ملخص
الخوف يدب في نفوس أهل المنطقة نتيجة القتل من دون أي سبب في ظل انتشار قوات "الدعم السريع" المدججين بالسلاح في كل مكان يمارسون الرعب والجرائم ضد المواطنين بلا مراعاة لأوضاع المرضى وكبار سن والنساء والأطفال.
يعيش السكان العالقون في المدن التي تقع تحت سيطرة قوات "الدعم السريع"، بخاصة مدينتا الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور وبارا في ولاية شمال كردفان، أياماً عصيبة يشوبها الهلع والرعب جراء الانتهاكات والجرائم البشعة التي تمارسها تلك القوات في حق المدنيين، والتي وصفت بأنها الأعنف في تاريخ السودان.
وما زاد الوضع سوءاً منع قوات "الدعم السريع" أخيراً سكان المدينتين مغادرتهما وإجبارهم على البقاء فيهما، في وقت تشهد المدينتان انعداماً في الغذاء بسبب توقف المطابخ الخيرية التي تقدم الوجبات المدعومة وعدم توفر السلع الاستهلاكية وارتفاع أسعارها بسبب إغلاق الطرق، فضلاً عن شح المياه الصالحة للشرب، إضافة إلى انعدام الرعاية الطبية نتيجة تدمير المستشفيات والمراكز الصحية ومغادرة الكوادر الطبية.
واقع صادم
يقول المواطن عبدالله حماد الذي لا يزال عالقاً في مدينة الفاشر "الوضع في الفاشر صادم للغاية بسبب بشاعة الجرائم وعمق الكارثة الإنسانية المتمثلة في الافتقار الحاد إلى الغذاء ومياه الشرب والرعاية الطبية، وأصبح أهالي المدينة بمثابة أشباح بسبب عدم توافر ما يسدون به رمقهم".
وأضاف حماد، "السكان الذين لا يزالون عالقين عاشوا أياماً عصيبة تحت الحصار الذي استمر 18 شهراً، إذ ذاقوا مرارات التجويع وأشد أنواع الانتهاكات، إلى جانب عدم القدرة على التنقل والحركة بسبب الخوف من القتل من دون أي سبب في ظل انتشار قوات ’الدعم السريع’ المدججين بالسلاح في كل مكان يمارسون الرعب والجرائم ضد المواطنين من دون مراعاة أوضاع المرضى وكبار سن والنساء والأطفال".
وأوضح المواطن أنه "على رغم مرور قرابة الأسبوعين على سقوط الفاشر فإن الانتهاكات ضد سكان المدينة العالقين لا تزال قائمة، إلى جانب مواجهتهم شبح الجوع الذي ينهش البطون الخاوية بعد توقف المطابخ الخيرية التي كانوا يعتمدون عليها، فضلاً عن الروائح الكريهة وتفشي الأمراض بسبب تناثر الجثث على الطرقات، وكلها عوامل تفاقم معاناة المواطنين العالقين وتنامي مخاوفهم".
اتهامات باطلة
من جانبها، تقول آمنة آدم إحدى النازحات اللاتي أجبرن على العودة إلى مدينة الفاشر بعد وصولها منطقة قرني "المواطنون يعيشون حالاً من الرعب، ويحاولون الفرار من مدينة الفاشر المنكوبة بعد استيلاء قوات ‘الدعم السريع‘ عليها، كنا صامدين نغالب أقسى الظروف المعيشية طوال أشهر الحصار، لكن الآن باتت الحياة قاهرة لا يمكن العيش في هذه المدينة بعد قتل المئات من ذوينا من دون حتى إمكانية دفنهم، وآخرين في عداد المفقودين لا ندرى مصيرهم، كما لدينا أشخاص زج بهم في السجون لاتهامات باطلة ولا نعرف مصيرهم، فضلاً عن نهب ممتلكاتنا وانقطاع الخدمات الأساسية من غذاء ومياه وكهرباء ورعاية طبية".
وأردفت آدم، "نزحنا نتلمس طريق الفرار بعدما أنهكنا الجوع والمرض والقلق من القصف المستمر والتدهور الأمني، ولدى اقترابنا من منطقة طويلة التي تحوي النازحين الذين لجأوا إليها منذ بدء الحصار، أمسكت بنا قوات ‘الدعم السريع‘ وأجبرتنا على العودة من منطقة قرني، لا سيما أن تلك القوات أغلقت كل الطرق أمام الفارين، وتمنع النازحين من مواصلة السير نحو المناطق التي تتوفر فيها الخدمات".
ومضت قائلة، "وسط دموعنا عدنا لنصبح ضمن العالقين الذين لا يجدون منفذاً للفرار فقط نواجه تحديات البقاء، فهناك من سمح لهم بالسكن في منازلهم المدمرة، وبعضهم في منازل مهجورة حيث نتشارك المياه القليلة والمواد الغذائية التي بدأت القوات في توزيعها من أجل إقناع الأهالي بالعودة واستعادة الحياة إلى طبيعتها وعدم التفكير في النزوح".
وأشارت النازحة إلى أن "الحاجة الآن ماسة إلى الأمان أكثر من أي أمر آخر وسط المسلحين الذين يعيشون نشوة تعذيب أهالي الفاشر الأبرياء".
البقاء قسراً
المتحدث باسم تنسيقية النازحين واللاجئين في دارفور آدم رجا أوضح أن "حركة النازحين إلى طويلة تراجعت مقارنة بالأيام السابقة، مع تواتر الأخبار عن منع ‘الدعم السريع‘ السكان من مغادرة مدينة الفاشر، وأعادت النازحين الفارين منها إلى المدينة بعد وصولهم منطقة قرني قبل وصولهم طويلة".
وأشار رجال إلى أن "الأوضاع داخل الفاشر سيئة للغاية، وأن السكان العالقين يعانون مشكلات نفسية بسبب ما شاهدوه من مناظر مرعبة، وهم في حاجة إلى مغادرة المدينة لحين هدوء الأحوال، فضلاً عن أنهم في حاجة ماسة للمساعدات الغذائية وأيضاً للرعاية الطبية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مهمة شاقة
وفي مدينة بارا بولاية شمال كردفان يقول الناشط المجتمعي مصعب أبوزيد، إن "أوضاع المواطنين في بارا تزداد سوءاً في ظل انقطاع الإمدادات الغذائية والدوائية، إلى جانب التفلتات الأمنية، مما يجعل الوصول إلى العالقين داخل المدينة مهمة شاقة ومستحيلة".
وواصل أبوزيد "منذ أن سقطت مدينة بارا في يد ‘الدعم السريع‘ أواخر أكتوبر (تشرين الأول)، الماضي انعدمت مظاهر الحياة وأفرزت واقعاً إنسانياً مزرياً، إلى جانب وقوع جرائم وانتهاكات في حق المدنيين أسهمت في موجات نزوح غير مسبوقة بينما من فضل البقاء أو أجبر قسراً يعاني القتل والتصفية الجماعية، بخاصة الشباب الذين ذاقوا شتى أنواع التعذيب، إضافة إلى حملات اعتقال ونهب وتخريب طاولت الممتلكات العامة والخاصة وسط انقطاع شبكات الاتصال والإنترنت".
وزاد "سكان بارا متمسكون بمدينتهم، لكن الاعتداءات المتواصلة على أبنائها أدت إلى نزوح جماعي نحو مدينتي الأبيض عاصمة شمال كردفان وكوستي في النيل الأبيض وغيرهما من المناطق المجاورة، عقب تصاعد وتيرة القصف العشوائي الذي استهدف الأحياء السكنية والمنازل ومرافق الخدمات الحيوية".
وأضاف "نظراً إلى وقوع بارا على الطريق الذي يربط إقليمي كردفان ودارفور بالعاصمة الخرطوم عبر مدينة أم درمان، توقفت الإمدادات الغذائية التي كانت تنساب من خلاله نهائياً بسبب إغلاقه، وأصبحت المدينة تعتمد على السلع الواردة من عاصمة شمال كردفان على رغم ارتفاع أسعارها باستمرار".
ولفت الناشط المجتمعي إلى أن "نداءات الاستغاثة من الأهالي والمنظمات المحلية تتواصل لتوفير الغذاء ومياه الشرب والأدوية، في ظل توقف وسائل التواصل التي كانت سبباً في تسيير المطابخ الجماعية من خلال التمويل وجمع التبرعات، بالتالي حالت دون الوصول إلى المحاصرين".
أسعار ملتهبة
بينما أفاد التاجر في سوق مدينة الأبيض معاوية أيوب بأن "ولاية شمال كردفان تشهد ندرة في السلع الاستهلاكية الأساسية، وإن وجدت فأسعارها مرتفعة للغاية وتزيد بصورة مستمرة، مما يفاقم معاناة الأسر بسبب إغلاق ميليشيات ‘الدعم السريع‘ الطرق الرئيسة، بخاصة الطريق الرابط بين بارا وأم درمان، لا سيما أن تهديداتها باجتياح مدينة الأبيض يجعل المواطنين في حال خوف وترقب".
وأوضح التاجر أن "استمرار الحال على هذا النحو مع منع انسياب المحاصيل الضرورية مثل الدخن والذرة، إلى جانب السلع الاستهلاكية مثل السكر والزيت والدقيق والعدس والرز سيترتب عليه الجوع والمرض، فضلاً عن أزمة السيولة النقدية التي من شأنها إحداث ارتكاب في التعاملات التجارية".