ملخص
بات موظفو هيئة الصحة الوطنية البريطانية يشعرون بالخوف عندما يتوجهون إلى مناطق تنتشر فيها أعلام "القديس جورج"، سواء كانت معلقة على أعمدة الإنارة أو مرسومة على الأرصفة والشوارع، فما قصة هذه الرايات، وما المقلق حيالها؟
يصاب موظفو مؤسسة الصحة الوطنية، المعروفة اختصاراً بـ "NHS"، بالقلق عندما يتلقون نداء لإنقاذ أو مساعدة أشخاص في بعض المناطق البريطانية، ليس خشية من الفشل في إنجاز المهمة وإنما خوفاً من التعرض للاعتداء من قبل المرضى أو جيرانهم في الحي، وقد يحدث هذا إن دخل أطباء ومسعفون من أقليات عرقية أو دينية إلى بقعة جغرافية يقطنها أشخاص ينتمون إلى اليمين المتطرف الذي يكره الأجانب والمهاجرين.
أنت تمضي بمفردك أحياناً إلى منزل شخص سجن سابقاً بتهمة الاعتداء الجنسي وتغلق الباب خلفك لتقديم المساعدة الطبية له. ولوحدك أيضاً تحاول ركن سيارة الإسعاف في شارع، حيث يتحلق حولك مراهقون يطلبون منك تحريك عربتك إلى مكان أخر لأنك "أزعجتهم". أمثلة أخرى مشابهة تشترك جميعها في عاملين اثنين، أولهما أن موظف الصحة ينحدر من أصل مختلف، والثاني هو أن المنطقة تعج بأعلام القديس جورج "قاهر التنين".
يفيد استطلاع حديث بأن 78 في المئة من قادة المؤسسات الطبية قلقون من تنامي العنصرية ضد موظفي القطاع من قبل المرضى والعامة. وليس الجميع بدرجة التهديد ذاتها إن جاز التعبير، لكن وزير الصحة ويس ستريتنغ يشبّه حال البلاد اليوم بسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي عندما كان اليمين المتشدد يصول ويجول في بريطانيا.
والعنصرية التي تمارس ضد موظفي الصحة عام 2025 هي بسبب اليمين المتطرف أيضاً، إذ حشد هذا التيار الرأي العام عبر وسائل التواصل وأدوات أخرى، ضد المهاجرين بعدما ارتفعت أعدادهم إلى مستويات قياسية، وعجزت الحكومات المتعاقبة عن ضبط الحدود على مدى الأعوام التي تلت خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
والشعبويون الذين يؤججون كراهية الأجانب أقنعوا أشخاصاً بنشر أعلام القديس جورج في البلاد كنوع من الاحتجاج، رسالته الظاهرة هي الفخر ببريطانيا وقيمها، وبين السطور رفض لكل مختلف عن الثقافة وعرقها. فتحول الصليب الأحمر على راية بيضاء إلى فزاعة لإخافة المهاجرين والأجانب وتهديدهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
بدأت حملة رايات القديس جورج في مدينة برمنغهام وسط البلاد ثم انتشرت في أماكن مختلفة من بينها العاصمة لندن. ورفعت تلك الأعلام على أعمدة الإنارة ورسمت على الشوارع، ثم تحولت إلى خريطة ترسم ملامح السخط الشعبوي من الهجرة جغرافياً، وتحدد المناطق التي يسكنها الذين يطالبون بـ"صفاء العرق" و"استرداد الهوية الوطنية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
من هو القديس جورج الذي تنتشر راياته في الشوارع اليوم، وماذا يعني الصليب الأحمر على خلفية بيضاء في تلك الأعلام، وكيف تطور استخدامها تاريخياً في المملكة المتحدة حتى باتت شعارات لليمين المتطرف وفي الوقت ذاته ترفع خلال مناسبات رسمية تعبر عن إنجلترا أحياناً، وعن العائلة الملكية البريطانية أحياناً أخرى؟
بصورة عامة اعتمد الحكام الأوروبيون الصليب كرمز ديني عندما اعتنقوا المسيحية، ولكن يعتقد مؤرخون بأن استخدام الإنجليز للصليب على الأعلام والملابس العسكرية بدأ مع الحروب الصليبية أواخر القرن الـ11، إذ كان الفرسان الأوروبيون يرتدون هذا الرمز كدليل على إيمانهم، وتشير مصادر إلى أن ملك إنجلترا ريتشارد "قلب الأسد" انتقى لقواته الصليب الأبيض على خلفية حمراء، بينما اختار فيليب الثاني في باريس ألواناً معاكسة، لذا لا يعرف كيف باتت راية القديس تمثل الإنجليز وليس الفرنسيين.
ثمة رواية تقول إن "قلب الأسد" دفع لجمهورية جنوة مقابل رفع علم القديس جورج على السفن الإنجليزية وحمايتها في البحر المتوسط. ولا تزال تلك الراية ترفرف فوق ميناء الجمهورية التي تحولت إلى مدينة إيطالية، وعام 2018 مازح عمدتها الملكة الراحلة إليزابيث الثانية بادعاء أن مدفوعات صفقة ريتشارد لم تسدد لمدة 247 عاماً.
وبحسب قصة أخرى اختار "قلب الأسد" الصليب الأحمر على خلفية بيضاء بعد تلقي رؤية من القديس جورج نفسه، لكن المؤرخ "دبليو جي بيرين" يشكك في صدقية القصتين، وبعيداً من الحروب الصليبية تؤكد كتب التاريخ أن الجيوش الإنجليزية والأوروبية بصورة عامة بقيت لقرون تحدد هويتها باستخدام أعلام ورايات عائلاتها المالكة.
أول ظهور موثق للصليب في بريطانيا كان خلال معركة "إيفيشام" عام 1265، فيقول المؤرخ ميك هيرست إن "أول مرة استخدم فيها جيش إنجليزي رسمي هذا الشعار على أرض الوطن، عندما قاد سيمون دي مونتفورت قواته ضد الملك هنري الثالث في لويس بمنطقة ساسكس. فلم يكن من السهل على البارون المتمرد التعرف إلى رجاله وسط الطين والفوضى، لذا اختار أن يضع على معاطفهم أو أكتافهم في المعركة صليباً أحمراً".
وبحسب هيرست "أعجب هذا الابتكار الأمير إدوارد الذي أصبح في ما بعد الملك إدوارد الأول، فطلب من رجاله أن يحددوا هويتهم بالصليب الأحمر. فيما يؤكد بيرن أن صليب القديس جورج بات رمزاً إنجليزياً للحرب منذ القرن الـ13. والقاسم المشترك بين المؤرخين هو أن ربط الهوية الوطنية بالعلم لم يكُن مقنعاً لغير المحاربين والفرسان، فلا توجد "راية مقنعة للفلاحين الذين لا يفضلون الابتعاد من منازلهم ميلاً واحداً".
الباحث في معهد الأعلام مالكولم فارو يقول إن العصور الوسطى لم تعرف شيئاً اسمه أعلام وطنية. كما أن الاستخدام الإنجليزي لراية القديس جورج انتهى بحلول "العصر الإليزابيثي"، وفي القرن الـ16 لم يعُد يوم القديس جورج عطلة رسمية. كذلك بدأت الدول الأوروبية باستخدام الأعلام الوطنية على نطاق واسع خلال حقبة الإمبراطوريات، حين كانت الدول تجوب العالم وتزرع أعلامها في بلدان أخرى تتوسع فيها.
وعام 1606 اختير علم الاتحاد ليمثل بريطانيا العظمى، وبحسب فارو كانت الشوارع في نهاية الحرب العالمية الأولى مزينة بأعلام كثيرة ومتنوعة، وينوه إلى أن المملكة المتحدة لم تحسم محددات علمها بصورة نهائية، لكن بعد مناقشتين في مجلس العموم كانت آخرهما عام 1933، اعتمد العلم الملون بالأزرق والأحمر والأبيض كراية وطنية.
وصليب القديس جورج وفق الباحث في معهد الأعلام، عاد للاستخدام عموماً بعد الحرب العالمية الثانية، أولاً من خلال الجماعات اليمينية المتشددة وبعدها مشجعي الرياضة. والواقع أن الراية البيضاء التي تحمل الصليب الأحمر تستخدم في مناسبات عدة، فترفع فوق كنائس إنجلترا أثناء فعاليات رسمية، كما تستخدم للتعبير عن الفرق الإنجليزية خلال مشاركتها في بطولات كرة القدم والكريكيت والتنس وغيرها من الألعاب.
يصعب الحسم في شأن أية رواية تاريخية حول حياة ووفاة القديس جورح، ولكن المشترك بينها أنه كان فارساً شجاعاً عاش خلال القرن الثالث الميلادي، ثم تحول إلى أسطورة ورمز مسيحي في قارة أوروبا بعد القرن السادس. ويقال إن رفاته نقلت إلى موطن أمه في فلسطين التاريخية، كما يشاع أن أصبعين له وجزءاً من قلبه وجمجمته موجودة في كنيسة تحمل اسمه بنيت في القرن الـ14 داخل قلعة "وندسور" الملكية في بريطانيا.
وخلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي بدأ مشجعو كرة القدم الإنجليزية برفع رايات القديس في المباريات، وانتشرت بداية بين "الهوليغانز"، أو المجموعات العنيفة من المشجعين، ثم نشط "الحزب القومي البريطاني" و"الجبهة الوطنية" واستغلا المباريات كمساحة لترويج خطابهم اليميني المتشدد مستخدمين الأعلام البيضاء ذات الصليب الأحمر.
الأمر وضع في إطار تنظيمي عندما تشكلت "رابطة الدفاع الإنجليزية"، كحركة قومية يمينية متشددة في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2009 وبدأت استخدام رايات القديس جورج. وبعد أربع سنوات انسحب تومي روبنسون، أحد مؤسسي الرابطة، بسبب العنف الذي بات يصدر عن أفرادها والذي أصاب البريطانيين بالضيق والتململ من وجودها في المشهد السياسي.
وترفض الرابطة اتهامها بالتطرف ولكن أحداثاً ومواقف عدة وضعتها تحت الرقابة والتهديد بالحظر الرسمي حتى الآن. أما رفع رايات القديس جورج في إطار يميني، فتجدد خلال أغسطس (آب) الماضي عبر مجموعة تطلق على نفسها اسم "محاربو ويولي"، نسبة إلى حي "ويولي كاسل" الواقع جنوب غربي مدينة برمنغهام وسط البلاد.
و"محاربو ويولي" يعرفون أنفسهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي بـ"مجموعة رجال إنجليز يعتزون بانتمائهم ويجمعهم هدف مشترك يتمثل في التعبير عن فخرهم بتاريخهم وحرياتهم وإنجازاتهم في أنحاء البلاد"، وتلبية لدعوتهم بدأت رايات القديس جورج ترفع على أعمدة الإنارة وترسم في الشوارع ضمن مناطق مختلفة في بريطانيا.
ومحاولة بعض المجالس المحلية منع رفع رايات "القديس" زادت من جاذبيتها وعززت انتشارها خلال سبتمبر (أيلول) الماضي، ومن ثم بدأت الأعلام البيضاء ذات الصليب الأحمر، تظهر خلال الاحتجاجات التي تفجرت ضد "فنادق اللاجئين" الموزعة في مناطق عدة، ويقطنها هؤلاء الذين دخلوا البلاد بصورة غير شرعية عبر القنال الإنجليزي.
"محاربو ويولي" وغيرها من الجماعات الشعبوية تقود الحراك ضد اللاجئين والمهاجرين، وتحشد توجهاً يطالب باستعادة "الهوية الوطنية". وهي تحرض أنصارها عبر وسائل التواصل بخاصة "إكس". أما رايات القديس جورج، فتحولت في ظل هذا الحراك إلى رمز من رموز اليمينية الجديدة التي تكبر في بريطانيا كبقية الدول الأوروبية.