Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ماذا وراء إشاعة خلاف بوتين مع وزير خارجيته؟

اختفاء لافروف كان بإخطار والكرملين يعلق على تقارير تحدثت عن خلافات ويصفها بأنها "كاذبة تماماً"

ظل غياب وزير الخارجية الروسي بعيداً من "الإشاعات" لفترة طويلة نسبياً (أ ف ب)

ملخص

كأنما أراد الإجابة عن كثير من التساؤلات والإشاعات التي روجت لما يقال حول غيابه وابتعاده من المشهد السياسي في موسكو، وطاولت في بعض جوانبها علاقاته مع الرئيس بوتين، أدلى سيرغي لافروف بحديث إلى وكالة أنباء "ريا نوفوستي"، ركز خلاله على أهم النقاط التي ناقشها ضمن مكالمته الهاتفية مع نظيره الأميركي ماركو روبيو، وكانت في صدارة ما نقله الأخير وأسفرت عما اتخذه ترمب من قرار إلغاء أو تأجيل قمة بودابست.

الإشاعة التي أقامت الدنيا ولم تقعدها بعد، حول غياب سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسية عن اجتماع مجلس الأمن القومي، جاءت متأخرة كثيراً عن سابق غيابات مماثلة للوزير الروسي عن مناسبات أخرى. وكان من الغريب ألا يتساءل المراقبون عن سبب اختفائه، وعلى سبيل المثال لا الحصر، عن اجتماع الرئيس فلاديمير بوتين مع ستيفان ويتكوف المبعوث الشخصي للرئيس الأميركي في الكرملين بعد طول انقطاع، والذي لم يحضره من الجانب الروسي سوي يوري أوشاكوف مساعد الرئيس للشؤون الخارجية، وكيريل دميتريف الأوكراني الأصل، رئيس صندوق الاستثمارات الروسية الذي صدر لاحقاً مرسوم تعيينه مبعوثاً خاصاً للرئيس بوتين.

وظل غياب الوزير الروسي بعيداً من "الإشاعات" لفترة طويلة نسبياً، حتى ظهر في ألاسكا مرتدياً سترته التي أثارت لغطاً واسع النطاق بما حملته من الأحرف الأولى لاسم "اتحاد الجمهوريات السوفياتية الاشتراكية" وهو الاسم الرسمي للاتحاد السوفياتي السابق، في إشارة لا تخلو من مغزى.

ولم يتحدث أحد عن مثل هذا "الغياب" من جانب لافروف، وهو انقطاع عن الظهور تزامل معه خلاله دميتري بيسكوف الناطق الرسمي باسم الكرملين، الذي اختفي أيضاً لبعض الوقت ليحل محله في الحديث باسم الكرملين يوري أوشاكوف مساعد الرئيس للشؤون الخارجية. ولم يظهر بيسكوف إلا ضمن الفريق الروسي الذي رافق بوتين في رحلته إلى ألاسكا، ومعه كيريل دميتريف الذي بزغ نجمه مع أول محادثات روسية - أميركية عقدت بعد طول انقطاع بين الجانبين داخل الرياض، خلال مارس (آذار) 2024.

زوبعة في فنجان

كان من المثير للدهشة رد فعل "موسكو تايمز" على ملاحظة أندريه كوليسنيكوف القريب "جداً" من الكرملين حول غياب لافروف عن اجتماع مجلس الأمن القومي، وهي صحيفة يحسبونها على المعارضة، وتدرجها وزارة العدل الروسية منذ نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2023 ضمن قائمة "العملاء الأجانب" - التسمية الرسمية للصحافة غير الرسمية التي تتلقي أموالاً من الخارج، وتصدر من أمستردام منذ عام 2022. ولم يكن كوليسنيكوف ذكر سوى أنه علم من مصادر مطلعة أن غياب لافروف كان "بإخطار مسبق" أو كما ترجمتها بعض المصادر "باتفاق".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكان الاجتماع مكرساً لبحث "إمكانية استئناف التجارب النووية رداً على النشاط الأميركي، بعدما أمر الرئيس دونالد ترمب البنتاغون ببدء تجارب الأسلحة النووية، معللاً ذلك بضرورة "عدم الرضوخ" للبرامج التي زعم أن روسيا والصين تسعيان إليها سراً. وتلقفت الصحف الغربية ما نقلته "موسكو تايمز" لتصنع منها "اللبانة" التي تواصل مضغها حتى اليوم.

وقد زاد من دهشة كثر في الخارج قبل الداخل، ما سارع إليه بيسكوف الناطق باسم الكرملين الذي خرج يقول "سيرغي فيكتوروفيتش (لافروف) يواصل عمله بنشاط. جميع هذه التقارير كاذبة تماماً، لا تلقوا لها بالاً. كل شيء على ما يرام". وأضاف بيسكوف "عندما تقام الفعاليات العامة المناسبة، ستقابلون الوزير".

لافروف وظاهرة يلتسين الصحية

غير أننا يمكن أن نكون قريبين من بعض التفسيرات التي تموج بها الأوساط السياسية والدبلوماسية حول الخلافات "الصحية" و"غير المعلنة" في المواقف والتوجهات تجاه عدد من القضايا العالقة داخل أروقة الأوساط السياسية المحلية والعالمية.

ومن هذه الخلافات ما يعود إلى ما يمكن تسميته "الخروج عن المألوف" لوزير الخارجية الروسي في بعض المواقف، ومنها "استخدامه للألفاظ الخارجة" مثلما تردد خلال عام 2008 خلال لقائه وزير خارجية بريطانيا السابق ديفيد ميليبند، وهو ما تناولته صحيفة "ديلي تلغراف" اللندنية في حينه. وفي هذا الصدد نشير إلى أن لافروف وفي معرض استضافته عبر أحد برامج التلفزيون الروسي، ورداً على سؤال في شأن مدى تفاعله مع مثل هذه المواقف الحادة خلال اللقاءات الدبلوماسية، أجاب لافروف مقهقهاً "كثيراً"!

وما دام الشيء بالشيء يذكر نعود بالذاكرة إلى تسعينيات القرن الماضي، وكان ذلك خلال أحد المؤتمرات الصحافية التي كان يعقدها الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين. وكنت خالفت التعليمات التي كثيراً ما حددت دائرة الفائزين بتوجيه الأسئلة إلى الرئيس، ومنها التقدم بالسؤال مكتوباً إلى مساعدي الناطق الرسمي باسم الكرملين قبل بداية المؤتمر. فلم أكن لأستطيع إغفال السؤال عن قرار الرئيس يلتسين حول شطب أسماء ستة من مساعديه من قائمة مرافقيه في رحلته إلى الولايات المتحدة، ومن هؤلاء الستة الكبار من يمكن توقع مغادرته لفريقه في الكرملين، وما أبعاد الخلافات داخل هذا الفريق.

 

هنا زمجر الرئيس وضرب المنصة بقبضته قائلاً "اترك هذه القضايا للرئيس!"، وما إن قالها حتى ران صمت كصمت القبور داخل قاعة المركز الصحافي، وكان يشغل القاعة الكبرى لاجتماعات مجلس السوفيات الأعلى للاتحاد السوفياتي السابق. وما إن مرت بضع لحظات "ساكتة"، خلتها ساعات، حتى عاد يلتسين إلى سابق هدوئه ليقول "ومع ذلك سأجيبك. إن الخلاف داخل أعضاء الفريق الواحد ظاهرة صحية". ومضى يلتسين ليشرح أبعاد هذه الخلافات التي لا بد منها داخل أعضاء الفريق الواحد للتوصل إلى القرار السليم... إلخ".

ولعل ذلك هو ما يمكن تفسيراً لذلك الموقف الذي نجم على ما يبدو نتيجة الخلاف الذي جرى بين لافروف ونظيره الأميركي ماركو روبيو اللذين أوكل الرئيسان بوتين وترمب إليهما إعداد أجندة اجتماع القمة التي قررا عقدها في بودابست. وكان الرئيس الروسي وافق على اقتراح نظيره الأميركي حول اجتماعهما المقبل في بودابست، وهو اختيار يحمل في طياته كثيراً من التناقضات، لما لهذه العاصمة من تاريخ حافل بالخلافات مع كثير من الأطراف الدبلوماسية المعنية بداية بكييف ونهاية بكثير من عواصم بلدان الاتحاد الأوروبي.

لافروف يجيب عن تساؤلات اختفائه

وكأنما أراد الإجابة عن كثير من التساؤلات والإشاعات التي روجت لما يقال حول غيابه وابتعاده من المشهد السياسي في موسكو، وطاولت في بعض جوانبها علاقاته مع الرئيس بوتين، أدلى سيرغي لافروف بحديث إلى وكالة أنباء "ريا نوفوستي" الروسية الرسمية، ركز خلاله على أهم النقاط التي ناقشها ضمن مكالمته الهاتفية مع نظيره الأميركي ماركو روبيو، وكانت في صدارة ما نقله الوزير الأميركي وأسفرت عما اتخذه الرئيس ترمب من قرار إلغاء أو تأجيل قمة بودابست. وكان لافروف سبق وكشف عن بعض جوانب الخلافات التي أثارها مع روبيو في شأن الموقف تجاه السلام مع أوكرانيا.

قال لافروف إن بوتين سبق وحدد الملامح الرئيسة لموقف موسكو ضمن لقائه وقيادات وزارة الخارجية الروسية خلال يونيو (حزيران) 2024، وعاد ليؤكد ما قاله الرئيس بوتين في قمة أنكوراج بألاسكا مع الأخذ في الاعتبار المقترحات الني نقلها ستيف ويتكوف المبعوث الشخصي للرئيس الأميركي ترمب قبيل قمة ألاسكا. وقال لافروف أيضاً إن "الأميركيين أكدوا لنا قدرتهم على ضمان عدم عرقلة زيلينسكي لتحقيق السلام"، لكنه أشار إلى ظهور بعض الصعوبات في هذا الصدد. وتناول بعضاً من محاولات بروكسل ولندن إقناع واشنطن بالتخلي عن نيتها حول حل الأزمة بالوسائل السياسية والدبلوماسية، والانخراط الكامل في جهود الضغط العسكري على روسيا، أي الانضمام الكامل إلى "فريق الحرب".

وكشف لافروف عن أن موسكو لا تزال تنتظر تأكيداً من الولايات المتحدة بأن اتفاقات أنكوراج لا تزال سارية المفعول. وأكد وزير الخارجية الروسية كذلك أنه "على رغم طابعها التوافقي في جوهره، فإننا لم ولن نتخلى عن التزاماتنا الأساس". وتوقف عند أن الأميركيين يدركون ذلك، وأن لا أحد يشكك في وحدة أراضي روسيا أو في الخيار المصيري لسكان شبه جزيرة القرم ودونباس ونوفوروسيا (المقاطعات الأربع التي جرى ضمها إلى روسيا عام 2022) الذين اتخذوا قرارات مصيرية بالعودة إلى وطنهم التاريخي في استفتاءين أُجريا خلال عامي 2014 و2022. وقال "إننا لا ننسى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للصراع، والتي حددناها مراراً وتكراراً".

روبيو ومسؤولية إلغاء قمة بودابست

أما عن كون وزير الخارجية الأميركي يبدو عازفاً عن قبول المقترحات الروسية التي سبق وقبل بها رئيسه دونالد ترمب، فإن لافروف عاد وأكدها مرة أخرى، ضمن لقائه وزير الخارجية الأميركي، ربما بصيغة أو بلهجة لم ترق له، وتلك مسألة تعود إلى الوزير الأميركي وما يتمتع به من حظوة لدى رئيسه دونالد ترمب. ومن ثم عاد لافروف ليؤكد علانية ما طرحته موسكو من اقتراحات، ضمن حديثه الذي حرص على الإدلاء به إلى وكالة أنباء "ريا نوفوستي" الرسمية، وهو ما حرصت على نشره وزارة الخارجية الروسية عبر صفحتها الإلكترونية.

وقال لافروف إن موسكو بعثت بمقترحاتها إلى الجانب الأميركي قبيل اتخاذه لقراره حول إلغاء أو تأجيل قمة بودابست. وأكد الوزير الروسي أنه توصل إلى هذه المقترحات بناءً على شروط عادلة ومستدامة سبق وحددها الرئيس بوتين ضمن لقائه قيادات الخارجية الروسية، مع الأخذ في الاعتبار ما طرحه ويتكوف خلال زيارته الأخيرة للكرملين.

أما عن الموقف من معاهدة "ستارت 3"، أكد لافروف "أنها خالية من أية أجندة خفية، وسهلة الفهم للغاية. وأن تطبيقها العملي لن يتطلب أية جهود إضافية محددة. لذلك، فنحن لا نرى حاجة لمناقشة فكرتنا بصورة معمقة". وقال إن "المطلوب فقط هو المعاملة بالمثل من جانب الولايات المتحدة"، وأن موسكو ستلتزم بالقيود الطوعية فقط إذا التزم بها الطرف الآخر، وإلى "أن يلتزم بها بالطبع، وإذا كانت لدى الأميركيين أي أسئلة، فبإمكانهم دائماً طرحها علينا".

وعاد ليقول إن موسكو لم تتلق بعد أي رد جوهري من واشنطن، التي أبلغتنا عبر القنوات الدبلوماسية أن "المسألة قيد الدراسة". ومضى ليقول "نحن لا نحاول إقناع أحد. نعتقد أن خطوتنا تصب في مصلحة كلا الجانبين والمجتمع الدولي بأسره. نحن مستعدون لأية تطورات. ومع ذلك، نأمل في التوصل إلى نتيجة إيجابية".

وذلك هو ما قاله سيرغي لافروف ضمن حديثه الصحافي إلى "ريا نوفوستي"، وهو ما حاول به "الرد" على ما حفلت به الأوساط السياسية والإعلامية من لغط في شأن "تباعده" أو ما روجته "الإشاعات" حول ما وصفته بـ"الخلافات" مع الرئيس فلاديمير بوتين.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير