ملخص
تشير تقديرات "مورغان ستانلي" إلى أن شركات الذكاء الاصطناعي ستقترض 1.2 تريليون دولار بين 2025 و2028، أي أكثر من إجمال ديون قطاع النفط والغاز عالمياً بين 2012 و2015.
لم يكن مضى وقت طويل منذ كانت شركة "بلو أول كابيتال" مجرد شركة استثمار ناشئة تقرض المال لشركات أميركية متوسطة الحجم مثل "سارا لي فروزن بيكري".
أما اليوم فباتت الشركة تمول مراكز بيانات ضخمة تكلف عشرات المليارات من الدولارات لمصلحة شركات مثل "ميتا" و"أوراكل" في مؤشر واضح إلى السرعة التي تحولت بها "وول ستريت" إلى الممول الرئيس لازدهار الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة.
جمع مديرو الصناديق مثل "بلو أول" تريليونات الدولارات من القوة الاستثمارية وظلوا يبحثون عن صفقات ضخمة لتوظيف تلك الأموال، وبعد سنوات من شح الفرص جاء الذكاء الاصطناعي ليشكل الهدف الأكبر في التاريخ، نظراً إلى المبالغ الهائلة التي تحتاج إليها شركات التكنولوجيا لتعزيز قدراتها الحاسوبية.
وقال الشريك المؤسس للشركة مارك ليبشولتز لصحيفة "وول ستريت جورنال"، "نحن نتحدث عن أرقام هائلة، حتى في السيناريوهات المتحفظة. هل يهم فعلاً أن نواصل العد بعدما تتجاوز النفقات الرأسمالية تريليون دولار خلال العامين المقبلين؟".
شهد الأسبوع الماضي موجة بيع لأسهم وسندات شركات التكنولوجيا في واحدة من أكثر الإشارات التحذيرية جدية من احتمال تضخم الفقاعة، لكن المخاوف من فوات الفرصة لا تزال تتغلب على أي حديث عن فقاعات استثمارية محتملة.
وفي ربيع عام 2024 انضم ليبشولتز وشريكه دوغ أوستروفر إلى تجمع فاخر في وادي أوجاي بولاية كاليفورنيا جمع العشرات من كبار رجالات التكنولوجيا والمشاهير، بينهم مارك زوكربيرغ وساتيا ناديلا وفريل وليامز وسيرينا وليامز.
وعلى رغم مظهرهما المتواضع اقتنص نجما "وول ستريت" فرصة الدخول بقوة في طفرة الذكاء الاصطناعي، فبينما كان "دي جي ديفيد غيتا" يحيي الحفل أبرم التنفيذيان صفقة للاستحواذ على IPI Partners، وهي شركة تستثمر في مراكز بيانات عملاقة لمصلحة "أمازون" و"مايكروسوفت".
منحهم الاستحواذ مقعداً على الطاولة للمنافسة على صفقات تمويل الذكاء الاصطناعي العملاق، وبعد فترة قصيرة وقع الاختيار على "بلو أول" لترتيب حزمة تمويل بقيمة 14 مليار دولار لمركز بيانات مشترك بين "أوراكل" و"أوبن أي بي" في أبيلين بتكساس.
وفي الشهر الماضي جمعت "بلو أول" نحو 30 مليار دولار لبناء مركز بيانات "ميتا" في لويزيانا، وضخت 3 مليارات من أموال عملائها واقترضت الباقي، وشمل الاتفاق شرطاً استثنائياً يمنح استثمارها في الأسهم ضمانات شبيهة بالديون في حال تعثر الشراكة، مثال على "السحر المالي" الجديد الذي تلجأ إليه "وول ستريت" لتلبية شهية الذكاء الاصطناعي للتمويل.
توزيع الأخطار
في البداية مولت شركات التكنولوجيا الكبرى معظم بناء بنى الذكاء الاصطناعي من موازناتها العمومية، لكن مع تضخم المبالغ المطلوبة بدأت تلجأ إلى الديون ورأس المال الخاص ناشرة الأخطار والعوائد المحتملة عبر الاقتصاد.
وبينما يأتي جزء من التمويل عبر سندات تقليدية، فإن الرسوم الأكبر تتدفق عبر الصفقات الخاصة الضخمة التي يتنافس عليها الجميع بدءاً من "جيه بي مورغان" و"مورغان ستانلي" وصولاً إلى "بلاك روك".
وحقق بعض مديري الأموال مكاسب بمليارات الدولارات خلال أيام حتى قبل اكتمال بناء مراكز البيانات التي يمولونها، لكن الأداء الطويل الأجل غير مضمون، إذ يتوقع محللو "مورغان ستانلي" أن الشركات الكبرى ستنفق ما يقارب 3 تريليونات دولار على الذكاء الاصطناعي حتى 2028، لكنها لن تولد سوى نصف ذلك نقداً.
وفي وقت حذر فيه بعض كبار المصرفيين مثل الرئيس التنفيذي لـ"غولدمان ساكس" ديفيد سولومون من وجود "فورة مبالغ فيها" في الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، لكن حتى "غولدمان" أسس فريقاً جديداً لتمويل بنية الذكاء الاصطناعي بعد أيام فقط من تحذيرات رئيسه.
وكتبت "غرينلايت كابيتال" في رسالة للمستثمرين، "لدى الشركات التقنية دوافع هائلة لدفع العالم إلى إنفاق تريليونات، وفي حال لم تلاحظوا، فإن (وول ستريت) تدفع جيداً للترويج لهذا السرد".
تقلبات في السوق
وفي الـ29 من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي أعلنت شركة "ميتا" عن إيرادات قياسية، لكن سهمها هبط 11 في المئة، ولهذا السبب اعتزم الرئيس التنفيذي لشركة "ميتا" مارك زوكربيرغ "زيادة" الإنفاق الرأسمالي على الذكاء الاصطناعي، مما أثار أسئلة عن كيفية تحقيق العائدات.
وإذا انفجرت فقاعة الذكاء الاصطناعي، فسيكون التأثير واسعاً، ولن يقتصر على "وول ستريت"، بل سيمتد إلى صناديق التقاعد وصناديق الاستثمار المشترك، والصناديق المتداولة والمستثمرين الأفراد.
السندات الممولة لمركز بيانات "ميتا" توجد في صناديق لدى "بلاك روك" و"إنفيسكو" و"جانوس هندرسون" و"بيمكو"، كما يضم صندوق البنية الرقمية الجديد لـ"بلو أول" - بقيمة 7 مليارات دولار - استثمارات لصناديق تقاعد في بنسلفانيا ونيويورك.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتقول الشركات إن الأخطار محدودة لأن شركات التكنولوجيا العملاقة تملك عقود إيجار طويلة الأجل توفر إيرادات شبه مضمونة، وتعهدت "مايكروسوفت" ذات التصنيف الائتماني الأعلى من الحكومة الأميركية بمضاعفة مساحة مراكز بياناتها خلال عامين.
لكن وضع أوراكل ليس بالقوة نفسها، فهي تسعى إلى تكون المزود المفضل لمختبرات مثل "أوبن أي آي"، لكنها الأكثر مديونية بين عمالقة التكنولوجيا، وتقترب وكالات التصنيف من خفض سنداتها إلى "درجة غير مرغوبة"، وتراجع سهمها 32 في المئة في الأسابيع الأخيرة.
الشرائح التكنولوجية التي تشتري بالديون قد تصبح قديمة بسرعة. وتقوم "بلو أول" أيضاً بتمويل شراء شرائح من "إنفيديا" لاستئجارها لمصلحة مشروع XAI لإيلون ماسك.
آخر مرة راهنت "وول ستريت" بهذا الحجم كانت خلال طفرة - وانهيار - التكسير الهيدروليكي قبل عقد، لكن الأموال المتدفقة اليوم أكبر بكثير، إذ تشير تقديرات "مورغان ستانلي" إلى أن شركات الذكاء الاصطناعي ستقترض 1.2 تريليون دولار بين 2025 و2028، أي أكثر من إجمال ديون قطاع النفط والغاز عالمياً بين 2012 و2015.
"مدينة طفرة" جديدة
ويقع مشروع "بلو أول" في أبيلين على مشارف حوض النفط غرب تكساس، مركز طفرة التكسير السابقة، وفي سبتمبر (أيلول) الماضي دعت الشركة نحو 40 من ممثلي صناديق التقاعد والجامعات لزيارة موقع مركز البيانات الذي سيضم في النهاية 8 مبانٍ بمساحة 4 ملايين قدم مربعة، وبقوة كهربائية تصل إلى 1.2 غيغاواط كافية لمليون منزل.
وسيضم الداخل نحو 500 ألف شريحة من "إنفيديا" تتطلب تبريداً مستمراً، ويعتمد المشروع مالياً بصورة كبيرة على "أوراكل"، التي استأجرته لمدة 15 عاماً، بينما تعتمد "أوراكل" في المقابل على عميل واحد تقريباً، وهو "أوبن أي آي"، لتحقيق إيرادات طويلة الأجل بقيمة 300 مليار دولار، في حلقة معقدة أثارت تساؤلات عن "دائرية الإيرادات".
أما القروض البالغة 10 مليارات دولار للبناء، فتستحق بعد 5 سنوات، وسيكون من الصعب إعادة تمويلها إذا لم تحقق شراكة "أوراكل - أوبن أي آي" نتائج المرجوة.
في المقابل يشبه عديد من صفقات الذكاء الاصطناعي صفقات الاستحواذ الكبرى في عالم الأسهم الخاصة، إذ تستخدم الديون الضخمة لتعظيم العائدات، ففي مشروع Hyperion، ضخت "بلو أول" 3 مليارات دولار واستدان المستثمرون 27 مليار دولار بفائدة 6.58 في المئة، مع توقعات بعائد سنوي يبلغ نحو 13 في المئة.
قبل عام ونصف العام، ووفقاً لـ"وول ستريت جورنال"، تلقى مصرفيو "جيه بي مورغان" اتصالاً من عميل يسأل عن كيفية تمويل مركز بيانات يستهلك غيغاواط من الطاقة، وهو حجم بدا حينها "جنونياً"، لكن سرعان ما أصبح واقعاً، فقد مول البنك مع مجموعة أخرى، 38 مليار دولار لمشروعي مراكز بيانات في تكساس وويسكونسن.
مليارا دولار في 3 أيام
وفقاً للصحيفة عندما لجأت "بلو أول" لتمويل مشروع "ميتا"، وافقت "بيمكو" على شراء سندات بقيمة 18 مليار دولار مقابل فائدة مرتفعة وضمانات قوية. وعندما بدأ تداول السندات، ارتفعت أسعارها 10 في المئة خلال أيام، محققة لـ"بيمكو" مكاسب دفترية بلغت ملياري دولار، قبل أن تتراجع إلى 1.1 مليار.
وتتنافس الصناديق على هذه السندات لأنها تقدم عوائد عالية تشبه السندات عالية الأخطار، لكن مع ضمانات قوية من شركات تقنية عملاقة.
وقال أليكسي تيبلوخين من "بلو أول"، "حتى إذا لم تكن الغنائم بقدر التوقعات، فإننا لا نزال نتعامل مع أفضل الشركات في العالم".