ملخص
لا تزال تنظر الحكومة المصرية إلى رغيف العيش باعتباره خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه، بوصفه صمام أمان اجتماعي لملايين الأسر
أطل رغيف العيش المدعم إلى صدارة المشهد الاقتصادي في مصر، مع حسم الجدل الدائر حول نية الحكومة تحريك أسعاره عقب قرار زيادة أسعار السولار في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.
وزارة التموين والتجارة الداخلية قطعت وعداً بتجنيب المستهلكين زيادة سعر رغيف العيش المدعم (20 قرشاً)، مع تحمل خزانة الدولة سداد الفارق في سعر السولار لأصحاب المخابز الذين شكوا من تحملهم 400 جنيه إضافية يومياً تمثل هذا الفارق بين السعرين السابق والحالي للسولار.
لكن الوعد الحكومي لا ينسحب على رغيف العيش السياحي الذي يباع لغير مستحقي الدعم بجنيهين (0.042 دولار)، بحكم إنتاجه بسعر الدقيق الحر من دون دعم الدولة البالغ 160 مليار جنيه (3.39 مليار دولار) في موازنة العام المالي 2025-2026.
سعر رغيف الخبز السياحي
زادت المخابز السياحية من سعر رغيف الخبز بنحو 13 في المئة إلى 2.25 جنيه (0.048 دولار) ارتفاعاً من جنيهين (0.042 دولار)، عقب تحريك سعر السولار الشهر الماضي، من 15.5 إلى 17.5 جنيه (0.33 إلى 0.37 سنت).
وتطالب شعبة المخابز، الحكومة ممثلة في وزارة التموين بسرعة سداد فاتورة الفارق بين سعري السولار السابق والحالي بواقع 400 جنيه (8.47 دولار) يومياً لـ10 آلاف مخبز منذ قرار لجنة تسعير الوقود في 17 أكتوبر الماضي.
ومع تحمل موازنة الدولة تلك الأعباء في الوقت الراهن، وتثبيت الحكومة أسعار الوقود الحالية مدة عام تنتهي في أكتوبر 2026، تدخلت عوامل وفرة الدقيق وقرب حصاد القمح إلى جانب تراجع الدولار لتخفف من قبضة الكلفة الإنتاجية المرتفعة عن رغيف العيش، بحسب متخصصين تحدثوا لـ"اندبندنت عربية".
لا مساس بسعر "المدعم"
في البداية، يقول وزير التموين والتجارة الداخلية، شريف فاروق، إن سعر رغيف الخبز البلدي المدعم ثابت من دون أي زيادة، ليباع بـ20 قرشاً على بطاقات التموين، على رغم تحريك أسعار السولار في الآونة الأخيرة، مع مراعاة وزارته عناصر الكلفة ومدخلات إنتاج الخبز المدعم، بما فيها كلفة السولار.
الوزير طمأن قرابة 70 مليون مصري مدرجين على بطاقات مستحقي الدعم في شأن عدم المساس بالسعر، مجنباً إياهم أي أعباء إضافية مع مواصلة العمل على تحمل فارق كلفة الإنتاج لأصحاب المخابز، وضمان استمرار بيع الخبز المدعم بذات السعر.
ارتفع متوسط كلفة إنتاج رغيف العيش المدعم (وزن 90 غراماً) إلى 162 قرشاً (0.034 دولار) بعد تحريك السولار، ومع بيعه للمستهلك بـ20 قرشاً فحسب، تتحمل خزانة الدولة فارق دعم يبلغ 142 قرشاً (0.030 دولار) عن كل رغيف.
الزيادة الثانية في 2025
في يونيو (حزيران) 2024، رفعت الحكومة سعر رغيف الخبز البلدي المدعم للمرة الأولى منذ 30 عاماً، بنسبة ارتفاع بلغت 300 في المئة، ليصل سعر الرغيف 20 قرشاً، من خمسة قروش في السابق.
وفي أبريل (نيسان) الماضي، حركت المخابز السياحية سعر رغيف العيش إلى جنيهين من 1.5 جنيه (0.032 دولار)، مع خفض وزن الرغيف من 90 إلى 70 غراماً، عقب تحريك أسعار السولار آنذاك.
المتحدث باسم شعبة المخابز باتحاد الغرف التجارية خالد صبري، أقر بزيادة سعر رغيف الخبز السياحي ليصبح بـ2.25 جنيه (0.048 دولار) بدلاً من جنيهين، في أعقاب قرار زيادة أسعار السولار، وقال إن سعر الوقود عامل مؤثر في كلفة إنتاج الخبز.
تعافي الجنيه المصري
صبري أكد أن تراجع سعر الدقيق مع وفرته وقرب موسم حصاد القمح، إلى جانب تحسن قيمة الجنيه المصري أمام الدولار في الآونة الأخيرة عوامل أثرت إيجاباً في هيكل التسعير، وحالت دون ارتفاع سعر رغيف الخبز السياحي بنسب تتجاوز 15 في المئة.
وتحدث المسؤول، أن مخابز القاهرة الكبرى (القاهرة والقليوبية والجيزة) استطاعت تجاوز الكلفة الإنتاجية المرتفعة بفعل توفر الغاز الطبيعي، مما يقلص من آثار تحريك أسعار السولار على إنتاج رغيف الخبز السياحي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لكن المتحدث باسم شعبة المخابز أوضح أن الشعبة التي تمثل مصالح الخبازين في البلاد قدمت قائمة من المطالب إلى وزير التموين، على رأسها إعادة حساب كلفة إنتاج رغيف الخبز المدعم بزيادتها من 390 جنيهاً للجوال (8.25 دولار) إلى 450 جنيهاً (9.52 دولار) تسدد من جانب الدولة لأصحاب المخابز، من دون المساس بسعر رغيف العيش المدعم.
ويعمل ضمن منظومة إنتاج الخبز المدعم في مصر قرابة 30 ألف مخبز، من بينها 10 آلاف مخبز تعمل بالسولار، بحسب تقديرات وزارة التموين والتجارة الداخلية.
أهداف اجتماعية أولاً
وتبيع المخابز 270 مليون رغيف خبز مدعم يومياً، بإجمال 100 مليار رغيف سنوياً لنحو 70 مليون مستحق مدرج على قاعدة الدعم السلعي في البلاد، عبر البطاقات التموينية.
المتخصص الاقتصادي عبدالمنعم السيد، أثنى على القرار الحكومي الخاص تجنيب سعر رغيف العيش تبعات الإصلاح الاقتصادي كونه عنصراً غذائياً أساساً لملايين المواطنين من مختلف الطبقات، معتبراً أن تحمل الدولة فاتورة الدعم يخدم أهدافاً اجتماعية ملحة.
ويعتقد السيد أن الحفاظ على مخزون استراتيجي من القمح والتوسع في إنتاجه محلياً مع تعظيم قدرات التخزين عبر مشروعات الصوامع الجديدة يخدم تلك الغايات الاجتماعية، ويحول دون تمدد معدلات التضخم صعوداً، وترك الخبز رهن تقلبات الأسواق العالمية التي تتأثر بعوامل الندرة في المعروض وجفاف المحصول بفعل التقلبات المناخية.
وأنتجت مصر في الموسم الأخير 4 ملايين طن من القمح محلياً، وسط مساعٍ لتوريد ملايين الأطنان الإضافية عبر الاستيراد لسد الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك.
مصر الأكبر استيراداً
وتستورد القاهرة سنوياً 18 مليون طن من القمح لتلبية الطلب المحلي، بما يشمل مستخلصات الدقيق، ويقدر إجمال الاستهلاك المتوقع خلال العام المالي المقبل بنحو 20.5 مليون طن بزيادة تقترب من 350 ألف طن مقارنة بالاستهلاك المتوقع بنهاية العام المالي الحالي، بحسب بيانات رسمية.
في 2024، ارتفعت واردات مصر من القمح إلى أعلى مستوى منذ 10 أعوام، لتصل إلى حدود 14.2 مليون طن مقابل 10.8 مليون طن في 2023، بزيادة بلغت 31 في المئة، إذ لم تشهد البلاد استيراد مثل هذه الكميات الكبيرة من القمح منذ 10 أعوام، إذ كانت أكبر كمية استوردتها مصر في 2014 حين اشترت نحو 14.9 مليون طن.
ومصر هي الأكبر عالمياً في استيراد القمح باستحواذها على 2.6 في المئة من الاستهلاك العالمي، وهو ما يجعل من مشترياتها محل متابعة من كثب كمؤشر عالمي، وجاءت البلاد في قائمة أكثر الدول استهلاكاً للقمح في موسم 2023-2024 بما يزيد على 20 مليون طن، بحسب تقرير أكتوبر 2024 الصادر عن وزارة الزراعة الأميركية.
زيادة الإنتاج المحلي
يرى نقيب الفلاحين في مصر، حسين عبدالرحمن أبو صدام، أن الاستهلاك الشره للقمح في مصر بفعل زيادة عدد السكان في البلاد إلى ما يتجاوز 108 ملايين نسمة، يضع تحديات كبيرة على الدولة الأكثر استيراداً للمحصول في العالم، ومن ثم فإن العمل على زيادة الإنتاج المحلي يبدو أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
القمح الذي يمثل المكون الأبرز في إنتاج رغيف العيش يحتاج بحسب أبو صدام، إلى ممارسات إنتاجية سليمة ومعدات وميكنة زراعية تضمن عدم تقلص الإنتاج محلياً، واللجوء صوب الاستيراد بما يعنيه من أعباء إضافية على خزانة الدولة والاحتياطات الأجنبية، وهو ما يتعين معه مواصلة تحفيز المزارعين بأسعار توريد عادلة، ودعم العملية الإنتاجية فنياً وإرشادياً.
على رغم الضغوط المالية المتصاعدة، لا تزال تنظر الحكومة المصرية إلى رغيف العيش باعتباره خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه، بوصفه صمام أمان اجتماعي لملايين الأسر، غير أن استمرار الدعم بهذا الحجم وسط ارتفاع كلفة الإنتاج وأسعار الوقود، يجعل الموازنة أمام اختبار حقيقي للاستدامة المالية، بين ضرورات الإصلاح وواجبات العدالة الاجتماعية.
وبين كلفة الخبز وثمن الاستقرار، سيظل الرغيف معياراً صادقاً لقدرة الدولة على تحقيق توازن دقيق بين الاقتصاد والناس.