ملخص
تعيش لينكا، الطالبة السلوفاكية المقيمة في الدنمارك، منذ سبعة أعوام على الطعام الذي تعثر عليه في حاويات القمامة، وحولت تجربتها إلى أسلوب حياة ورسالة بيئية عبر "إنستغرام"، تسعى من خلالها إلى توعية الناس بهدر الطعام والكشف عن المفارقة بين فائض الغذاء في المتاجر وجوع العالم.
لم نكن نهدر الطعام إطلاقاً حين كنت أعيش مع عائلتي في سلوفاكيا. كنا نزرع الخضراوات والفواكه بأنفسنا، ونصنع المربيات والمخللات من البقايا. كانت مخلفات الطعام تذهب إلى دجاج جدتي في الجوار أو إلى صناديق السماد. كنا نحيا حياة صديقة للبيئة، لكنني لم أسمع حينها عن "الغوص في القمامة" أو أفكر يوماً في إنقاذ الكوكب.
وفي أواخر مراهقتي، قضيُ فصل الصيف أعمل في شاليهات جبال تاترا العالية في سلوفاكيا، حيث التقيت أشخاصاً يهتمون بالبيئة ويعلنون ارتباطهم بالطبيعة. هناك قررت أن أدرس الإدارة البيئية بدلاً من الاقتصاد.
في تلك الفترة تقريباً شاهدت للمرة الأولى مقطع فيديو على "يوتيوب" عن الغوص في القمامة. أتذكر أنني رأيت شخصاً يتسلق إلى داخل حاوية ويعود محملاً بكثير من الطعام الجيد. وبدأت أبحث في الإنترنت، خصوصاً على "فيسبوك"، عن مزيد من محتوى الغوص في القمامة. وفي أميركا، كان غواصو القمامة يعثرون على كل شيء تقريباً، من الأثاث إلى الملابس والمعدات، أما في أوروبا فكان الأمر يقتصر في الغالب على الطعام.
في البداية شعرت بصدمة من كمية الطعام الجيد التي تهدر، وأردت أن أرى ذلك بعيني. وكان جرى قبولي للدراسة في كلية إدارة الأعمال في آرهوس بالدنمارك، وبمجرد وصولي ذهبت إلى أقرب سوبرماركت، لا للتسوق بل لتفقّد الحاويات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
قدت دراجتي 10 دقائق ليلاً لأنني أردت البقاء متخفية. وقبل أشهر قليلة كنت جربت الغوص في القمامة في فيينا بعدما تعرفت عبر "فيسبوك" إلى مجموعة من الغواصين، لكنها كانت المرة الأولى لي في الدنمارك. كنت خائفة من نظرة الناس ولم أعرف القواعد، إذ كان ذلك يومي الأول هناك.
وعثرت على قالب حلوى جاهز محشو بالمربى ومغطى بالسكر البودرة، فأخذته إلى البيت وأكلته، مع بضع مواد أخرى وجدتها في الحاوية. لم أغص في القمامة لأنني لا أستطيع شراء الطعام، بل بدافع الفضول بعدما شاهدت كثيراً من مقاطع الفيديو والمنشورات عن الموضوع.
وفي اليوم التالي ذهبت إلى حاويات متاجر أخرى. كنت أعيش في ثاني أكبر مدينة في الدنمارك، وكنت أعلم أن كميات الطعام المهدرة ستكون كبيرة. وصرت أتفقد الحاويات يومياً، وكانت دائماً ممتلئة. وفي معظم الأوقات كانت تصل إلى مستوى كتفي، وأحياناً كنت أضطر إلى التعلق بحافتها ورفع قدميّ في الهواء لالتقاط الطعام من الأسفل. لم أشعر بالقذارة أبداً، فحاويات السوبرماركت في الدنمارك نظيفة جداً.
ومنذ ذلك الحين سافرت كثيراً في أنحاء الدنمارك، والآن أعيش في كوبنهاغن، وفي كل مكان أذهب إليه أجد الحاويات مليئة بالمنتجات اللذيذة. فقبل أيام عدت للمنزل ومعي أكثر من 40 ثمرة أفوكادو. لم أستطع أخذ مزيد منها لأن لدي حقيبة ظهر واحدة وسلة صغيرة في دراجتي. وأخذت كذلك 30 بيضة فقط من أصل 80 لأني كنت أعلم أنني لن أستطيع تناولها كلها. وأشارك طعامي دائماً مع الآخرين، وأعد حساءً لزملائي من طعام الحاويات عندما أجد كثيراً من البروكلي أو البطاطا أو الكراث أو القرنبيط أو الفليفلة.
منذ سبعة أعوام وأنا أتناول طعام الحاويات. ولا أشتري إلا الجعة والزيت والتوابل والشوكولاتة لأنها نادراً ما تتوافر في الحاويات. وإذا خرجت مع أصدقائي، فقد أشتري فلافل أو أتناول الغداء في مقهى. ولا أعرف كيف تبدو فاتورة طعام شهرية، إذ لم أمتلك واحدة قط.
وأذهب إلى الغوص في القمامة كل ثلاثة أيام تقريباً، وأحياناً أتوقف لأسبوع لأن لدي فائضاً من الطعام. فقبل شهر مثلاً، أنقذت كميات من التوفو والفلافل النباتية ووضعتها في المجمد.
إن ردود فعل الناس متباينة، فكثرٌ عندما يسمعون للمرة الأولى عن الغوص في القمامة يظنون أنه أمر مقرف، فإنها "حاوية قمامة" في نهاية الأمر، لكن بعضهم يتحمس ويقول: "هذا رائع! أريد أن آتي معك! هل هذا ممكن؟".
ومن فترة قصيرة، رافقني صديق إلى إحدى الحاويات، وعندما فتحنا الغطاء وجدناها مليئة بنصف حبات برتقال معصورة. رأيت تحتها جوزاً وبندقاً وبروكلي وزبادي. وبالنسبة إليّ لم يكن الأمر مقرفاً. فإذا كان الطعام دبقاً قليلاً، أخرجه من العلبة أو أغسله في البيت. أما صديقي فشعر بالنفور من لمس الطعام اللاصق، بينما كنت أعلّق نفسي على حافة الحاوية لالتقاط ما أريد. لحسن الحظ أنا طويلة وأستطيع الوصول من دون فوضى.
بحلول عام 2019، كنت قد قضيت عاماً أعيش على طعام الحاويات، وأدركت أنني أريد نشر الوعي حول هدر الطعام في الدنمارك وأوروبا. فخطرت لي فكرة اسم طريف لحسابي على "إنستغرام"، فأطلقت عليه "ديفا الغوث في القمامة" Dumpsterdivingdivaa، وبدأت ألتقط الصور ومقاطع الفيديو وأنشرها لأظهر أن ما أفعله ليس مقرفاً، بل يتعلق بطعام جيد وصالح للأكل.
أفتح حاوية خضراء وأعرضها وهي تفيض بأكياس رقائق البطاطا، ثم أظهر أخرى مليئة بالخبز، وثالثة مليئة بالخضراوات والفواكه. كثيراً ما أرتب الطعام بعد الغوص لأظهر كم يبدو مثالياً: علب فريز وعصير برتقال وبيتزا وبطيخ وطماطم كرزية.
وينظر الناس إلى الدنمارك على أنها "دولة خضراء"، لكن حاويات متاجرها مخجلة. ومن الجنون أن يعاني الناس الجوع حول العالم بينما أستطيع أن أعيش سبعة أعوام على طعام حاويات المتاجر. والسبب جزئياً هو الاستهلاك المفرط، وجزئياً سوء الإدارة، إذ تتخلص المتاجر من الأطعمة قبل انتهاء صلاحيتها بوقت طويل، إضافة إلى اعتقاد الناس بأن الطعام القريب من انتهاء الصلاحية لا يستحق الشراء.
بالنسبة إليّ، الغوص في القمامة أسلوب حياة. إذا كنت أتجول على دراجتي وشعرت بالجوع، فأتوقف عند حاوية وألتقط موزة مثلاً وأواصل طريقي حتى أجوع مجدداً. إنه أشبه بخدمة "الطلب من السيارة". والآن أعرف مواقع جميع الحاويات، لذلك أكون انتقائية. وأعرف إلى أين أذهب للحصول على خبز جيد أو خضراوات طازجة، وأعرف أيضاً في أي أيام الأسبوع أزور كل حاوية لأنني أعرف جدول مرور عمال النظافة.
وأؤمن تماماً أن ما أجده ليس قمامة بل طعام. وإذا أوقفني أحد أثناء الغوص، فأتعامل معه باحترام وأعود لاحقاً عندما يغادر. في بعض الدول تغلق الحاويات بالأقفال، وبعض متاجر الدنمارك بدأت تفعل ذلك. وأسوأ ما في الحاويات المقفلة أن الطعام المهدور يبقى مخفياً، ولا تمكن مشاركته مع الآخرين عبر الإنترنت.
وإذا انتقلت يوماً، فقد أجرب العيش في النرويج أو السويد، فهناك أيضاً حاويات فاخرة مثل الدنمارك. وأخيراً عثرت على 30 كيساً من سلطة الأعشاب البحرية المجففة وتوفو ودجاج وكباب نباتيين، وخمسة لترات من النبيذ، و40 علبة جعة جرى التخلص منها لأن إحداها كانت تتسرب، إضافة إلى صناديق مشروبات غازية وكولا.
لكنني لا أعتقد بأنني أفعل ما يكفي، فالحاويات لا تزال مليئة. وآمل أن أستطيع عبر "إنستغرام" الوصول يوماً إلى أشخاص قادرين على إحداث تغيير منهجي. وأدهشني عدد من يشاهدون مقاطع الفيديو التي أنشرها، على رغم أنها لا تصور سوى "القمامة"، لكن كثراً يشاركون مواقعهم ويسألونني أن أصطحبهم معي.
أجد كميات من الطعام تفوق حاجتي، ولا أستطيع دائماً الذهاب إلى كل الحاويات، لكن يسعدني مساعدة الآخرين في العثور عليها. وقد لا أحصل دائماً على "غنيمة قمامة" كبرى، لكني آمل أن تسهم مقاطع الفيديو التي أنشرها – سواء لصنع حساء الفطر من نفايات الطعام أو للعثور على أكوام من الخوخ المثالي – في زيادة الوعي والمساعدة في وقف هدر الطعام.
© The Independent