبلة".