ملخص
تستخدم روسيا تكنولوجيا قديمة ولكنها موثوقة، بينما تستخدم الصين تكنولوجيا أحدث ولكنها غير مجربة، وهذا المزيج يمكن أن يكون ناجحاً، لكن الولايات المتحدة لا تزال قادرة على التفوق عليهما بالنهج الصحيح، والأهم من ذلك، بالموازنة المناسبة.
اتفقت بكين وموسكو على التعاون لإنجاز مفاعل نووي قمري بحلول عام 2036. ورداً على ذلك، أعلن الرئيس الموقت لوكالة الفضاء الأميركية "ناسا" شون دافي خلال أغسطس (آب) الماضي أن الولايات المتحدة ستسرع برنامجها للطاقة النووية القمرية ليكون جاهزاً بحلول عام 2030.
يحتدم السباق بين الصين وروسيا والولايات المتحدة لوضع محطات طاقة نووية على سطح القمر. فخلال مايو (أيار) الماضي، اتفقت بكين وموسكو على التعاون لإنجاز مفاعل نووي قمري بحلول عام 2036. ورداً على ذلك، أعلن الرئيس الموقت لوكالة الفضاء الأميركية "ناسا" شون دافي خلال أغسطس (آب) الماضي، أن الولايات المتحدة ستسرع برنامجها للطاقة النووية القمرية ليكون جاهزاً بحلول عام 2030.
يهدف كلا المشروعين إلى توفير الطاقة النووية القمرية الجديدة، مع وجود مخاوف في شأن مناطق الحظر والسيطرة المستقبلية على المعادن، مما يحفز الحاجة إلى الفوز في هذا السباق.
وسيوفر المفاعل الأميركي المخطط له بقدرة 100 كيلووات الطاقة لمعسكر قاعدة "أرتيميس"، ولكن هناك بعض الشكوك في الأوساط العلمية حول إمكان التغلب على العقبات الهندسية الجسيمة خلال الوقت المحدد. وستواجه روسيا والصين العقبات ذاتها، وإن كان ذلك في جدول زمني أقل ضغطاً، لتحقيق خطتهما لتزويد المحطة الدولية المشتركة للبحوث القمرية بالطاقة.
تاريخ تزويد القمر بالطاقة النووية
ليس استخدام الطاقة النووية على القمر بالأمر الجديد. فقد كانت مولدات الطاقة الكهروحرارية بالنظائر المشعة جزءاً من العمليات القمرية منذ مهمة "أبولو 12" خلال عام 1969، عندما استخدمت هذه المولدات التي تحوي "البلوتونيوم 238" لتزويد الأدوات العلمية المتروكة على سطح القمر بالطاقة.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت مولدات الطاقة الكهروحرارية بالنظائر المشعة مصدر الطاقة المفضل، إذ زودت أكثر من 25 مركبة فضائية أميركية بالطاقة. وزودت هذه المولدات مركبتي "بايونير 10" و"بايونير 11"، وهما أول مركبتين فضائيتين تحلقان قرب كوكبي المشتري وزحل على التوالي، إضافة إلى المسبار "يوليسيس"، الذي كان أول من مر قرب قطبي الشمس عام 1994.
وإلى جانب مولدات الطاقة الكهروحرارية بالنظائر المشعة، كان هناك حلان آخران لتزويد استكشاف القمر بالطاقة وهما الطاقة الشمسية وخلايا الوقود. ويواجه الحل الأول عقبة فورية إذ تتطلع الولايات المتحدة وروسيا والصين إلى القطب الجنوبي المظلم والبارد للقمر، ويمكن استخدام الجليد المائي الموجود فيه لتطوير البنية التحتية القمرية للأطقم ولتصنيع السلع والموارد المستقبلية.
هذا ولعبت خلايا الوقود دوراً أساساً في تزويد رحلات استكشاف الفضاء بالطاقة. وبفضل ميزة إنتاج الماء كناتج ثانوي، تتميز هذه التقنية أيضاً بخفة وزنها وكثافة طاقتها العالية، مما يجعلها قابلة للتطوير.
ما سبب بنائها على القمر؟
حققت كل من الولايات المتحدة والصين خطوات كبيرة في تكنولوجيا الطباعة ثلاثية الأبعاد خلال الأعوام الأخيرة، والتي سيؤدي استخدامها على القمر إلى تقليل الاعتماد على المواد الأرضية. وتعمل شركة "إنترلون" الأميركية الناشئة، المدعومة من "ناسا"، على بناء نظام مستقل لمعالجة 100 طن متري من التربة القمرية في الساعة، وهدفها هو "الهيليوم 3"، وهو نظير نادر لطاقة الاندماج، فيما كشفت الصين عن روبوت تعدين قمري سداسي الأرجل، وتعمل على تطوير نظام إطلاق مغناطيسي لإرسال المواد إلى المدار، مما يقلل الكلف ويمكن من إنشاء سلسلة إمداد ثابتة.
وتشير مذكرة صادرة عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية عام 2023 إلى أن تقنيات التصنيع المتقدمة ستلعب دوراً حيوياً في تمكين المفاعلات المعيارية المستقبلية. وبينما لا يزال يتعين شحن اليورانيوم المخصب والسبائك من الأرض، يوفر القمر السيليكون والألمنيوم والحديد وهي مواد مناسبة للهياكل والتدريع.
ويبدو جلياً اليوم أن القمر يتطور من كونه مركزاً بحثياً ليصبح مركزاً لوجيستياً. والآثار المترتبة على ذلك استراتيجية، ذلك أن الدولة الأولى التي ستنجح في بناء بنية تحتية دائمة على سطح القمر ستحدد وتيرة النشاط القمري.
ويعد الوصول إلى الموارد أمراً بالغ الأهمية، إذ يحوي القمر أكثر من مليون طن من "الهيليوم 3"، وهو عنصر نادر على الأرض ولكنه وفير على سطح القمر نتيجة للتعرض للرياح الشمسية. ويمكن لمفاعلات الاندماج النووي التي تستخدم "الهيليوم 3" توفير طاقة نظيفة مع الحد الأدنى من النفايات المشعة، وهذا ما يمنح الدول التي تتمكن من الوصول المبكر إلى هذه الموارد ميزة تنافسية كبيرة.
ويحوي القمر أيضاً على عناصر أرضية نادرة حيوية لأشباه الموصلات والتكنولوجيا النظيفة والصناعات الدفاعية. وتشير هيئة المسح الجيولوجي الأميركية إلى أن 70 في المئة من الإنتاج العالمي الحالي للعناصر الأرضية النادرة يأتي من الصين، بالتالي يمكن للبدائل القمرية أن تعيد تشكيل سلاسل التوريد العالمية أو تعززها.
لماذا تحول الأمر فجأة إلى سباق؟
بدأ السباق المحموم لبناء محطات نووية على القمر مع مشروع محطة الطاقة النووية السطحية التابع لوكالة "ناسا"، والذي طرح قبل بضعة أعوام مناقصة لتصميم مفاعلات نووية مصغرة للقمر بقدرة 40 كيلووات. ومنذ ذلك الحين، أعلنت الصين وروسيا ضمن ثلاث مناسبات في الأقل عن جهود مشتركة لتصميم مفاعلهما النووي المصغر الخاص بهما للقمر، مع تحديد منتصف ثلاثينيات القرن الحالي كموعد للإطلاق.
لذا، تسعى الولايات المتحدة للوصول إلى هناك قبل الصين وروسيا للسيطرة على منطقة غنية بالجليد المائي، وهذا ما يعد ضرورياً لدعم حياة رواد الفضاء.
بيئة القمر للطاقة النووية
تشكل بيئة القمر مجموعة من التحديات العملية، بما في ذلك انخفاض الجاذبية والإشعاع الكوني وانعدام الغلاف الجوي. فالجاذبية على القمر تعادل سدس جاذبية الأرض تقريباً، لذا يجب على المهندسين تصميم المفاعل ليعمل بصورة مستقرة في بيئة منخفضة الجاذبية ويجب حمايته بصورة صحيحة، لأن القمر يفتقر إلى حماية الغلاف الجوي الذي يحمي من النيازك الصغيرة.
إلى جانب هذه التهديدات الكبيرة، يجب أن يتحمل المفاعل دورات الحرارة الشديدة على سطح القمر، من دون الحاجة إلى صيانة دورية.
وبذلك من المرجح أن تتضمن حماية المفاعل استخدام دروع من التربة القمرية داخل الموقع، مما سيجنب زيادة وزن الحمولة عند الإطلاق. وتفيد وكالة "ناسا" بأن هذا قد يشمل حفر حفرة ودفن المفاعل جزئياً أو بناء حواجز واقية، وسيحتاج المفاعل إلى تحمل ظروف قاسية منذ لحظة تشغيله.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
من سيفوز في السباق؟
كما سبق وأسلفنا، تسعى الولايات المتحدة وروسيا والصين إلى تحقيق الهدف النهائي ذاته والمتمثل بتشغيل قواعدهم على القمر. وإلى جانب الحاجة إلى الكهرباء والتدفئة للحفاظ على حياة الإنسان، ستستخدم الطاقة النووية لإعادة شحن مركبات استكشاف سطح القمر ولأغراض الاستكشاف واستغلال الموارد وصيانة البنية التحتية وتطويرها.
يضيف السباق مع روسيا والصين بعداً خاصاً لأهداف الأمن القومي الأميركي، ومع التقدم الذي تحرزه الشركات الرائدة عالمياً، بما في ذلك شركة الفضاء "سبايس أكس"، يمكن للولايات المتحدة الحفاظ على تفوقها.
مع ذلك، يجب توخي الحذر في شأن هذا التفاؤل، لأنه يتطلب دعماً مالياً مستمراً. فبينما أعربت كل من وزارة الطاقة الأميركية وشركة "لوكهيد مارتن" عن تفاؤلهما في شأن ريادة الولايات المتحدة ضمن هذا السباق، يحذر الخبراء من أنه إذا لم يتغير الإنفاق الحالي والدعم السياسي لمشاريع "ناسا"، فهناك احتمال كبير أن تتفوق الصين على الولايات المتحدة في وضع مفاعل نووي على القمر.
فمثلاً حدثت تأخيرات في مهمة "أرتيميس 3"، التي كان من المقرر أن تنزل رائدي فضاء على القمر بحلول عام 2026، لتصبح خلال عام 2027، بعد مشكلات واجهت الدرع الحراري لكبسولة "أوريون". بالمقارنة، حققت الصين نجاحات في مهام "تشانغ إي"، وتحتفظ روسيا بكثير من تقنياتها التقليدية، التي حققت إنجازات عدة في بداية سباق الفضاء، بما في ذلك إرسال أول إنسان إلى الفضاء (يوري غاغارين - 1961) وأول امرأة في الفضاء (فالنتينا تيريشكوفا - 1963) وأول عملية سير في الفضاء (أليكسي ليونوف - 1965).
في المحصلة، تستخدم روسيا تكنولوجيا قديمة ولكنها موثوقة، بينما تستخدم الصين تكنولوجيا أحدث ولكنها غير مجربة، وهذا المزيج يمكن أن يكون ناجحاً، لكن الولايات المتحدة لا تزال قادرة على التفوق عليهما بالنهج الصحيح، والأهم من ذلك، بالموازنة المناسبة.